ثقافة المقال

أنواع الصائمين… وأعيادهم

بقلم: طه بونيني

تجيب المقالة عن هذه الأسئلة: من هم أنواع الصائمين؟ هل للصيام غرض دينيّ فقط؟ ماهي الأغراض الأخرى؟ ماذا يعني العيد؟ ما هي فلسفة الصيام وفِكرتُه؟ ماذا ننتظر من الصائم بعد إتمام صومِه؟
معظم الديانات تضمّنت الصوم في شعائرها، وحتّى غير السماوية منها كالبوذية. كما أنّ الصوم “وصفة صحيّة” لبعض المرضى. فالصوم تارة يهدف لأغراض صحية وتارة إيمانية أو لنقل بصفة عامة (روحانية) أو لغرض الكفاح لأجل المطالبة بالحقوق. والقاسم المشترك بين الصوم عند كلّ صائم، سواءً ذو الغرض الديني أو الصحيّ أو النضالي هو أنّ للصائم “هدفٌ”، إذا أصابه وحقّقه فإن له “جزاءً” وفرحة ببلوغه.
فالصائم غير المتديّن الذي ينوي الصحة بما يُسمّى ب “صوم الحِمية” إذا كان لبضع ساعات، وإذا كان صيام اليوم كلّه سُمّي في بعض الأوساط ب “التجويع الإسلامي”، فهو يَضعُ الحمية والصحة والقامة الرشيقة هدفا أمامه فإذا حقق هذا الهدف سَعِد به.
والصائم المتديّن، سواءً كان مُسلما أو نصرانيا أو بوذيا أو غيرهما، فإذا أنهى ساعات صيامه وتناول فطوره فرح كذلك وأحسَّ بأن تضحياته لم تذهب سُدىً، ذلك لأنّه آمنَ بفكرة ألا وهو أنّ:” قهر الشهوات يُزكّي النفس ويُنقّي الروح، ويُطهّر البدن”. فإذا أحسن النيّة وكان هذا مُعتقدُه حقّا، أحسَّ في آخر اليوم، بأنّه زكيّ النّفس نقيّ الروح طاهر البدن. من أمثلة هؤلاء، المسلمون الذي يصومون شهر رمضان، والأيام البيض وستّ من شوّال وأيّاما من ذي الحجة، وعاشوراء، كما أنّهم يصومون في شهور أخرى مثل شعبان…كما أنّ النّصارى يصومون الصوم الكبير، تحضيرا لعيد الصفح، وفترة الصوم الكبير تدوم أربعين يوما.
أمّا الصائم طالب الحقوق، أسيرا أو مناضلا اجتماعيا أو حقوقيا أو سياسيا…فتجدُ جزاءه يتقلّب بين خيارين، كلاهما نصرٌ مؤزّر. إمّا الظفر بالحقّ الذي ينشُده بعد أيّام طوال من الصيام (إلا من الماء والملح أو غيره حفاظا على الحياة) أو بالموت والشهادة وذلك ظفرٌ معنوي، وإن كان تراجيديا إلّا أنّ أثره ورسالته في النّاس قد يظلّ للأبد. وخير مثال على هذا النوع من الصائمين، صيام الأسرى الفلسطينيين، الذي يكدحون في سجون المحتلّ الإسرائيلي. ومثال آخر هو القائد الهندي مهاتما غاندي في كفاحه السلمي ضدّ المُحتلّ البريطاني.
والقاسم المشترك بين أنواع الصائمين هو الجزاء (العيد) وإن اختلفت أحواله. والعيد في الأحوال كلّها هو تحقيق الهدف الذي يرومه كلّ منهم بالتضحية (الصوم).
ويبقى الخاسر والشاذّ الوحيد عن التوفيقة الجميلة (الهدف ـ التضحية ـ الجزاء) هو “صائم العادة” أي الذي يصوم لأنّه وجدَ آباءه وأجداده والنّاس من حوله كذلك يفعلون. فهذا النوع من الصائمين يخالف الآخرين في كونه صائماً بلا هدف، أو بالأحرى فهو يملك هدفا هزيلا (مائدة الإفطار). وإن كان الهدف لا بأس به، إلّا أنه شهوة في حدّ ذاته، ولا يتناسب مع الصوم. ولا أنفي كون “صائمي العادة” يتوقون من الله الجزاء والقُبول، غير أنّ توقَهم لهذا الهدف ليس بمثل القوة والجدّية لدى غيرهم من الصائمين ذوي الهدف الديني القويّ. وما دام هدفهم ليس بنفس القوّة، فجزاؤه لا يكون كذلك…وما أكثر صائمي العادة. فتضحياتهم الكبيرة، يُقابلها “هدف هزيل” لا يُغذّي أي طموح. ولهذا نجدُ فرقا كبيرا بين سلوك الصائمين الذي ذكرتُهم، فمن جهة يوجد صائم الهدف والنيّة ذو السلوك المُجدّ، ومن جهة أخرى صائم العادة ذو السلوك الباهت. فالأوّل يذوق صنوف الحرمان في سبيل الراحة، والثاني يسومُه الهوان لمجرّد السياحة!
لقد أثبتَّ كفاءتك…أكمل!
الصومُ واحد وأهدافه مختلفة، والعيد واحدٌ وأصحابه مُختلفون. وكلّهم يثبتون جدارتهم في امتحان الصبر. خاصّة إذا كان ساعات صومهم طويلة. ولنأخذ المسلمين، فهم يصومون أكثر من اثني عشر ساعة، وفي فصل الصيف تفوق أربعة عشر ساعة، وصيامهم هذا برهان على الصبر. والأحرى والأجدر بمن فاز في هذا الامتحان الكبير، أن يُكمل العام بنفس الصبر والقوّة والجلَد. فالنجاح في كافّة المجالات يتطلّب صبرا وقوّة ومثابرة، والذي تحمّل الصوم كيف لا يتحمّل ساعات عمل قليلة لمن يروم النجاح في العمل، وكيف لا يتجشّم عناء المراجعة لطالب العلم…
فالكثيرون يمرُّ عليهم شهر رمضان مرور الكرام، دون أن يستفيدوا من عبرتِه الكبرى ألا وهي الاستفادة من الصبر، في حياتهم. ويبقى السؤال:” كيف تبقى أمّة الصبر، في ذيل الأمم؟!”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق