قراءات ودراسات

الشاعر المناصرة… مؤسس شعرية الكنعنة في فلسطين

د. محمد توكلنا

لطالما تغنيت ببيتي أبي العلاء المعري :
خَفّفِ الوَطْءَ ! ما أظُنّ أدِيمَ الْـ………………أرض إلا من هذه الأجسادِ
وقبيحٌ بنا ، وإن قدمَ العهـ……………..ـدُ هوانُ الآباء والأجدادِ
إنها لفتة تدعو إلى التأمل , رآها الأعمى بعين البصيرة , هي قصة خلافة الأرض , قصة الخلق والفناء؛ أقوام تستعمر الأرض ثم تأتي عليها كف الزمان ثم تصهرها الأرض لتكوّن منها عجينة أقوام آخرين فما هذا الثرى إلاّ موطئ لأقدام أقوام كانوا في غابر الزمان يدرجون فوق رفاة آبائهم وأجدادهم .
وقصة الامتزاج بالأرض قصة متجددة لا تخلق على كثرة الإعادة , عرضها المعري في رثاء صديق له وإذا به يرثي الإنسانية عامة , ثم تناولها من بعده شعراء آخرون ليس آخرهم عمر الخيام الذي ترجم له أحمد رامي رباعياته التي منها :
فامش الهوينى إن هذا الثرى……………..من أعين باهرة الإحورار
وتتابعت القصة عند عز الدين المناصرة متخذة المنحى القومي فقد امتزج بنفسه بهذه الأرض ؛ أرض كنعان التي اغتصبها شذاذ الآفاق ولكن ذلك لم يغير من الحقيقة شيئًا , فليست الأرض إلاّ موطنًا لبني كنعان , معجونة بعظامهم , وبنسغ أشجارهم , فمن عثر على عظمة منها فلا يحسبن أن تلك مصادفة , ذلك لأنها هي نسيج هذه الأرض :
إنْ وجدتمْ عَظْمَةً مُعَفَّرةً بالتراب النديِّ
فهي، حتماً … أنا.
أوْ وجدتم شجيرةً بريةً نامية بالصُدفة،
ليست أبداً صُدفة.
وليس من قبيل المصادفة أن يعثر أحد أطفال جبل الكرمل على خوذة في مقاتل , فهذه الأرض شهدت من قبل صراعات واحتدمت فيها المعارك , إنها الصراعات التي تتجدد كل يوم منذ أعماق التاريخ وما مازالت تدور رحاها إلى يوم الناس هذا :
إنْ صرخ الولد الكرمليُّ ﻓﻲ منعرجات الوادي
يا أبي، يا أبي… خوذة جنديٍّ قديم،
ليس قديماً يا ولدي، صدّقني.!!!
وإذا كنت في أرض كنعان فلتعلم أنك بين ظهراني شعب نابض بالحياة تمر به النوائب فتزيده عزمًا وحياة , حياة البراءة والعطاء والفداء والخصوبة , شعب لا تمحوه عجلات الجرافات ولا تمزقه مخالبها :
إذا مرَّت العاصفة،
لملمتْ شيئاً من طلع غباري
فهي، قد مرّت فعلاً،
رسمتْ ظلّها في الجدار.
لو تفتّت حجر النُصب، ذرّاتٍ، ذرّات:
بيضاء وسوداء وحمراء وخضراء،
فهي ألوان قلبي.
إذا دهسوا قبورنا بالجرّافات،
صرنا حديقةً عامَّة،
حيث يلعب الأطفال، جيداً، قرب الرموز.
إذا باضت اليمامة على غصن يصل إلى السماءْ
إنْ مسَّتْ قبري، وطارتْ
ألوانها، ألوانه، ارتفعي أيتها الألوان عالياً،
فوق أسلاك الكهرباءْ
صحيح أن العاصفة هبت على أرض كنعان ولكنها لم تكن كالعواصف الثلجية التي تنفضّ تاركة وراءها الجمود ولا شيء سوى الجمود , وإنما عملت عمل الرياح اللواقح فإذا بهذا الشعب الذي نثرته أيدي العاصفة هنا وهناك يتجذر من جديد في كل بقعة من بقاع البسيطة ثم تنبت له فروع في أثينا وجبال الأطلس وصحراء النوبة…. وإذا بالأرحام تفيض في كل صقع من أصقاع الدنيا لتنجب هناك بنات عمّ نبتن من ذلك الجذر الأول الضارب في أرض كنعان :
إنْ رفرفتَ – أيّها الحبيبُ – ﻓﻲ أعالي كنعان
في أعالي كنعان
إن وصلتَ إلى جبال جَرْجَرَة،
إن هربتَ – قبل الميلاد – من الجفاف،
فأنتَ يمامة كنعان،
تبربرتْ ﻓﻲ أثينا،
وانزرعتْ ﻓﻲ سفوح الأطلسْ.
هذا الشعب الذي فرقته العاصفة وشتته في تخوم الأرض لم يفقد حيويته بل راح ينشر أسباب الحضارة في كل مكان , وها هن بنات العم كالنحل يسعين هنا وهناك ولا يقتصر نشاطهن على منحىً واحد من مناحي الحياة , فهن مصدر الحسن والحيوية ومنارات الجد والعمل والعطاء في الصحراء وفي الواحات وفي الغابات والجبال والأودية والمدن والقرى من أدنى الشرق إلى أقصى الغرب لا يفترن ولا ينتهي عطائهن عند حد , وليس من الغريب أن تتركز عناية الشاعر على بنات العم دون أبناء العم , فالمرأة هي رمز العطاء :
هُنَّ بنات عمّي، إغريقيّات،
اقتلعن أشجار الوحشة، عند مساقط المياه.
هُنَّ بنات عمّي، أمازيغيّات،
حملن التفاح في أطباق السماوات السبع.
هنّ بنات عمي، النوبيّات،
يتناثر النرجس في أنحائهنَّ الدمويّة.
هنّ بنات عمي، صحراويّات،
يرعبن الواحات، والرمل، والسيوف، والأغاني.
للصحابيّ: نعيم الداريّ، ينشدن بين الكروم
هذه الأرض، لذريَّة السيّد الجليلْ
ثم أصبحنَ، عنباً في أعالي الخليل
يغتاظ البحر الميّت، حين يراهُنَّ في الأعالي
مثل عناقيد البلّور الصافي ﻓﻲ مزرعة القلبْ.
هُنَّ بنات عمّي، خليجياتْ
في قاع بحر اللؤلؤ، يَصْطَدْنَ قلائد التعبْ.
هُنَّ بنات عمّي، مؤابيات،
كمقالع المرمر والرخامِ، في قاع الأردنّ الولهانْ
ينشدن للخيول أغاني الثلوج.
أكان لابدّ أن ننتظر، كلام الرواة قروناً،
لكي نعرف:
كنعانياتٌ كالأبنوس ﻓﻲ غابات الفلّين،
كنعانياتٌ كزبيب بنات الشام،
رعين نقاء المتوسط في قلبه الأبيض،
خلعن شتلات الزيتون، شرقي بيت لحم،
وزَّعنها على النوارس، والحمام الزاجل،
قلن للريح: يا ريحُ انثُريها على الفصول.
كنَّ يُفطرن اللبن، والعسل، والملبن الخليلي
كنَّ يمشطن شعورهُنَّ، بأمشاط عظم الغزال
ﻓﻲ صحراء النَقَبْ
يتسلّينَ بحبّات خشب اليُسرْ ﻓﻲ بيت لحم
يرعين الجفاري، في سلسلة الجليل الأعلى
ومغارةُ الكرملِ، شاهدةٌ على ذلك
غور أريحا، جسدُ البحر الميّت، والمخطوطاتْ.
كنعانيات تَموْزَغنَ، هنَّ قبائليات الزيتون.
هكذا هم أبناء كنعان أينما حلّوا وأينما ارتحلوا , لقد فرقتهم أيدي الخطوب وسعت طواغيت الأرض لتشريدهم وتمزيقهم لعل هويتهم تضيع في أنحاء الأرض ولعلهم ينسون أرضهم الأم التي أرضعتهم لبان العزة والإباء , فإذا بهم يحملون عزتهم وكرامتهم في نبض عروقهم , وإذا بهم ينشرون ثقافتهم بين الشعوب ويطبعون بَصْمتهم أينما أقاموا , إذًا فلتشتد العاصفة ولتتأزم المعضلة , فالأرض التي تضمخت بدماء أبنائها وعجنت بعظامهم ورفاتهم مازالت تنتظر اليوم الذي يعودون فيه إليها عودة الحمام الزاجل إلى العش

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق