قراءات ودراسات

التعددية بين الوثيقة والفن في رواية نبيل سليمان “مجاز العشق”

د. ماجدة حمود

لعل من أهم ما يميز فن الرواية أنها أكثر الفنون شغفا بتقديم التاريخ الروحي للإنسان، إذ تتيح اللغة الروائية للمتلقي معايشة حرارة أزماته الداخلية، التي تضطرم في أعماقه، فتحفّز المخيلة على معايشة أحلامه وإحباطاته، وفي الوقت نفسه معايشة تفاصيل موحية لحياته اليومية بما فيها من صراعات وأزمات، سواء حدثت في زمن مضى أم في حاضر يقلق ومستقبل يرعب؛ لهذا كثيرا ما يجتمع في الرواية جماليات الفن ووثائقية الواقع، التي تتحول على يدي المبدع إلى عوالم ممتعة، تقدّم مغامرة تخييلية، نعيشها، دون أن تتنازل عما يؤرقّنا من هموم، وما يغني هذا الفن من معارف ووثائق، يتجلى كل ذلك عبر صراع أصوات متعددة، تستطيع أن تبرز نبض زمانها وبصمة مكانها؛ لهذا عرّفها (الروائي نبيل سليمان) في مقدمة رواية “مجاز العشق” “بسيدة الحكمة” التي تكشف أسرارا خافية، وتجوب أماكن مجهولة “ترتاد أصقاع الأرض، تستردّ ما خرّبه الطوفان/ تبحث عن حياة هل مثلها في أي مكان؟ هل يحق لغيرها أن يقول: أنا أنثى: أنا رواية”
وبذلك يماهي (نبيل سليمان) هنا، بين المرأة والرواية، إذ نجدهما نبع الحياة، بفضلهما تتجسد، وتتجدّد، إذ تُستلهم أنبل المشاعر وأروع الأفكار، فنعايش مع المرأة الواقع، ونستوحي الحلم، ومع الرواية نعايش الحلم؛ بعد أن نستوحي الواقع، وقد أفرط (سليمان) في تعظيم الروائي المبدع، إذ يعرّفه وكأنه يوصله إلى أعلى رتبة، يمكن أن يتخيلها المتلقي، إنه “الملك الحق”!
يلاحظ المتأمل أن (نبيل سليمان) يمتلك وعيا نقديا، وذلك حين ينسب إبداعه الروائي إلى تلك التعددية “الواقع البسيط والمعقد، إلى العادي والحلمي”(1)

جماليات العنوان
تبدو التعددية في عنوان هذه الرواية “مجاز العشق” إذ يتجلى الفن عبر دلالة تخييلية (المجاز) فينتقل باللغة من الدلالة اليومية إلى الدلالة الجمالية؛ مما يتيح لنا معايشة الواقع على سبيل المجاز، أما الواقع فيتجلى عبر دلالة (العشق) الذي يحمل أيضا دلالة شعرية، خاصة أنها اقترنت بكلمة (المجاز) لهذا أوحت ببؤس حياة تحاصر أجمل المشاعر، وتزهق أنبل الأفكار، وبذلك يبدو لنا الواقع المأزوم في صورة رواية نسجها الخيال بكل امتداداته الجمالية، كما نسجتها التجربة الحياتية بكل قسوتها؛ لهذا بدت علاقة العشق بين البطلين (فؤاد) و(صبا) محكومة بالوهم ، أي بالمجاز، الذي أطّره (فؤاد) بإطار روائي، إذ دعا حبيبته منذ البداية إلى علاقة فريدة، ليكتبا رواية معا، أو يعيشا رواية، يمتزج فيها الحلم بالحقيقة، في زمن بات الواقع فيه أقرب إلى الجنون؛ من أجل ذلك اختار المؤلف أسماء لأبطاله ذات دلالة عشقية، وكي يربطها بالواقع، نجده قد اختار كنى، توحي بالدلالة المعرفية (صبا العارف) والدلالة والأخلاقية الموحية بفعل الخير (فؤاد الصالح).

الشخصية:
صحيح أن العشق شكّل هاجسا من هواجس الرواية، لكن دون أن تنحصر دلالته بعشق المرأة، إذ تمتدّ إلى عشق الوطن، من هنا وجدنا الشخصية تعيش أزمات، تنهش وجودها، وتهدد مستقبلها (أزمة المياه، أزمة الحرب والسلام مع العدو الصهيوني، أزمة الديمقراطية، أزمة مجتمع يعاني من سيطرة الخرافة، والمظاهر الجوفاء في مراسيم الزواج والموت…) لهذا تفتقد الشخصية إحساس الاستقرار في المكان (البيت) الذي يحتاج الإنسان فيه لمشاعر الأمان، فالزلزال يهدّده؛ لهذا يسمع البطل صوت جارته (أم معين) يردد منذ بداية الرواية وحتى نهايتها “إذا زلزلت الأرض زلزالها” ليعلن افتقاد المرء للأمان في وطنه الصغير (البيت) كما في وطنه الكبير.
كأن هذه الرواية تريد أن توحي للمتلقي بأنه يعيش زلزالا يدمّر وجوده، ويعصف بأحلامه، إنها إنذار يضعه أمام حقائق مؤسية، تهدده بالتدمير والضياع، إذا لم يتعلّم كيف يواجهها.

صوت الرجل
فؤاد

بُنيت رواية “مجاز العشق” على أربع شخصيات: (فؤاد وصبا) يمثلان الشخصيتين المحوريتين، في حين نستطيع أن نعدّ شخصيتي (فاتن طروف وشهاب الوزير) ثانويتين، لكننا حين نتأمل أصوات هذه الشخصيات الأربعة، نلاحظ أن صوت البطل (فؤاد) كان طاغيا، رغم أن الروائي سمح للأصوات الأخرى أن تمتلك رؤية خاصة بها، لكن ذلك لم يستمر سوى بضع لحظات، مما لا يسمح بتلمس المتلقي استقلالية هذه الشخصيات عن مبدعها، إذ بدت انعكاسا لوعيه، لهذا يمكن القول بأننا نكاد نفتقد في هذه الرواية تعدد الأصوات.
ولعل أحد أسباب ذلك أن “مجاز العشق” تلتقي بالسيرة الذاتية للمؤلف، إذ يشارك البطل (فؤاد) الروائي نبيل سليمان بمهنة الكتابة (الإبداعية، والبحثية) بل نجد المؤلف يخبرنا، عبر صوت هذه الشخصية، بمعاناته الإبداعية؛ لهذا تتحدث بضمير المتكلم (الأنا) الذي يتماهى عبره صوت البطل مع صوت الروائي “أحشو ذاكرة الكمبيوتر الكليلة، كما أحشو ذاكرتي الكليلة حتى يفيضا عن رواية سوف تنكتب، بل قد تنكتب: بصراحة يا فاتن أزور مخبرا فمخبرا أصنف الطحالب والملوثات والروائح: أندم على ما فاتني من ندوة خبراء الأمن المائي لمنطقة غرب آسيا، ألملم ما فاتني من ندوة استراتيجيات مواجهة الجفاف، أنعي البحث العلمي في هذه البلاد: أخشى أن أرجع صاغرا إلى الأساطير.”(2)
إذاً يلتقي صوت الراوي البطل (فؤاد) بصوت المؤلف في تجسيد معاناة المبدع قبل كتابة الرواية وأثنائها، من أجل إبداع متفرد، لكن يلاحظ هيمنة هموم الواقع على وعي المؤلف، إلى درجة يتخيل فيها ضرورة الهروب إلى عالم الأساطير، وذلك حين يعجز عن استيعاب هذا الواقع (أخشى أن أرجع صاغرا إلى الأساطير) مما يوحي بأن اللجوء إلى الأسطورة يتم، حين يحس الروائي بهيمنة دلالة الخوف والعجز عليه! وليس لضرورة جمالية، تغني البناء الفني للرواية، مع أنه أكّد في كتابه النقدي، حين تحدث عن نظرية الرواية وطريقة إبداعها، ضرورة أن يجمع المبدع الأسطورة بالبحث؛ ليصل إلى رواية “لا تشبه غيرها” دون أن ينكر أن من طبيعة الرواية الفنية “أن تمتح من معاناة صاحبها الروحية والنفسية والفكرية، وفي صلب هذه المعاناة الإبداع في الشكل…”(3) وهذا ما اعترف به في كتابه”بمثابة بيان روائي”
ولعل من الأسباب التي جعلت هذه الشخصية حيوية أكثر من غيرها تلك الصلة الحميمة، التي تربطها بالمؤلف، رغم أنها أوصلتها إلى الخضوع لهيمنته، إذ يلاحظ أن تداعيات (فؤاد) إثر وفاة والده، قد بدت غير مقنعة، يطغى عليها الافتعال، إنها تداعيات أشبه ما تكون بحالات تلفيقية مفتعلة، لا تمس برهة الموت بكل مأساويتها، وذلك على صعيد الحياة الفردية أولا، إذ خطف الموت (الأب) أقرب الناس إليه، ثم على صعيد الحياة الإنسانية، حين يتأمل المرء برهة الموت الموت بصفتها أزمة وجودية؛ مما يدفعه إلى مواجهة أسئلة المصير الإنساني (ما معنى هذه الحياة؟ ما معنى نهايتها؟…) لكن يلاحظ المتلقي أن البطل (فؤاد) على نقيض المألوف، يبدو مشغولا بالموت الجماعي أكثر من الفردي؛ لذلك لا نجد لوعة الفقد وأوجاعه، وإنما نجد استعراضا لأنواع الموت، التي تتعرض لها الأمة “يحدو الموج لفؤاد مشكلا المفردات والعبارات والقواعد والزمن والبنية…ثم تكون خضّة أكثر هولا من قصف طائرة الشبح الأمريكية لملجأ العامرية في بغداد، وكما تشظت الأشلاء العراقية، يتشظى فؤاد وصبا ورواية دافنشي ولوحة ولعب وهناءة والحريري والمقامات وكلود مونيه وعود لمنير بشير أو نصير شمة وتنقلب الأشلاء جميعا من باطن الأرض إلى ظاهر البحر”
أعتقد أن مثل هذه التداعيات لا تخلق تفاعلا حميما بين المتلقي والنص الروائي، لأنها لا تعتمد الوجدان المأزوم في برهة ربما تكون أقسى ما يواجه الإنسان في حياته، هي برهة الموت التي تصفع وجودنا الإنساني بحقيقة زوالنا عن هذه الأرض، وكأننا لم نكن! لهذا نحس أثناء التلقي بجو مفتعل، وذلك بسبب استعراض المؤلف لثقافته الفنية، بعد أن مزجها بهم عام، أرّق وجدانه في سياق تاريخي محدد، هو قصف الأمريكيين لملجأ العامرية!!!
وقد أتاح البطل (فؤاد) الفرصة أمام المتلقي للانتقال عبر فضاءات متعددة، فيعيش أجواء العاصمة (دمشق) بكل ما يضطرم فيها من معاناة ضاغطة هي سمات الحياة العصرية فيها، ثم يسافر معه إلى اللاذقية وريفها، الذي يعجّ بمزارات، جعلها الروائي أحد أسباب هجوم المدنية الزائفة على القرى، مع أنها تشكل جزءا من حياة القرويين ووجدانهم، ربما أكثر من أهل المدينة، بعد ذلك انتقل المتلقي إلى الأردن (عمان) حيث أتى (فؤاد) ليحضر مؤتمرا عن أزمة المياه، فأتاح له فرصة معايشة أزمة التطبيع مع العدو الإسرائيلي.
وقد أدى تعدد الفضاءات هذه إلى عدم معايشتها بشكل حميمي، خاصة ذلك الفضاء، الذي يمت بصلة إلى هاجس الرواية (أزمة المياه) فمثلا يمرّ البطل (فؤاد) أمام نهر بردى، في طريقه إلى الشيراتون بدمشق، دون أن يعيره اهتماما نجده يكتفي بهذه الجملة” أدار بردى ظهره هزءا أو ذعرا أو ربما صمما”(4)” فيصوّر عبر كلمات قليلة نهرا كان مصدر جمال المدينة وحياتها، وقد أصبح صورة لبؤسها، وبذلك يتجاهل الروائي إطلاع المتلقي على أعماق الشخصية، وما يعتريها من أفكار ومشاعر، وهي ترى بؤس حال النهر، وقلة مائه، وقذارته، وتلوثه!!!
وحين يرافق المتلقي (فؤاد) إلى اللاذقية، يتاح له معايشة مشهد المزار بصورة عابرة، إذ لم تتجسد تفاصيله المكانية والإنسانية أثناء التلقي، وبذلك لم نعش خصوصيته (عادات زيارة المقام، جمال موقعه، بساطته…) أي كل ما يشكّل روحه، كذلك لم نلمح الأثر الذي تركته الزيارة في نفوس العجائز (خاصة والدا فؤاد) الذي يُتوقع أن يكون إيجابيا، لكنه لم ينسَ إبراز أثره السلبي في نفس الشاب (فؤاد) وبذلك افتقدنا العلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان، وإبراز تعدديتها واختلافها، أحيانا، حسب الأجيال، إذ من الطبيعي أن تختلف نظرة الشاب إلى المزار عن العجائز.
لقد أهمل الروائي خصوصية الإنسان العربي، وما يشكل وجدانه من مرجعيات روحية وعادات اجتماعية…الخ، مع أن بطله مدرك أهميتها، هاهو ذا (فؤاد) يقول لـ(صبا): “انظري هذا السعي المحموم كي تتقوض الذاكرة: نظريات وحكام وعولمة وفنون وعلوم: مالا يحصى كي تنخلعي من أمسك ويومك وتنقذفي إلى غدهم (5)
بدا البطل (فؤاد) مهموما بدق ناقوس خطر، يحدّق بنا، فيسرق مستقبلنا، ويلغي وجودنا، كل ذلك بسبب إهمالنا العلم والعمل في حياتنا.
صحيح أن ثمة خوفا على ذاكرتنا من التقوّض في زمن العولمة، لكن الرواية، لم تستطع أن تهجس بالماضي، كما هجست بالمستقبل، فرأينا هذا الماضي متجليا بالخرافة والأسطورة أي عبر الوهم، الذي يجرّنا إلى الوراء، ولا يدفع بنا إلى مواجهة تحديات العولمة! مع أننا نجد في هذا الماضي كثيرا من مقومات شخصيتنا وهويتنا! إذ يحمل إيجابيات وسلبيات، لكن تكمن المشكلة في ذلك المثقف، الذي يجيد التنظير، ويفتقد الفعل، الذي يقوم على أسس معرفية ونقدية! وبذلك أجادت الشخصية الكلام، الذي يحمل رؤية واحدة، تتجه إلى المستقبل، دون النظر إلى ما يشكل أصالتها وهويتها.

شهاب
قدّم المؤلف شخصية (شهاب الوزير) بصفتها نقيضا لصوت البطل (فؤاد) المثقف الملتزم بهموم الوطن والإنسان، فهو تاجر سمسار ومهرّب، يلهث وراء المال، تمتد أذرعه الأخطبوطية إلى كل مكان في العالم، يعمل دون أية قيم أخلاقية أو وطنية، فهو يتاجر بكل شيء (صناديق بلاستيكية، بخاخات لمحركات روسية، نساء، إعلان…) حتى المستقبل يفكر قي المتاجرة به، إذ سيشتري الأراضي التي ستسور أوتوستراد السلام، وسيشارك في مشاريع المياه في تركيا مع الأميركيين والإسرائيليين.
تكتشف الموظفة (صبا) التي تعمل في الرقابة والتفتيش سرقاته وتجارته المشبوهة، فتقرّر مواجهته، ولكن دون جدوى، وحين تلتقي بـ(فؤاد) صديقه، تسلّمه ملف التقارير؛ لتكشف له حقيقته الزائفة، لكن يلاحظ المتلقي أن الصراع بين (صبا وشهاب الوزير) كان عن طريق السرد بعيدا عن اللغة المشهدية، التي تعتمد الحوار، وكشف المستور؛ لهذا خفّف الروائي بهذا السرد حدة المواجهة والاختلاف في وجهات النظر، فبدت التعددية باهتة.
عانى متلقي هذه الشخصية من غياب صوتها، في معظم الأحيان، مع أن ملامحها الخاصة، تؤهلها لتكون صوتا نقيضا للشخصيات الأخرى، وخاصة (فؤاد وصبا) وبذلك تمّت الإساءة إلى تعدد الأصوات في الرواية، إذ قلما يلاحظ المتلقي منح المؤلف منح (شهاب الوزير) حق الدفاع عن وجهة نظره في الحياة، من الممكن أن يُستثنى مشهد(خطر): “التهريب ضرورة، كان ضرورة –للبلد- وليس لجيب شهاب الوزير فقط…شهاب هرّب كمبيوتر وطابعات وحاسبات وأدوية زراعية رخيصة ولم تنتهِ صلاحيتها مثل كثير من الأدوية المستوردة رسميا: شهاب هرّب برادات وتلفزيونات عندما كانت المعامل متوقفة أو عرجاء:لكن الحابل اختلط بالنابل وما عدت تعرف من يهرّب ومن ييسر أمرك…”(6)
إن الشخصية تدّعي الشرف، فهي تريد مساعدة الوطن، عن طريق التهريب!!! أما المشاريع فيفكر أن تكون ربحية، يبرمها، بعيدا عن بلده، مع الأتراك والإسرائيليين؛ لهذا يبدو الانتماء للوطن كلا لا يتجزأ، ومن يهتم بمصلحته الشخصية بعيدا عن القيم، يبدو مستعداً للتنازل عن هذا الانتماء، بل يسهل عليه خيانة وطنه أيضا!
تبدو للمتلقي هذه الشخصية، حين يقارنها بشخصية (فؤاد) قد رُسمت بسرعة، إذ قلما يظفر بمثل المشهد السابق، الذي يجسد صوت (شهاب) الخاص، وبذلك نكاد نفتقد وجهة نظرها الخاصة، أو صوت أعماقها، فتبدو منسلخة عن إنسانيتها، وهذا خلل في بناء الشخصية، برأيي، وفي جماليات السرد، الذي يقوم على التنوّع والاختلاف والصراع بين طريقتي تفكير في أعماق الشخصية نفسها أولا، ثم بينها وبين الآخرين.

صوت المرأة
صبا:

حاول الروائي أن يعتني برسم شخصية (صبا) حبيبة فؤاد (البطل الراوي) فهاهو ذا يصفها بـ”قطرة ماء مغرومة ونائمة” وفي آخر الرواية، حيث بدأت علاقتهما، تلفظ أنفاسها الأخيرة، يخاطبها: “كنتِ تلك القطرة الفريدة من الماء: موجة الزلزال، لن أقول حبيبة البلاط، كنت ندفة الثلج وموج البحر والرقش على الماء.”
لكن ما يخالف أفق توقع المتلقي في رسم هذه الشخصية هذا الجمع بين الرقة وبين العنف (موجة الزلزال) مما يترك أثرا مرعبا في النفس، رغم حضور لغة الغزل!
صحيح أن (صبا) أرملة، لكنها تعيش حياة حرة؛ لهذا تلفت نظر البطل (فؤاد) وقد نالت اهتمام المؤلف، حتى تكاد تكون موازية لشخصية بطله الرجل؛ لهذا نالت إعجاب المتلقي في البداية بسبب استقلاليتها، لكن ما إن تقع في الحب، حتى تصبح أقرب إلى التبعية للرجل، وبذلك تفقد المرأة خصوصية صوتها وتجربتها لصالح الرجل، أي لصالح وجهة النظر، التي يتبناها المؤلف؛ لهذا بدا لنا مشهد الإجهاض مشهدا غير مقنع، لأنه لا يجسد لنا أعماق المرأة، وطبيعتها التي تتجلى عادة في حرصها على الأمومة، خاصة أنها عانت من العقم في زواجها السابق، وإذا اضطرت إلى التخلي عن جنينها، لابد أن تعاني أزمة ما.
إن رفض الزواج من (فؤاد) ورفض الإنجاب، يعني التخلى عن حلم يراود المرأة، وحين تتجاوز المرأة المألوف في المجتمع وربما في الطبيعة الإنسانية، لابد أن تمتلك لغة خاصة بها تعبّر عن رؤيتها، لكن (صبا) تنطق برؤية الرجل وصوته، إذ تقول، حين تكتشف أنها حامل: “فؤاد هو السبب: ذاكرتك وأحلامك: المرحوم مازن الذي لم يخصّبك: رحمك الملهوف إلى من يملؤه: القانون الذي درسته في الجامعة وانقلب عليك يا مفتشة، خوفك هو السبب: قتل النفس التي حرّم الله والزنا والفضيحة والأم التي لن تكوني والعقد الذي لن تعقديه على فؤاد…”(7)
إن هذا المقطع يكاد أن يكون المقطع الوحيد الذي يبرز صراع المرأة الداخلي، قبل أن تقرر الإجهاض، مع أنها كثيرا ما تمنّت أن يكون لها طفل، حين كانت متزوجة، لكنه لم يأتِ، وحين أتى ترفضه، دون أن تعيش أية معاناة داخلية، فلا يجد المتلقي تجسيدا لها سوى كلمة (خوف) التي تختزل الضمير الديني والاجتماعي معا! يحس المتلقي أنه أمام منطق غريب، فالمرأة اتخذت قرارها (الأم التي لن تكوني والعقد الذي لن تعقديه على فؤاد) دون صراع أو قلق، وهذا ما كانت قد ردّدته قبل الحمل، منذ لقائها الأول مع فؤاد، إذ تقول له: “لن أتزوج ثانية لا في هذه البلاد ولا في غيرها …إذا كنت تريد أن تكون أبا أو زوجا فابحث عن غيري.”
إننا، هنا، نفتقد خصوصية المعاناة في هذا الحوار الخارجي والداخلي، الذي من المفترض أن يبرز لنا ما تعانيه المرأة من اضطراب داخلي، حتى ليحس المتلقي أنه أمام صوت رجل باحث عن المتعة فقط في علاقته مع المرأة، لهذا يرفض رباط الزواج والأبوة، قد يقتنع بهذا المنطق، فبل حدوث الحمل، لكن بعد حدوثه من المفترض أن يتغير موقفها، فتتردد في اتخاذه، أو على الأقل تعيش صراعا داخليا بين الإبقاء على الجنين والتخلص منه؛ مما يبرز الجانب الإنساني لدى الشخصية، ويهبها نبضا خاصا، لكننا في “مجاز العشق” نفتقد حاجة طبيعية، إذ يتمّ قمع صوت الأمومة، حتى يبدو تخلص المرأة من جنينها سهلا أشبه بالتخلص من مرض.
إن طغيان صوت المؤلف على صوت المرأة المثقفة، يعني تجريدها من خصوصية أحاسيسها النسوية، ووجهة نظرها، التي تنبع من تلك الخصوصية؛ مما يجعلها صدى لرؤية الرجل المثقف وأحاسيسه، إذ يبدو في كثير من الأحيان مهموما بذاته، والتمتع بحريته بمعزل عن أي قيد أو حاجة طبيعية؛ لذلك نسمع صبا تقول، كما يقول الرجل عادة “الماضي لا يأسرني يا أستاذ نمرود: انظر ها أنا برفقة صديقي فؤاد ليس زوجي ولا أظنه سيكون”(8)
إنها تريد أن تعيش بعيدا عن أغلال زمن مضى، بل نجدها ترسم في مخيلتها صورة تقليدية للزواج، مع أنها مثقفة، من المفترض أن ترسم صورة خاصة بها، بعيدة عن تبعية ما يرسمه الرجل!!

فاتن:
أما (فاتن طروف) فهي امرأة مثقفة ناضلت إلى جانب المقاومة الفلسطينية، ومثلما تغزّل (الراوي البطل) بحبيبته (صبا) على إيقاع الماء، نجده يتغزل بصديقته (فاتن) “قال مرتبكا وهو يفكر في العينين الطافحتين بالماء، ويفكر أن يكون الدمع ماء، وأشهد على الصفحة عيني فاتن: انقلبت الصفحة ماء رقيقا يتراقص في الساقية التي تشطرها صخرة عين العرقوب”(9)
لكن الراوي لن يفلح في تقديم غزل رقيق، وكما رأينا سابقا، حين تغزل بـ(صبا) أدخل أمواج الزلزال، وجدناه هنا يدخل (صخرة عين العرقوب) مما يخالف أفق توقع المتلقي في لغة الغزل، إذ تبدو مصاحبة لدلالات عنيفة، يكفي تأمل فعل (تشطرها)!!!
أتاحت هذه الشخصية الفرصة للمتلقي ليعايش عدة فضاءات، إذ انتقل معها من دمشق إلى قبرص إلى فلسطين المحتلة؛ مما أتاح له الاقتراب من معاناة الإنسان الفلسطيني في ظل سلام وهمي.
تبدو (فاتن) متمردة من الناحية الاجتماعية، إذ إنها متزوجة زواجا شكليا، تعيش في دمشق وزوجها يقيم في تونس، وقد أُعجب الراوي البطل (فؤاد) بتحررها من قيود الزواج؛ لذلك يدعوها بامرأة التسعينات، تترك عشيقها (غسان) من أجله، وتعد نفسها ألا يمسّها رجل سوى فؤاد، لكنها في اليوم التالي حين تسافر إلى قبرص، تنكث عهدها فتضاجع كلا من أنيس (زوجها) وغسان(ص 73) وبذلك نجدها تضاجع ثلاثة رجال في يومين!!! مع أن من طبيعة المرأة الطبيعية الاشمئزاز من ذلك! هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أرى أن المرأة المثقفة أكثر إحساسا بكرامة جسدها، وأكثر محاسبة لذاتها، ولكن سيطرة صوت الراوي ورؤيته على صوتها، قمع رؤيتها الخاصة؛ لهذا ضاع صوت أعماقها، إذ إنها تعيش حياة آلية، سطحية، فتبدو المرأة المثقفة أشبه بعاهرة، إذ لا نجدها مثلا تعاني أزمة ضمير وهي تخون زوجها، أو تخون حبيبها، وبذلك ضيّع المؤلف خصوصية صوتها!
كما يلاحظ رغبة المؤلف في الهيمنة على صوت المرأة، فمثلا قدّم مشهد (بحر) بصوت الراوي، مع أن (فاتن) تسترجع فيه ذكرياتها القريبة (وداع الحبيب: فؤاد، والابن: يمان) وفي هذا المشهد يلُاحظ ورود اسم فؤاد خمس مرات متتالية في الفقرة الأولى (ص63) في حين يرد اسم يمان مرتين، وهذا ما ينافي، برأيي، خصوصية المرأة الأم، إذ لا يمكن أن تذكر في تداعياتها الحبيب أكثر من الابن، وإذا فعلت ذلك لابد أن تكون علاقة استثنائية مع فؤاد، لكن أن تعاشر (غسان) وزوجها بعد أن تتركه، ثم تذكره أكثر من ابنها فهذا أمر، يبعد المرأة عن خصوصية مشاعرها ونظرتها للحب وللحياة برأيي!!
وهكذا بدا لنا حضور صوت الراوي البطل، الذي يتماهى مع صوت المؤلف، حضورا طاغيا على كل الأصوات الأخرى في الرواية سواء أكانت أصواتا نسوية أم ذكورية، وسواء أكانت أصواتا أساسية أم ثانوية.
بفضل هذه الشخصية يتعرّف المتلقي على انتماء الرواية إلى سياق تاريخي بدأت مظاهر العولمة بالانتشار (زمن التسعينيات) وقد جعل الراوي البطل فاتن “امرأة التسعينات” تناقض “رجل التسعينات” الذي هو رمز الفساد (شهاب الوزير) ليوحي الراوي بأن في هذا الزمن، انهارت القيم الأصيلة التي تمنح الحياة معنى “كل شئ في التسعينات هو الجنون: ليس الحب وحده يا فؤاد: العقل في التسعينات هو الجنون” وبذلك يلتقط الراوي نبض الزمن الذي نعايشه ليجسده لنا في لفظة واحدة هي: الجنون، بكل ما يوحيه من خيبة وضياع للعقل، ولكل ما يؤسس حياة أكثر تقدما وكرامة.
تمتلك هذه الرواية قدرة تنبؤية لما نعيشه اليوم من دمار وضياع، ففي مشهد “فتنة” يعيش الإنسان (في زمن التسعينات أي في زمن العولمة) الضياع والفتنة، حيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي وسائل انفصال وكراهية وقتل، مع أنه من المفروض أن تعزّز أواصر القوة بين العرب، فيما لو امتلكوا القدرة على استخدامها بوعي ومعرفة، وبذلك أُلغيت الحياة لصالح الآلة، فصار الإنسان “صورة وكبسة زر، والله الجنة بلا ناس مابتنداس، والاستبداد جعل الناس بلا ناس، وسائل اتصال تعزز الخواء، تكنولوجيا تقتلعنا فرادى وجماعات مثل الاستبداد، هوية تنطمس مثل الماضي، والمستقبل، ما بقي لك غير هذا الحاضر يا أستاذ؛ كيف تنكتب رواية إذن؟”(10)
بات الإنسان (صورة وكبسة زر) لم يعد كائنا اجتماعيا، إنه يعيش وحيدا مع جهازه، وبذلك أسهمت هذه الآلات الحديثة في اقتلاعنا من جذورنا الإنسانية، وشاركها في ذلك (الاستبداد) الذي قضى على ما تبقى من أمل في حياة كريمة، ضاعت الأزمنة، التي تهب الشخصية خصوصيتها (الماضي) وتلك التي تهبها حيوية الفعل (الحاضر) ونبض الأمل (المستقبل) لكن في هذا السياق التاريخي، يُطرح سؤال: ( كيف تنكتب رواية إذن؟) ولم يبقَ لنا سوى (حاضر)
يبدو هذا السؤال غير مقنع، إذ إن الحاضر، يعدّ أهم الأزمنة، التي يملكها الإنسان، لهذا يبدو السؤال سطحيا؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يستطيع العيش إلا عبر امتزاج الزمن الحاضر بذكريات الماضي وبأحلام المستقبل!

جماليات التعدد اللغوي
لغة الفن والوثيقة:

يلاحظ المتلقي أن ثمة وعيا لدى المؤلف، في أغلب الأحيان، لأهمية اللغة وإيحاءاتها، فمثلا يبيّن على لسان الراوي البطل منذ المشهد الأول (موت الأغنية) أن قانون الفوضى هو الذي يسيطر على حياتنا، ويلمح إلى أسبابها “استوقفته شاشة الكمبيوتر: تبسم لها وهمس:قانون الشعث: خجلت الشاشة وأومأت إلى لوحة المفاتيح التي ركب في كل منها حرف أجنبي على حرف عربي…”(11)
إن اختيار الراوي لغة العصر (الكومبيوتر)، ليبرز عبرها قانون الشعث، الذي نعيشه، اختيار ذو دلالات موحية؛ ومما زاد هذا القانون وضوحا توقف الراوي عند لوحة المفاتيح التي ركب فيها الحرف الغربي على الحرف العربي، ليبرز عبرها بؤس الواقع العربي، الذي لا يعرف الابتكار، بل يعيش عالة على إنجازات الغرب، لهذا لن يكون غريبا أن نعيش حالة الاستلاب والفوضى والهوان، مادمنا مطية الآخر الغربي في صغائر الأمور وعظائمها، ومثل هذه الحالة تجعل الجماد، يشعر بالخجل (لهذا خجلت الشاشة) فما بالكم بالإنسان.
يوحي نجاح التعددية في الأصوات بامتلاك الروائي ناصية الإبداع في الفن الروائي، ولعل من مظاهر هذا التعدد استخدام لغة الوثيقة التاريخية أو العلمية إلى جانب اللغة الفنية، وقد طُرحت في رواية “مجاز العشق” إشكالات كثيرة، من أهمها طغيان الجانب المعرفي على الجانب الجمالي، وبالتالي فإن استخدام لغة الوثيقة ضمن الفضاء الروائي، برأيي، يحتاج إلى دراية وخبرة ورهافة فنية، كي لا يحس المتلقي بنشازها، فلا تصبح عبئاً عليه، وقد بدا الروائي (نبيل سليمان) واعيا لتقنية الوثيقة ضمن الفضاء الروائي على الصعيد النظري، فها هو ذا يقول في كتابه “بمثابة بيان روائي”: “لقد علمتني الرواية كيف (أبحث) كما علمتني الأكاديمية، ثم علمتني الرواية كيف تنكتب الوثيقة روائيا، ليس بالتصرف بالمتن الوثائقي أو المرجعي، ولا بتبديل الصياغة، وباختصار ليس بالكتابة من الخارج، بل بالخلق الجديد، بالكتابة من الداخل وعميقا، وبحيث يختفي النسب الأساس للوثيقة؛ ليصحّ لها النسب للعالم الجديد: العالم الروائي.”(12)
إذاً ثمة إدراك لدى الروائي بمخاطر استخدام الوثيقة داخل جسد الرواية، إذ بإمكانها تشويهه، كما بإمكانها تجميله، لذلك من الضروري بذل الجهد في تقديمها، ويلاحظ المتلقي أن ثمة وعيا لدى (الراوي البطل) بضرورة الحذر أثناء استخدامها؛ لذلك يطلب من (صبا) أن تمزّق هذه الوثيقة، ثم نجده يتساءل: “قد يكون هذا كله نهاية طيبة أو غير طيبة للقرن العشرين، قد يكون بداية طيبة أو غبر طيبة للقرن الحادي والعشرين، ولكن هل يمكن أن يكون بداية أو نهاية أو متنا لرواية؟”
إذاً ثمة شك يلاحق الراوي، الذي يكافئ صوت المؤلف، في إمكانية أن تكون الوثيقة جزءا حيويا من فضاء الرواية، فلا يحس المتلقي بغربتها عنه؛ لهذا بذل جهده لتكون مكونا أساسيا في بنيتها، وقد أفلح في بعض المشاهد، وأخفق في أخرى!
يلاحظ المتلقي أن الوثيقة التي تتحدث عن أزمة المياه في الوطن العربي قُدّمت بصفتها جزءا من أعمال الندوة التي حضرها كل من الباحث/ الروائي (فؤاد) والمفتشة (صبا) في عمان، ستبرز هذه الوثيقة بؤس الواقع العربي بالمقارنة مع العدو الإسرائيلي، الذي لا يكتفي بالعمل داخل الأرض المحتلة وسرقة المياه فيها، بل نجده يسعى للسيطرة على منابع المياه الرئيسة في الوطن العربي: الفرات في تركيا، والنيل في الحبشة.
وبذلك تناقش الرواية عبر هذه الوثيقة حقيقة، لا يداخلها الشك أو التخييل الروائي، كي يضعها المتلقي نصب عينيه، فيتدارك نفسه وأمته من الضياع والعطش والموت، فالحروب القادمة حروب مياه.
بدت الوثيقة حيوية، أحيانا، حين قدّمها الروائي بصيغة الحاضر، وحين استعان في تقديمها بفنون أخرى كالفن التشكيلي، وذلك أثناء زيارة (فؤاد وصبا) معرض فني لـ”هوغ فونتين” في المركز الثقافي الفرنسي، فصاغ لنا مشهدا، تمتزج فيه اللوحة بالوثيقة، إذ جعل تتابع اللوحات مدخلا للحديث عن نهر الفرات، وما طرأ عليه من تغيير عبر الزمن.
كذلك استعان بتقنية السينما في توثيق العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، لكن (مشهد العشق بين صبا وفؤاد) أي أن التخييل الذي رافق الفيلم الوثيقة، بدا أقرب إلى الافتعال، برأيي، لنلاحظ خاتمة المشهد: “كانت صبا تنهض من حضن فؤاد باكية [إثر رؤيتها لمقتل الفلسطينيين] وفؤاد يلقن الصحفية الأجنبية [التي كانت في حضن الضابط الإسرائيلي] درسا في اللغة العبرية، والصحفية تحضن صبا وتترجم لها”(13)
إن استخدام (فؤاد) لغة العدو وتلقينه الصحفية درسا فيها، أمر غير مقنع، ويبلغ الافتعال مداه حين تترجم هذه الصحفية ما تسمعه لـ(صبا)! كأن الروائي يدعونا، هنا، إلى استخدام لغة العدو وأسلوبه في التعامل مع الإعلام الغربي، لكن الافتعال في التخييل برأيي أساء لنبل المقصد.
وبذلك لم تشكل الوثيقة جزءا حيويا من فضاء الرواية، صحيح أن الشخصيات بدت مهتمة بقضية المياه، لكن هذا الاهتمام بدا خارجيا أكثر من أن يكون هما يوميا مؤرقا، فأزمة المياه لم تنعكس على الحياة اليومية للشخصيات، إذ لم يجدها المتلقي تعاني من تلك الأزمة في حياتها اليومية!! مع أنها انتقلت عبر عدة مدن عربية تعاني هذه الأزمة (دمشق، عمان، اللاذقية، غزة) لهذا بدت لنا هذه الوثيقة، أحيانا، مملة، ربما لإغراقها في تفاصيل صغيرة غير موحية، حتى إنها احتلت حوالي ثلاث صفحات تقريبا (من ص138إلى ص140) كما قُدمت، أحيانا، بطريقة سردية جافة، فلا تتجسّد الوثيقة بشكل روائي، فمثلا تستعرض فاتن، إثر عودتها من غزة مشكلة المياه فيها وفي الضفة الغربية، فتبدو لنا وكأنها تكتب بحثا عنها، مع أن أهلها يقيمون في غزة، وكان بإمكانها أن تلتقط مشاهد من معاناتهم اليومية، التي تتدخل المياه في كل مناحيها تقريبا.
لو أجرينا مقارنة سريعة بين رواية “ذات” (14) لصنع الله إبراهيم، وبين رواية “مجاز العشق” للاحظنا تنوعا مدهشا في طرق تقديم الوثيقة في “ذات” (قُدمت عن طريق الحوار، القصة، البيان، الإعلان، المقتطف من الصحيفة أو من محضر محكمة أو مخفر…)
كذلك بدت لنا الوثيقة ، رغم أنه قدّمها في فصل مستقل، جزءا حيويا من فضاء الرواية، إذ شكلت خلفية معلوماتية لا بد منها، تساعد المتلقي على فهم الشخصية، وأبعاد الهموم والأزمات التي تتعرض لها المرأة (ذات)
إذاً الفضاء الكارثي للوثيقة، التي تكافئ الواقع، انعكس على كارثية الفضاء الروائي، فبدا لنا البؤس الذي نعيشه روائيا صورة للبؤس الذي نعيشه واقعيا في سياق تاريخي محدد (إثر الانفتاح، الذي دعا إليه الرئيس السادات) مما ألقى بظلاله البائسة على حياة المواطن البسيط، إذ بدا يناضل في كل لحظة من لحظات حياته؛ ليؤمن قوت يومه وتعليم أطفاله، وبذلك امتزجت الوثيقة بالحياة امتزاجا حميميا، ولم تبدُ غريبة عن فضاء الرواية.
رغم ذلك يمكن القول بأن اللغة في رواية “مجاز العشق” استطاعت أن تعيّش المتلقي في فضاءات متعددة، إذ انطلقت به في أجواء شعرية، لتعود ثانية إلى لغة الحياة اليومية، والبحث العلمي.
ولو تأمل المتلقي جمالية هذه اللغة في أحد المشاهد (موت الأغنية) للاحظ اختيار عنوان موحٍ بموت الفرح في حياتنا بموت أحد مظاهره (الأغنية) فيعايش بذلك أحد أسباب بؤسه وتخلفه (قتل الجمال) دون أن ترهق فضاء الرواية، هنا، بتفاصيل فكرية، ومثل هذا الإيحاء يبدو أكثر تأثيرا، إذ يكمن جمال اللغة الفنية في الابتعاد عن لغة التصريح.

لغة الشعر:
تُسمع لغة في الرواية أقرب إلى الشعر، أحيانا، خاصة في لحظات لقاء الحبيبة والتغزل بها، ها هو ذا فؤاد يخاطب صبا “دعيني أعش بالتماعة هاتين العينين: أستر عري ذراعيك بهذا الضوء البهيم، وأصل الحاجبين بأنفاسي، آه يا صبا كيف تهت عنك كل هذه السنين”
لكن لغة الشعر هذه، تتعثر أحيانا، فتبتعد عن الشفافية، لتسقط في الفجاجة التصويرية، فنجد فؤاد نفسه يصف صدر فاتن وصفا ماديا “يلمع مثل طاس من حجر” كما لاحظنا في تغزله بالعين بزلزال أو صخر، وبمثل هذا التشبيه، يُفقد اللغة إيحاءاتها الجمالية، فتصبح أقرب إلى اللغة الجافة، رغم الإطار التصويري الذي اتخذته!!
يلمس المتلقي في هذه الرواية، بالإضافة إلى اللغة الشعرية، لغة السماسرة خاصة حين ينطق بها (شهاب الوزير) رجل المصالح وشراء نفوس الضعفاء بالهدايا الثمينة “سيادة العميد صار يتباهى بهدية شهاب الأولى: ساعة أوميغا، حلقة الوصل بين الماضي والمستقبل…وهذه هدية زوجة سيادة العميد عقد من اللؤلؤ: شركة مجوهرات الفردان…”(15)
وقد استطاع المؤلف أن يمنح المشهد الروائي حيوية، بفضل اهتمامه بالبنية الفعلية للجملة، التي تعتمد أفعالا حركية متتابعة، تصور الحالة النفسية المضطربة التي تعيشها الشخصية “وسرعان ما قذفته الغصة خارج المطعم فراحت قدماه تخبطان وتحومان وتضيعان من مكان إلى مكان.”(16)
كما اهتم الراوي بتنويع طرق السرد، إذ لم يكتفِ باستخدام ضمير الغائب المفرد كالمعتاد، بل استخدم ضمير جماعة المتكلمين ممتزجا بالضمير الغائب المفرد، فها هو ذا الراوي البطل يقول: “ليلا يعوّدنا الطقس الجديد على أن ننتظر نصف الليل لنسابق الهاتف، صوت يطمئن، صوت يتنهد، صوت يتحسر على الملفات التي أتلفها الفيروس، صوت يعد بذاكرة لا ينالها التلف…”(17)
إن استخدام لفظة (صوت) ساعدت على تبيان انتقال لغة السرد من وصف حالة المرأة (صبا) إلى وصف حالة الرجل (فؤاد) أثناء الحديث الهاتفي، لذلك جاءت هذه اللفظة لتسرد لنا المكالمة بطريقة صوتية، إن صحّ التعبير، يوحي بحيوية الخطاب.
لغة التناص:
بدت لغة التناص التراثي، أحيانا، التي استخدمها الراوي البطل جزءا حيويا من جسد الرواية، وذلك حين ورد التناص القرآني بصوت البطل فؤاد “التمع البرق فراح يرتل على عجل “ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض من بعد موتها”(18)
لكن التناص التراثي بدا، أحيانا، استعراضا للمقدرة اللغوية، التي يمتلكها المؤلف لا علاقة لها بالفضاء السردي‍‍، مثال ذلك حين تحدث عن أنواع النكاح عند العرب (19).
يمكننا أن نلاحظ في “مجاز العشق” تنوع التناص الديني (العهد القديم والعهد الجديد، والقرآن الكريم) والتناص الشعبي (الحكاية الشعبية، المثل، العبارة…) لذلك لن يستغرب المتلقي استخدام اللغة الفصيحة (لغة السرد والمشاهد الحوارية) واستخدام اللهجة العامية أحيانا (في المشاهد الحوارية) لكن ما يُستغرب هو سماعه من الشخصيات نفسها (فؤاد، فاتن، صبا…) لهذا كان من الأفضل، برأيي، كي يتمّ تجنّب هذا القلق اللغوي، إجراء الحوار بلغة واحدة إما الفصحى، أوالعامية، أو الوسطى.
ومما أضفى الحيوية على لغة الرواية استخدام العبارات والأمثال الشعبية باللهجة المحكية كقول شهاب الوزير : (البرطيل بيحل دكة القاضي) وأحيانا يتمّ تحويلها إلى اللغة الفصيحة، دون أن ينتبه المتلقي إلى أن ثمة خللا ما ” المكان الضيق يتسع لألف صديق” (20)
حاول الروائي أن يعتمد التناص الأسطوري (أسطورة الخلق، وأسطورة الطوفان) غير أن هذا التناص لم يستطع أن يعيّش المتلقي ضمن فضاءاته الخارقة والمدهشة، فالهم الواقعي بدا أكثر هيمنة.
ثمة رغبة لدى الروائي في ابتكار تراكيب لغوية جديدة فها هو ذا يقول: “ومنه ما رقش قلم عن على في ماء” وإن بدا للمتلقي غير موفق في هذا التركيب على المستوى الدلالي والمستوى الجمالي!
أخيرا حاول المؤلف في خاتمة الرواية أن يكون ديمقراطيا، بعد أن مارس ديكتاتوريته في متن الرواية؛ لهذا جعل المشهد الأخير (كالخواتيم) صفحة بيضاء، يملؤها المتلقي بما يريد، إذ ترك الجملة الأخيرة التي سبقت تلك الصفحة في المشهد الأخير (عابران) مفتوحة “إذ لا فخامة تبقى سوى…” يكملها المتلقي بما يمليه عليه وعيه، فيكون جواب المستثنى بـ(سوى) القيم الخالدة، أو العشق الحقيقي، أو العلم، أو كل ذلك.
وبذلك يتيح الروائي للمتلقي في هذه الرواية وضع خاتمة تتعدد فيها الرؤى، حسب تعدد وجهات النظر، التي يؤمن بها، وبذلك يبتعد عن تسلّطية المؤلف، وهيمنة أفكاره، ليسهم في صنع حياة أفضل، فكأنه بذلك يحثّه على نقد ذاته وأمته، كنا نتمنى لو أتاح لشخصياته مثل هذه الحرية في التعبير عن أصواتهم الخاصة؛ لينأى بها عن التبعية الفكرية له، فيجعلها تتمتع باستقلاليتها وحريتها، مما يتيح سماع أصوات متعددة؛ تغني الفضاء الروائي بصراعها، فلا تبدو الشخصية صدى لصوت الروائي المتسلط عليها بأفكاره وطغيانه.

الحواشي:
1. نبيل سليمان “بمثابة بيان روائي” دار الحوار، اللاذقية، ط1، 1998، ص37
2. نبيل سليمان “مجاز العشق” دار الحوار، اللاذقية، ط1، 1998، ص 40
3. “بمثابة بيان روائي” ص 102
4. مجاز العشق” ص 21_22
5. المصدر السابق ص 125
6. المصدر السابق نفسه، ص 163
7. نفسه، ص 214
8. نفسه، ص 197
9. نفسه، ص 24
10. نفسه، ص 26
11. نفسه، ص 15
12. “بمثابة بيان روائي” ص 56
13. مجاز العشق” ص179
14. صنع الله ابراهيم “ذات” دار المستقبل العربي، القاهرة، ط2، 1993
15. “مجاز العشق” ص 159
16. المصدر السابق، ص213
17. المصدر السابق نفسه، ص 217
18. نفسه، ص 15
19. نفسه، ص130
20. نفسه، ص195

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق