قراءات ودراسات

حسان بن ثابت

(أمير شعراء الدعوة)

بقلم : أ. عباس المناصرة

أ – ” مدخل عام لفهم شعره “
1- مقدمة تاريخية: حسان بن ثابت الأنصاري، صحابي جليل، عايش الدعوة الإسلامية بشعره، منذ البدايات الأولى، في دار الهجرة، أمير الشعر الإسلامي بلا منازع، من حيث غزارة الإنتاج، وطول النفس الشعري، والمستوى الفني وتعدد الموضوعات التي أبدع فيها والأغراض التي غطاها.
امتاز حسان رضي الله عنه بموهبة شعرية متخصصة، ويضاف إلى ذلك انه صاحب تاريخ عريق وتجربة عميقة في هذا الفن؛ لأنه كان من فحول شعراء الجاهلية، حتى اعتبره بعضهم أشعر أهل الحواضر، وكانت له صولات وجولات في أسواق العرب، وفي مدح ملوك الغساسنة في الشام، وشاعريته في الجاهلية تجمع بين جزالة اللفظ والزينة العفوية التي لا يظهر الكد المتعمد فيها، مع نفس شعري يجاري السباق الفني لأبناء عصره ويستجيب للمنافسة، ولكنه لم يصل إلى مستوى شعراء المعلقات، وإن لحق بهم في بعض قصائده المشهورة وخاصة في المدح والفخر والهجاء وهي الفنون التي ظهر فيها، وتجلت فيها قدرته الفنية العالية قبل الإسلام. كان حسان المنافح عن قومه العارض لمآثرهم كعادة شعراء الجاهلية، وهو صاحب لسان سليط في الهجاء يصل إلى حد الإقذاع.
وقد استمد حسان فنيته من الخبرات المتوارثة في الفن الشعري، ومن البيئة المحيطة، بحيث استطاع أن يكوّن له أداء خاص به، جعله الشاعر الحضري المتميز في الجاهلية(22).

2- التحول العقيدي:
حدث التحول العقيدي في المجتمع العربي للأفراد والجماعات، وكان الشعراء من ضمن الشرائح الاجتماعية والثقافية التي طرأ على فكرها وحياتها هذا التحول الانقلابي، الذي قلب المفاهيم والعقائد القديمة ودثرها واستبدلها بالدين الجديد، وتصوراته العقيدية والأخلاقية والتشريعية والتعبيرية. وإذا حاولنا أن نتعرف على الذي حدث، حتى نفسره، وحتى تتضح أبعاد هذا الانقلاب وتأثيره على الفن الشعري، فإننا نرى أن الأساس الأول لتفسير السلوك البشري واللبنة الأولى في استقراره أَو انهياره هو العقيدة، فالسلوك البشري نبتة عظيمة جذورها النوايا وتربتها العقيدة، بما تطرحه من تصور وتفسير للحياة، لقد انهارت العقيدة الجاهلية في نفوس أصحابها أمام الدين الذي استولى على لباب أتباعه، وأصبح الإنسان العربي لا يدخل الإسلام إلا وقد خلع على أبوابه معتقدات الجاهلية وأخلاقها وجميع ما يمت لها بصلة، ويدخل عقيدة الإسلام وتصوره وقيمه، لتصبح هي الميزان المنهجي الذي ينظر من خلاله للأمور، وهذا يكشف قدرة الإسلام على توجيه فكر ومشاعر اتباعه وطرائقهم التعبيرية في فترة وجيزة من الزمن.
وهذا التحول حدث لكل الشعراء الذين أسلموا، لبيد بن ربيعة، النابغة الجعدي، حسان بن ثابت، كعب بن مالك، عبد الله بن رواحة وغيرهم…، ولكن بمستويات متفاوتة.
الخنساء بكت أخاها صخراً طوال عمرها في الجاهلية، وعندما مات أولادها الأربعة في الفتح الإسلامي قالت (الحمد لله الذي شرفني بموتهم وأرجو أن يجمعني الله بهم في مستقر رحمته) فما الذي حدث؟! أتبكي أخاها ولا تبكي أولادها، انه الانقلاب الذي أحدثه الإسلام في نفوس اتباعه.
هذا التحول من الجاهلية إلى الإسلام، دخل إلى نفس حسان، فاحدث التغيير الجذري في فكره وسلوكه وشعره، انتقل فيه من الوثنية إلى التوحيد، ومن العصبية القبلية إلى الأُخوة الإسلامية، ومن المنافسة الأدبية التي تهيم في كل واد، إلى الأدب الموجه الملتزم بالإسلام، وقد أطلق مؤرخو الأدب على ظاهرة التحول هذه اسم “الخضرمة” وهي تشمل جميع الشعراء الذين هداهم الله وانحازوا للإسلام.

3- مصطلح “الخضرمة” أو المخضرم
وهو مصطلح عميق دقيق، يحتاج إلى تجلية وإيضاح، ولعل أَول معانيها الانحياز والانتقال الذي تم في نفوس الشعراء، وجعلهم يتركون دين الآباء والأجداد إلى دين الإسلام والتوحيد، إنه انتقال من النهج القديم المعوج إلى النور الجديد الذي أَنار العقول والقلوب، وهو يعني الجيل الأول الذي تحمل مسؤولية رفض الجاهلية واعتناق الإسلام، وهذا الأمر يعني التفريق بين “المخضرم ” الذي تحمل مسؤولية الاشتراك في هذا الانقلاب الشامل، وبين من بقي على الجاهلية معتنقاً لها متمسكاً بها مدافعاً عنها، لأنه على الرغم من انه لحق بالإسلام من ناحية عنصر الزمن، إلا أنه بقي جاهلياً، لأنه رفض الإسلام كعقيدة ومنهج حياة، وعلى هذا فهو امتداد للعصر السابق في العقل، والسلوك والتعبير، وهناك النوع الثالث وهو الجيل الذي ولد في الإسلام من أبناء المسلمين، ولم يعش تجربة الآباء الذين تمردوا على الجاهلية، وإنما تفتحت عيونه على الإسلام الذي يواجه الجاهلية، وقد كانت هذه النماذج الثلاث: الجاهلي والمخضرم والجيل المسلم الأول كلها تعيش داخل إطار فترة زمنية واحدة، وهذا هو الفهم العميق ” للخضرمة ” في الأدب إنها انقلاب فكري حدث لمرة واحدة في تاريخ هذه الأمة، وظهرت آثاره العميقة على موازين الشعراء الفكرية، والفنية، والتعبيرية، بعد أن خلعوا الجاهلية على أعتاب الإسلام دون أسف عليها، وقد كان حسان بن ثابت من أوائل الشعراء المخضرمين السابقين لاعتناق الإسلام.

4- حسان والموهبة المتخصصة:
قد يكون الإنسان متعدد المواهب، وقد تتاح له الفرصة، لتوظيف هذه المواهب، ونرى ثمار هذا التوظيف عملياً، فهذا عبد الله بن رواحة، كان صاحب فروسية وموهبة عسكرية جعلته القائد الثالث لغزوة مؤتة، وهو شاعر مبدع وخطيب مؤثر، وكذلك كان غيره من الشعراء الصحابة فيهم من جمع بين القيادة والسياسة والشعر والخطابة، والإنسان الذي تتعدد مواهبه وقدراته تتوزع طاقاته عليها، ولكنه قد يتميز بغلبة واحدة منها عليه.
أَما حسان رضي الله عنه فهو الشاعر الوحيد الذي لم يملك موهبة أخرى تنافس عنده فن الشعر، فهو صاحب موهبة واحدة، وطاقة واحدة هي طاقة الشعر، ولم يعرف عنه غيرها، فهو لم يشتهر بالقيادة ولا بالفروسية ولا بالخطابة، ولكن عرف عنه فقط بأنه شاعر. وصاحب الموهبة الوحيدة يمتاز دائماً بالعمق فيها والخبرة والقدرة على الإبداع المتميز الذي لا يستطيعه الإنسان المتعدد العطاء، ولذلك فهو شاعر متخصص، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، يملك الموهبة المتمرسة قبل الإسلام في هذا الفن، مما جعله شاعر الدعوة الأول؛ لما يمتاز به من ارتفاع المستوى الفني وغزارة الإنتاج على بقية شعراء الدعوة، لأنه إبداع المتفرغ المتخصص الذي يعيش هموم تطوير الفن الشعري بعناية فائقة.

5- الشعر الموجه:
إن انتقال حسان من الجاهلية إلى الإسلام، مع موهبة عريقة ذات خبرة في هذا الفن، لها تقاليدها الفنية السابقة للإسلام، يحتاج إلى عناية خاصة ورعاية متميزة، تشرف على هذه الموهبة، وتعلمها كيف توظف، فنها في خدمة هذا الدين الجديد، بما يتناسب مع فهم هذا الدين لوظيفة هذا الفن.
إذا فحسان بحاجة إلى تربية جديدة تساعده على إعادة ترتيب هذه الخبرة وتوظيف هذه الموهبة، ضمن المعطيات الجديدة، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم عرف ذلك لحسان، فأولاه اهتماماً خاصاً، يساعده على النجاح في أداء وظيفة هذا الفن الخطرة، فكان يوجهه ويعطيه الوقت الكافي لهذا التوجيه، ويشرف على ذلك بنفسه، ومن أمثلة ذلك محاورة الرسول لحسان: كيف تهجوهم – يقصد قريشاً – وأنا منهم، فقال حسان (أَسلكَ كما تُسَلُ الشعرة من العجين) وهنا يعزز الرسول صلى الله عليه وسلم حسان ويقول له (اهجهم إن كلامك عليهم لأشد من نضح النبل)، وفي توجيه آخر لحسان يقول له اذهب لأبي بكر وتعرف منه على مثالب القوم، لان ذلك يشكل مادة علمية تساعد حسان في فن الهجاء.
أما القرآن الكريم فقد وصف جنس الشعراء بأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولا ينطلقون من التجربة والمعاناة، ويفسحون المجال للخيال إلى حد الخروج عن الحقائق الموضوعية، وربما يصلون بذلك إلى حد الكذب، مع استثناء خاص للشعراء المؤمنين فإذا علمنا أن بعض الشعراء ينطلق في أصول فنه الشعري من التجربة والفعل، فهو من الذين يقولون ما يفعلون، وبعضهم ينطلق في أصول فنه الشعري من المعايشة وليس من الفعل، مع أنّ الشاعرين يصدران عن عقيدة واحدة ويلتزمان بها، انكشف لنا الفارق بينهما:
شاعر الفعل والمعاناة والتجربة فهو ميال إلى التزام محكوم بالتجربة أمثال عبد الله بن رواحة، وأما شاعر المعايشة والمشاركة الوجدانية الذي لا ينطلق من الفعل أمثال حسان، قد يقع في الخطأ فيشتط في الهجاء أو يسرح مع الخيال، اكثر من الحقيقة الموضوعية، ولذلك فهو بحاجة إلى عناية وتدريب وتوجيه، يمكنه من ضبط النفس والخبرة في حدود خدمة الهدف الذي يريده الإسلام من هذا الفن الخطير، حتى يتأصل هذا الفن على أسس إسلامية واضحة، وقد استطاع حسان أن ينجح في تخطي المصاعب، حتى استقرت ملامح شعره الإسلامي وثبتت قواعد فنه الشعري، بما يتناسب مع وظيفة الفن في هذا الدين، حتى استحق وبجدارة، أن يسمى شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم وأمير شعراء الدعوة في زمنه دون منازع، لأنه نجح في ضبط المعايشة الوجدانية وإخضاعها لمتطلبات الفن الإسلامي.

ب- حسان بن ثابت
“والنقلة النوعية للشعر الإسلامي ”
1- المقدمة:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو العطاء الرباني والقيادة الفذة، التي أخرجت مواهب العرب المدفونة في الجزيرة العربية وفجرتها بعد أن وظفتها في بناء حضارة هذا الدين العظيم، حيث استطاع النبي أن يسلط نور الإسلام على معادن الرجال فيكشف الطاقات المخبوءة للعبقرية العربية، ويوظف هذه المواهب والخبرات في خدمة دين الله، ومن المؤكد أن هذه الطاقات كانت ستدفن وتموت. لولا هذا الدين، وكان من بين هذه المواهب المتعددة ذات الخبرة العريقة التي صقلها الإسلام واخذ بيدها، أمير شعراء الدعوة، حسان بن ثابت رضي الله عنه، الذي عرف له الرسول – عليه السلام – عظم موهبته فوضعها في الموضع المناسب، وقد كان حسان في الجاهلية يعيش تحت سيطرة الأهواء واللذات ويندفع مع رغباته في كل واد، حتى إذا جاء الإسلام الذي طهر النفوس من إملاق العقائد الجاهلية، رأينا حسان يستجيب لأمر الله بسرعة مذهلة، أخضع فيها فكره وقلبه لمضامين الإسلام وطوع الفن الشعري لفهم الإسلام، وظهرت آثاره العميقة على موازينه الفكرية والفنية والأسلوبية وبصورة هي اقرب إلى الانقلاب منها إلى التدرج.
فقد نقل أغراض الشعر من الفخر بالذات والقبيلة إلى الاعتزاز العقيدي السياسي، ومن الغضب والهجاء المرتبط بمصالح الذات، إلى الغضب لله ولرسوله، ومن أدب التكسب إلى أدب الانتماء العقيدي، ومن المدح بدافع الطمع إلى مدح الهدى مقابل الثواب من الله سبحانه وتعالى.
كما استطاع بغزارة إنتاجه تغطية حاجات الدعوة، والاستجابة للتحديات التي تواجهها والرد على أكاذيب الكفار وجلاء حقائق الإسلام.
وهكذا استطاع حسان – رضي الله عنه – أن ينجح في توظيف موهبته، وتصحيح موازينها الفنية والأسلوبية، بما يتناسب مع تحديات الواقع ووظيفة الشعر كما أرادها الإسلام، بعد أن تغلغلت العقيدة في كيانه وتأدب بأدبها وعايش حياة الدعوة وجهادها بصحبة النبي عليه السلام وتحت إشرافه وتوجيهه، حتى بلغ المستوى الذي يقدر فيه على القيام بالمهمة ويُؤْمَن عليه من الإسراف في الخيال، عندها قام بالدور خير قيام، وقد شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، حين قال (أمرت عبد الله بن رواحة بهجاء قريش فقال وأحسن وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى).
وكان له فهم خاص وإدراك عميق في استعمال مادة الهجاء، حيث كان يهجوهم بالأيام التي هزموا فيها ويعيرهم بالمثالب، والمعايب والأنساب، لأنه كان يرى أن ذلك اشد عليهم من تعييرهم بالكفر، وهم لا يدركون قباحته، وان كان لا يهمل ذلك الكفر في الهجاء، وكان أيضاً يسفه عقولهم وأحلامهم ويسخر من ضلالهم، ولهذا كان القلب النابض بمعاناة الدعوة والأحداث التي تحيط بها، وهذه الفقرة هدفها الاستعراض السريع لشعر حسان والتعريف بقدرته وطول باعه في الشعر الإسلامي والأغراض التي ساهم فيها؛ سدا لحاجة الدعوة، في مواجهة شعراء المشركين.

2- الاستعراض العام
وعند استعراض شعره نجد أن حسان يسخر من ضلال عقول قريش حين بعث الله لها نبي الهدى فلم تؤمن به ولهذا يقول بعد أن استقبل الرسول عليه السلام في الهجرة إلى المدينة:
1- لقد خاب قومٌ غاب عنهم نبيهم=وقدـس من يسري إليهم ويفتدي
2- ترحل من قوم فضلت عقولهم=وحل على قوم بنور مجدد
3- نبي يرى ما لا يرى الناس حوله=ويتلو كتاب الله في كل مسجد
4- وإن قال في يوم مقاله غائب=فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
وقصته مع الحارث بن عوف المري حين قتل في جواره داع من دعاة الرسول مشهورة فقال فيه وفي عشيرته:
1- إن تغدروا فالغدر منكم شيمة=والغدر ينبت في أصول السخبر
وأمانة المري حيث لقيته=مثل الزجاجة صدعها لم يجبر
وعندها بكى الحارث من هجائه له بدموع غزار، واستجار بالرسول عليه السلام متوسلاً أن يكفه عنه حين قال يا رسول الله كف عني حسان، فوالله لو مزج كلامه بالبحر لمزجه، وانظر إليه وهو يسخر من أبي جهل ويحقر مقامه بين العرب في قوله:
1- سماه معشره أبا حكم=والله سماه أبا جهل
2- أبقت رياسته لمعشره=غضب الإله وذلة الأصل
وقد استطاع حسان أن يخلص الشعر من تهويم الخيال، الذي يصل إلى حد الادعاء والكذب، وأن يركز فيه على الصدق ووصف الحقائق دون تضخيم أو مبالغة مع سهولة الخطاب ووضوحه:
1- ولقد نلتم ونلنا منكم=وكذلك الدهر أحياناً دُول
2- إذ شددنا شدة صادقة=فأجأناكم إلى سفح الجبل
3- وعلونا يوم بدر بالتقى=طاعة الله وتصديق الرسل
4- وتركنا في قريش عورة=يوم بدر وأحاديث مثل
وقد يُشيع بعضهم أن حسان كان جباناً، وفي ظني أنه يخطئ من وقع في ذلك، حيث كان حسان يرافق المسلمين في المعارك ويتغبر بغبارها، ولكنه لا يستطيع القتال لأنه من أصحاب الأعذار فهو صاحب عرج ويده لا تقوى على القتال، ولكنه فعل بالمشركين ما لم يستطع فعله أهل القتال، أَلم يقل له النبي عليه السلام قاصداً بذلك لسانه (لهذا أشد عليهم من وقع النبل) بل وكان يدعو له أن يؤيده الله بروح القدس، وكان أيضاً يقسم له في الغنائم كنصيب المقاتلين لأهمية ما يقوم به.
وفي أكثر الغزوات كان حسان يعايش الجهاد بنفسه ويشارك فيه بجهده وشعره، ويكفيه سبقاً انه نقل الشعر من التكسب والرغاء والمصالح، إلى مرحلة ربطه بالعقيدة وبالالتزام وبصدق القلب، وهو الذي عاش أكثر من ستين عاماً من عمره في الجاهلية، ولكنه جاهد نفسه فنجح في استيعاب الدين الجديد والإيمان به، والتهيؤ للتعبير عن معاناة أَهله، واجه قريشاً وفضح مثالبها وعيرها بالهزائم، ونقل سمعة المسلمين وانتصاراتهم إلى القبائل العربية بأشعاره السائرة بينهم، فكانت أَشعارْهم حرباً نفسيةً على المشركين، ودعاية ناجحة للإسلام والمسلمين وسط القبائل العربية المتناثرة، يوم أَن كان العرب يعتبرون الشاعر الوسيلة الوحيدة للتعبير عن المواقف والمشاعر والأفكار، انظر إليه وهو يكشف ضعف قريش ويفضح هزائمهم ويعممها بشعره بين قبائل العرب فيزري من مكانتها بينهم:
1- وخبر بالذي لا عيب فيه=بصدق غير إخبار الكذوب
2- بما صنع المليك غداة بدر=لنا في المشركين من النصيب
3- فوافيناهم منا بجمع=كأُسد الغاب مردان وشيب
4- فغادرنا أبا جهل صريعاً=وعتبة قد تركنا في الجبوب
5- يناديهم رسول الله لما=قذفناهم كباكب في القليب
6- فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا=صدقت وكنت ذا رأي مصيب
وفي غزوة أُحد يرسم لنا صورة الصراع العقائدي بأسلوب سهل بين:
1- طاوعوا الشيطان إذْ أخرجهم=فاستبان الخزي منهم والفشل
2- حين صاحوا صيحة واحدة=مع أبي سفيان قالوا أُعل هبل
3- فأَجبناهم جميعاً كلنا=ربنا الرحمن أعلى وأجل
ويوم أحاط المشركون بالمدينة في غزوة الخندق ومعهم اليهود، لم ينسَ أن يكشف الموقف ويتفاعل معه بأسلوب يكشف عناية الله بهذه الدعوة ويجمع بين البساطة والصدق وسهولة الأداء دون ابتذال وهبوط:
1- واشك الهموم إلى الإله وما ترى=من معشر متألبين غضاب
2- حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا=قتل النبي ومغنم الاسلاب
3- وغدوا علينا قادرين بأيدهم=ردوا بغيهم على الأعقاب
4- بهبوب معصفة تفرق جمعهم=وجنود ربك سيد الأرباب
5- واقر عـين محمد وصحابه=واذل كل مكذب مرتاب
أَما اليهود فيفضح ضلالهم عن التوراة وخيانتهم للرسول وتعاونهم مع قريش بقوله:
1 – تفاقد معشر نصروا قريشاً =وليس لهـم ببلدتهم نصير
2- هم أُتوا الكتاب فضيـعوه =فهم عمى عن التوراة بور
ولم تكن حرب السيف هي الوحيدة التي كانت تعمل ضد الصف المؤمن، بل كانت حرب أخرى يقوم بها طابور من المنافقين، وفي حديث الإفك، يُتهم حسان بالخوض في ذلك فيسارع للتبرؤ من هذه التهمة، ويذب عن عرض أُم المؤمنين عائشة قائلاً:
1 – حصان رزان ما تزن بريبة=وتصبح غرتى من لحوم الغوافل
2 – حليلة خير الناس ديناً ومنصباً=نبي الهدى والمكرمات الفواضل
3 – فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم=فلا رفـعت سوطي إلى أناملي
4-وأن الذي قد قيل ليس بلائط=بها الدهر بل قول امرئ متماحل
هذا هو حسان رأس المخضرمين الذين تحملوا مسؤولية الإيمان والتعبير عن همومه(23).

ج – حسان بن ثابت
” النموذج الشعري “

1 – النموذج الأول: (24)
إن الذوائب من فهر وإخوتهم=قد بينوا سنة للناس تُتبعُ
يرضى بها كل من كانت سريرته=تقوى الإله وبالأمر الذي شَرعوا
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم=أَو حاولوا النفع في أشياعهم نَفعُوا
أعطوا نبي الهدى والبر طاعتهم=فما ونى نصرهم عنه وما نزعوا
إنْ قال سيروا أجدوا السير جهدهم=أو قال عوجوا علينا ساعة ربعوا
مازال سيرهم حتى استقاد لهم=أَهل الصليب ومن كانت له البِيعُ
خذ منهم ما أتى عفواً إذا غضبوا=ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عدواتهم=شراً يخاض عليه الصاب والسلعُ
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم=إذا تفرقت الأهواء والشيعُ
أَهدى لهم مدحي قلب يؤازره=فيما يحب لسان حائك صنعُ
يقول المؤرخون قدم وفد تميم المدينة المنورة معلنا الإسلام، فخطب خطيبهم، ثم قام شاعرهم الزبرقان بن بدر فأنشد قصيدة مطلعها:
نحن الكرام فلا حيُّ يعادلنا=منا الملوك وفينا يُقسم الربع
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى حسان فجاء وأنشد ارتجالاً ” إن الذوائب..”.
ومعنى ذلك أن حسان استعمل أسلوب النقائض في الرد على شاعر تميم، ولكنه ذكر بالمعاني الإسلامية وبشر بها دون استثارة لأن المقام هو مقام استقبال وترحيب بوفد أَعلن إسلامه، والهدف هنا جلاء الإسلام أمام عيونهم، والتذكير بهذه الفئة المؤمنة التي سارت على سنة الرشد، وعبَّدت الطريق بصبرها وجهادها حتى أظهر الله هذا الدين وتجلى هذا النور أمام عيون الناس، وبخطاب واضح يدل على استقرار مشاعر القلب التي تشكلت تحت اشراف العقيدة، يظهر حسان اغتباطه وفخره بالأخوة الإسلامية التي جمعت قلوب المهاجرين والأنصار (إن الذوائب من فهر وأخوتهم) فهم السادة والذوائب، وذؤابة الشيء أعلاه، سادة مَنْ اتبع الحق، وخضع لأمر الله فيه، وجاهد ليسهل على الناس اتباعه، ويوضح طرقه، ولا يسع كل قلب استقرت فيه تقوى الإله إلا أن يرضى ويقبل بنهجهم والسير على طريقهم، وكان حسان يرحب بوفد تميم ويذكرهم بأن أساس الإسلام هو الرضى والخضوع لهذا المنهج.
ونلاحظ أن حسان يتحكم في خياله الشعري، فيفصل من الألفاظ والصور الفنية، ما تطيقه المعاني والمشاعر دون مبالغة أو تهويل (قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم) (وإذا حاولوا نفع أحبابهم نفعوا) (ذكرهم الوحي بالعفة والبعد عن الدنس والطمع ليس من طباعهم ولا يستهويهم) (ينالون محبة صديقهم وإذا حاول عدوهم الأذى جدعوا وأذلوا أنف عدوهم وأرغموه) هذه الفئة المؤمنة يرسم لها حسان صورة الجماعة المطيعة لأمر الله، المنضبطة بأمر قيادة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنظر هؤلاء المتحابين في الله وهم يعطون الطاعة لنبيهم، ولا ينزعون أيديهم من بيعته، ويرسم الطاعة في منظر متحرك سهل التصور لا إيغال فيه ولا تعقيد، إن قال لهم الرسول عليه السلام سيروا يتلقفون أمره بالتنفيذ،وكل واحد يبذل جهده لا يوفر منه شيئا، وان قال عودوا، أقاموا كما أمرهم، هذه الطاعة منبعها الحب وهذا الحب يثمر الإخلاص، وبهذا الانضباط والأُخوة التي تطيع في الله وتتراكض لطاعة الله ورسوله، انتصر الإسلام ورضي أهل الصليب والبيع أن ينقادوا له، ويخضعوا لأمره، وبهذا أصبحت هذه الفئة المؤمنة لها الهيبة، فإذا رغبت أن تنال مودتهم فخذ منهم ما طابت به أنفسهم فبذلوه، خذ منهم ما أتى عفوا، وإياك أن تفكر في الأمر الذي امتنعوا عنه، لأنه منال صعب، فلا تحزن نفسك في التفكير بنيله، ومن فكر في حربهم وعداوتهم اختار لنفسه مرارة الحياة وكدرها.

2- النموذج الثاني(25)
عدمنا خيلنا إِن لم تروها=تثير النقع موعدها كداءُ
يبارين الأعنة مصعدات=على أكتافها الأسل الظِماءُ
تظل جيادنا متمطرات=تلطمهن بالخمر النساءُ
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا=وكان الفتح وانكشف الغطاءُ
وإلا فاصبروا لجلاد يوم=يُعز الله فيه من يشاءُ
وقال الله قد أَرسلت عبداً=يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به وقومي صدقوه=فقلتم لا نقوم ولا نشاءُ
ألا أبلغ أبا سفيان عني=مغلغلة فقد برح الخفاءُ
بأن سيوفنا تركتك عبداً=وعبد الدار سادتها الإماءُ
هجوت محمداً فأَجبت عنه=وعند الله في ذاك الجزاءُ
فمن يهجو رسول الله منكم=ويمدحه وينصره سواءُ
فان أبي ووالده وعرضي=لعرض محمد منكم وِقاءُ
لساني صارم لا عيب فيه=وبحري لا تكدـره الدِلاءُ
قال حسان رضي الله عنه هذه القصيدة يوم اتجه النبي عليه السلام للعمرة والحج بعد صلح الحديبية – عمرة القضاء –
وحيث تفوح رائحة التهديد والوعيد الذي جاء بصورة الدعاء على الخيل، عدمنا خيلنا إن لم تروها، إن لم تُغير على المشركين وتداهمهم في عقر دارهم، وهي تثير الغبار في هجومها، يركبها فرسان لم نلمح منهم شيئا سوى صورة الرماح العطشى إلى دماء الأعداء، (على أكتافها الأسل الظماء) وهذه الجياد مسرعة متلهفة تلعب بالأعنة، وتصعد الجبل متجهة إلى كداء وهي أحد مداخل مكة، وقد أفنى فرسانها رجالَ قريش، وعندها تضطر نساء قريش وقد فقدن رجالهن، إلى مواجهة الخيل بالخمر حاسرات الرؤوس، لأنهن استعملن هذه الخمر لمقاومة خيل المسلمين؛ إنها الحرب النفسية، والدعوة إلى التسليم والإذعان، ونشر الرعب والخوف في صفوف الأعداء، وتخويفهم من عاقبة ما يتهددهم إذا عاندوا المسلمين، ما سيكون عليه حالهم وما سيؤول إليه، فعليهم بالوفاء للمسلمين والسماح لهم بالعمرة وإلا فانتظروا الهزيمة الماحقة، وصبروا أنفسكم على مرارتها لأن العزة بيد الله يمنحها لمن يشاء من عباده (يعز الله فيها من يشاء) وهنا تظهر المعاني الإسلامية، وتتجلى في شعر حسان إِن الله أرسل عبدا هو رسول الله ليختبركم فتتبعوه فأنا اشهد انه رسول الله، وقومي كذلك، ولكنكم وقفتم في طريق دعوته فقلتم لا نقوم لنصرتها ولا نريد لها أن تنتصر، وبعدها يُعير حسان أبا سفيان شاعر قريش، بان سيوف المسلمين حولتك إلى عبد ذليل، حيث طمعت إماء بني عبد دار بالسيادة؛ لما وجدوا أنك أصبحت عبدا مثلهم لا تفترق عنهم بشيء.
ويرد حسان عن النبي صلى الله عليه وسلم الهجاء ويطلب ثوابه في ذلك من الله، ويقول وبأسلوب التسوية إن النبي عليه السلام لا يضره الهجاء ولا ينفعه مدح وهو فوق ذلك.
وبعدها ينتقل حسان إلى إعلان المحبة والولاء لرسول الله، فيجعل من عرضه وعرض أبيه وجده حماية لعرض الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأنه يرجو ثواب الله في ذلك، وفي النهاية يفتخر حسان بموهبته ولسانه الحاد كالسيف، وهو الذي استطاع في فترة وجيزة أن يحوله من قذاعة الهجاء الجاهلي وفحشه، إلى لسان يدافع به عن دعوة الله، إنه يفتخر بأن هذا اللسان لا عيب فيه، لأنه تخلص من فحش الجاهلية، وبموهبته العميقة كالبحر الخضم الذي لا تكدره الدلاء، ولا تقف أمامه الشعراء، انه كالخياط الماهر الذي يتحكم في الأداء؛ ليخدم الحاجة دون أن يشتط أو يخرج عن هدف الدعوة أَو أخلاقها.

د – حسان بن ثابت
“النقلة الفنية والمذهبية الأدبية ”
1- ميلاد مذهب
مال كثير من الرواة ومنهم الأصمعي، إلى القول بأن شعر حسان بن ثابت في الجاهلية كان يمتاز بالجزالة والقوة، فلما أسلم حسان لان شعره وضعف، وأَراد أن يتخذ من ذلك قانوناً عاماً مفاده (أن الشعر فن نكد بابه الشر فإذا دخل الخير لان وضعف) ونحن لا ننكر أن الأصمعي من الرواة وأصحاب الذوق العالي، ولكننا لا نقره على هذه المقولة السطحية، لأنه لم يكن من النقاد المتخصصين في تفسير الظواهر الأدبية، وإن كنت أُقره على اكتشافه لظاهرة فشل في تفسيرها، وهي ظاهرة الفارق الكبير بين شعر حسان في الجاهلية وشعره الإسلامي، فالأصمعي اكتشف الظاهرة الفنية لشعر حسان الإسلامي، ولكنه أخطأ وتعسف في التفسير. يقول عبد الباسط بدر: (والأصمعي – كما هو معروف – رجل لغوي يصدر عن مقاييس (القاعدة والاحتجاج)… ويبدو أنه وجد نفسه أمام شعر حسان الإسلامي في مأزق وهو صاحب عقيدة دينية تشده إلى الشعر الذي يرتبط بالدين، ولكنه أيضاً لغوي وراوية، تدرب ذوقه على طابع معين من الشعر فلم يعد يستسيغ غيره، لذلك كان مخرجه الوحيد من مأزقه، هو أن يبعد الشعر كليه عن طريق الخير)(26).
وسبب هذا الخطأ الذي وقع فيه الرواة، أنهم حاكموا شعر حسان الإسلامي على ما ألفوه من أساليب وفنيات النموذج الشعري الجاهلي، فوقع في وهمهم أنه وقع في اللين والضعف، ولم يتتبعوا أسباب ميلاد هذه الظاهرة الأدبية، التي سيطرت على الشعر الإسلامي بكامله ومنه شعر حسان الإسلامي، حيث اتجه الشعر الإسلامي إلى سهولة الخطاب وعفوية الأداء ووضوح المعاني ودقتها، مع الجمع بين الصدق الشعوري والفني دون التنازل عن أساسيات الفن الشعري.
وكان الشعر الجاهلي يجمع بين الجزالة وقوة المعاني، ويقع في أَلوان من المبالغة والغموض وتزوير المشاعر، فظن الرواة أَنَّ ما حدث في الشعر الإسلامي، أنه نوع من أنواع اللين والضعف، لأنهم حكموا من خلال ما ألفوا، ولم يتحروا رشداً في تفسير هذه الظاهرة، لقد نسي الرواة والنقاد أنَّ الإسلام أتى على الجاهلية فدثرها أَثناء الانقلاب العقيدي الذي فعله، فسيطر على كل الأشياء ووجهها كما يريد ضمن منهاجه وهديه، فتمت له نقلة العرب من الجاهلية إلى الإسلام في جميع مناحي الحياة العقيدية والفكرية، والشعورية، والسلوكية، والتعبيرية، واللغوية. وكان نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم ميلاداً لأُمة جديدة ولحضارة جديدة غيرت معالم الصراع الحضاري على وجه الأرض، فكيف لا يكون نزول القرآن ثورة في اللغة وانقلاباً في أساليب البيان والتعبير في الشعر والنثر العربي، وفي نقل دلالات اللغة العربية وآدابها إلى مرحلة جديدة، وفهم جديد، وأداء مبتكر؟! لقد غاب عن عقولهم أن اللين في شعر حسان، هو ميلاد لمذهب جديد في الفن الشعري، هو مذهب (الشمولية الإسلامية).
نعم ما لان شعر حسان ولا ضعف، ولكنها ولادة المذهب الأدبي الإسلامي الذي لم يألفه الرواة في الشعر الجاهلي، وفي ظني أَنَّ حسان الشاعر الجاهلي الفحل الخبير بالشعر يعرف ما الذي فعله بشعره، إِنه انتقال الخبير الذي استعد للمهمة الجديدة والأدب الجديد، الذي يمثل فهم هذا الدين لغاية هذا الفن ووظيفته، وبهذا التقى حسان مع بقية الشعراء الصحابة المخضرمين -الذين تحملوا مسؤولية المواجهة مع الجاهلية – على نفس الطريق مع افتراقه عنهم، في الخبرة والتخصص وطول النفس الشعري وغزارة الإنتاج، وتميز عنهم حسان أيضاً بتحمل المسؤولية الكبيرة في طرح النموذج الشعري الذي يمثل الأدب الموجه لهذه الشمولية، بعد أن نجح في استيعاب أمر هذا الدين في إخضاع الفكر، والمشاعر، والخبرة، والموهبة، لهموم الدعوة والتعبير عن معاناتها من خلال التربية التي تلقاها والعناية نالها على يد الرسول القائد صلى الله عليه وسلم.

2- التحكم في الأداء الفني (الخيال المنضبط)
الخيال أو التصور هو الجهاز الرباني، الذي نتمكن به من استرجاع الخبرات، التي استقرت في الذاكرة، وكل مبدع من البشر لابد له من تخيل الخبرات التي تساعده على تصور وتخيل العمل الفني، ليجعل من ذلك وسيلة لإخراج هذا الإبداع أو تحقيقه، فالخياط والمهندس والشاعر… يتخيلون العمل الفني قبل ميلاده أو إخراجه بصورته الواقعية النهائية التي تصل إلينا، المهندس يتصور أو يتخيل شكل العمارة في ذهنه قبل أنْ يرسمها على الورق، والخياط يتخيل شكل الثوب قبل البدء في قصه وتفصيله، والشاعر يعمل ذهنه ويتخيل وسائل إخراج التجربة الشعورية مرات ومرات ويختزنها حتى تأتي لحظة ميلاد القصيدة.
والواجب أن يحصر التصور والتخيل في حدود الحاجة أو الغاية، وأن يدرب على دقة الأداء حتى لا يخرج عن المواصفات، لأنه إذا زاد عن الحد المطلوب أَو أَنقص منه، أدى إلى ميلاد مشوه للعمل الإبداعي. افترض أن خياطاً أخذ قياساً لطفل معين، ولكنه لم يلتزم بالمواصفات ولم يتخيل بدقة حاجة جسمه، فزاد في المقاس أو أنقص منه. فإنه بالتالي يفشل في تحقيق الغرض، وكذلك المهندس أو الشاعر إذا أفسح المجال لخياله أن يخرج عن حدود الحاجة، فإنه يفشل في المهمة الإبداعية. لقد كان شعراء الجاهلية يفصلون من الأثواب الأسلوبية والفنية والبلاغية ما يزيد على حاجة الصدق والحقيقة، ويصل الأمر أحياناً بالشاعر، أمام غياب ضوابط العقيدة السليمة، وربط التعبير بالمصالح والأهواء إلى حد المبالغة والتضخيم والكذب، فينقلب الهجاء مسخاً، والمدح كذباً، وهذا هو الوصف الذي وصف به القرآن الكريم شعراء الجاهلية، (ألم ترى أنهم في كل واد يهيمون) وبذلك أصبحت الحقيقة ضائعة، والشعر فن منبعه المقاصد والمشاعر والنوايا التي تستقر في القلوب، والجاهلي ربط الشعر بالرغبات والأهواء، وهنا ضاعت الحقيقة بين ألسنتهم فضلوا وأضلوا، وأصبح الشعر خطراً يهدد حياة الناس وسمعتهم، ولهذا نفر القرآن الكريم الناس من الشعراء الكافرين وطلب منهم عدم تلقي الحقائق من أفواه الشعراء (والشعراء يتبعهم الغاوون) لأنهم يهيمون وراء المصالح، واستثنى الذين آمنوا من جنسهم؛ لأنهم أخضعوا فكرهم وقلوبهم وبيانهم لكلمة الخير ولعقيدة الإسلام، وكان حسان رضي الله عنه فارس شعراء الإسلام، الذي خلص الشعر من جموح الخيال وأوجد الخيال المنضبط بأوامر الشرع الحنيف، وبقدر الحاجة التي تفرضها الدفقة الشعورية، وحارب الخيال المريض الذي يقع في التهويل والمبالغة ويخرج بالشاعر عن الدقة، ومال إلى الصور الهادئة التي لا يشتط فيها الخيال، وتحرى الصدق الشعوري والفني في الأداء والمعنى، وبذلك تخلص من أدران شعره الجاهلي فجاء شعره الإسلامي سلساً عذباً واضحاً لا غموض فيه ولا انحراف عن الوظيفة، ودون أن يؤدي ذلك إلى التنازل عن أساسيات الفن الشعري (ولقد نلتم ونلنا منكم وكذاك الدهر أيام دول) أو الهبوط بمستواه الفني (لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء).
وهكذا كان حسان كالخياط الماهر الذي يفصل من الأساليب والفنيات والبلاغيات ما يكفي الغرض ويناسب المقام، ويستجيب لمطالب الإسلام وتربيته في إيجاد الفن الشعري الذي يخدم أغراض هذا الدين وأهدافه. وبهذا نجح حسان في تدريب الخيال على الانضباط، وتعويده على الدقة وإلزامه بحاجات العقيدة وتخليصه من فوضى الانفلات والشطط إلى بر الأمان ودقة الأداء.

3- المذهبية الأدبية
استطاع حسان أَنْ ينقل الشعر الإسلامي إلى مرحلة واضحة المعاني، بينة الخطوات، وبعد النظر إلى شرائح من شعره الإسلامي، يستطيع الناقد أَنْ يرى النقلة الفنية التي أوصل الشعر الإسلامي إليها. وهذه بعض الملامح الفنية والمذهبية لشعره:
1- مال حسان إلى الأداء الأسلوبي ووظفه في مساحات كبيرة من شعره مثل أسلوب الدعاء والمقارنة والسخرية والتنفير والاستنكار والتهديد والتسوية. وبذلك استطاع أن يخفف من جموح الخيال ويساعد على التحكم فيه ومن نماذج ذلك (عدمنا خيلنا إن لم تروها). (سماه معشر أَبا حكم والله سماه أبا جهل)، (تفاقد معشر) (أتهجوه ولست له بكفء) (فمن يهجوا رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء).
2 – استعمل حسان الصورة الفنية من تشبيه واستعارة وكناية ومشهد متكامل بحدود الحاجة، وبعفوية البيان العربي السائد عند جيل تأثر بالقرآن الكريم وفصاحته ودون إفراط أو تفريط، ومن أمثلة ذلك:
(تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء)، (لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء)، (فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم فلا رفعت سوطي إلى أناملي)، (مبارك كضياء البدر صورته).
3 – استعمل حسان المباشرة في الدخول إلى المواضيع التي عالجها، ومال في بعض الأحيان إلى المقطوعة؛ لأنها تؤدي إلى الغرض الوظيفي والفني، وتخلص من المقدمة الطللية التي تعتبر من ميادين الاستعراض الفني، ولم تظهر القصائد الطويلة عنده إلا في مواقع محددة، مثل رثاء الرسول صلى الله عليه وسلم، أما الهجاء السياسي والهجوم على المشركين، فقد مال إلى المقطوعات المتوسطة (وخبر بالذي لا عيب فيه بصدق غير إخبار الكذوب) (طاوعوا الشيطان إذا أخرجهم فاستبان الخزي منهم والفشل).
4 – اتجه حسان إلى بساطة التعبير وسهولة الأداء الفني وابتعد عن المبالغة وحوشي الكلام ونقل مشاعره وأفكاره بدقة وإتقان (ولقد نلتم ونلنا منكم وكذلك الدهر أيام دول).
5 – استمد حسان معانيه من القرآن الكريم وتأثر بأساليبه وبلاغته، وكان شعره صدى إبداعياً للتربية القرآنية والتعليمات النبوية وشمولية الانتماء المنهجي والتعبيري دون ابتذال أو غموض، (وعلونا يوم بدر بالتقى طاعة الله وتصديق الرسل).
6 – نقل حسان الشعر من التكسب والخضوع للأهواء إلى الالتزام بالعقيدة الجديدة، ومن الذاتية إلى هموم الجماعة ومعاناتها مع الجاهلية، فظهرت المشاعر الذاتية كمنافح عن الجماعة تذوب وتتحدد معها، بعد أن طوع الأساليب والخيال والخبرات لخدمتها، ونجح في إيجاد الشعر الإسلامي بخبرة الرائد الذي يدرك وظيفة الشعر في الإسلام ويتحاشى الوقوع في مطبات الموروث والمألوف. وهو الذي عاش أكثر من ستين سنة في الجاهلية، وبهذا تمكن من مجاهدة نفسه عقيدياً وفنياً حتى خلصها من الموروث الجاهلي في المعتقد والأساليب، والاستجابة لمعطيات الدين الجديد، وإخضاع قلبه ومشاعره وفنه في خدمته، بحثاً عن ثواب الله لعباده المخلصين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق