ثقافة السرد

ابن النخلة

عبد العزيز دياب*

عشقتني امرأة، وقعت عينها على أنا الملتصق بجذع النخلة، طافت حولي تغنى وترقص حتى أغوتني.
لي أسماء كثيرة منها: الغريب، وابن النخلة، والقحف (نسبة إلى قحف النخلة، لأنني أشبهه إلى حد كبير)
عمري الآن أكثر من مائة عام، لم تدركني الكهولة ولا المشيب، وجدتني على ظهر هذه الدنيا- فى ذلك الزمن البعيد- وحيداً، مقطوعاً من شجرة، قبل أن تكون النخلة أمي، وقبل أن تعشقني امرأة، بحثت كثيراً عن شجرتي فتشابه على الشجر، قلت كل الشجر أشجاري، وكل الناس أهلي، لكن السيد زوج السيدة اندفع يركض خلفي حاملا البارودة، السيد الذي كنت أخدم فى بيته- منذ أكثر من مائة عام- وضع سرجاً على ظهري، تركني أقوم بأعمال لا تليق بى، يلسع ظهري بالسوط الحامي ويطرقع في الهواء… أهل القرية ركبوا على ظهري، وبالسوط طرقعوا في الهواء، نسى السيد أن لي معدة تأكل نفسها فحاش عنها الزاد إلا كسرة تسلل إليها العفن، يقذفها في حجري، مزود البهائم بيتي في الصيف، وبيتي في الشتاء، ونسيت زوجة السيد أن بداخلي رجلا، فكشفت أمامي عن كنوزها وفاكهتها التي كانت تسقط أمامي، عندما امتدت يدي لتلتقط واحدة من رمانها، ألصقت بي تهمة تمس شرفها المصون، وشرف السيدة زوجة السيد تضيع من أجله الرقاب، فأمسك السيد بالبارودة وأقسم أنه قاتلي، هي بكت وأنزلت من عينيها اللؤلؤ…أهل القرية قالوا خلِ عنك يا سيد ، لا تلوث يدك بدمه القذر. دعنا له، فوجدتني أركض وحشد كبير يركض خلفي، وكلما اقتربوا منى قلت إنني ميت لا محالة، فلم أجد أمامي إلا حفرة أسفل جذع نخلة- النخلة التي صارت أمي- حفرة لا تسع عنزة، فدخلت فيها وأنا أستجير:
“الحقيني يا أمنا النخلة”
النخلة لحقتنى، اتسعت الحفرة حتى احتوتني، وسمعت أنفاسهم تلهث، فشدني جذعها، وانغلقت فوهة الحفرة وهم وقفوا وقالوا:
“هنا اختفى”
وقال بعضهم “أين اختفى… هل اختفى فى بطن النخلة؟!”، لو أن أحدهم فتح بطنها لرآني، قالت النخلة لا تحزن، شدني جذعها إليها، ورأيت مسلك شتى، سافرت فيها أربعين يوماً أو ما تعدون، روتني بمائها، أطعمتني شهدها، خرجت من بين اللحم والجمار، أتعلق بجريدها، احتضن جذعها، فأسماني الناس “ابن النخلة”
وعشقتني امرأة مات زوجها، لطمت خديها كما تفعل النساء، شنقت نفسها بطرحة سوداء وهى تنشد عدودة طويلة على زوجها وبعلها وجملها، زرعت بجوار القبر صبارة، وضعت في حجر الشيخ القرش والفاكهة، قالت:
“اقرأ له سورة ياسين”
ولما خلت إلى نفسها قالت هو كان زوجي، رجل مثل كل الرجال، يأكل ويشرب، يسهر ويحرث أرضى، وأنا امرأة مثل كل النساء، فهو سادس رجل كشفت أمامه جسدي، لكنه مات مثل من سبقوه، وسوف أتزوج من بعده ألف رجل، لو ناداهم الموت واحداً وراء الآخر، لذا سأبحث عن رجل ليس كمثل الرجال، فوقعت عيناها على أنا الملتصق بجذع النخلة، طافت حولي تغنى وترقصن حتى أغوتني أنا ابن النخلة، والنخلة التي حرمت على أن أفعل أفعال البشر رقت لحالي، سامحتني عندما انخلعت عن جذعها، ودخلت في حضني امرأة أنا سابع بختها… قالت:
تزوجني يا بن النخلة
انشق جسدي إلى نصفين، نصف التصق بأمي النخلة، والنصف الآخر هبط إليها، وهل تتزوج امرأة- عاشرت ستة رجال- نصف رجل، فجاءت مرة أخرى وقالت:
“خذ نصفك الآخر، فأنا لا أحب أن تعيش مشطور، وخذ معه نهدى، وشفتي، و…..، ….. ”
دوختني المرأة فسقطت من فوق أمي النخلة في حضنها، فعلت معها أفعال البشر، أنجيت منها البنين والبنات، أصبحت بعد ستة رجال زوجها وجملها وسبعها، لكن أحفاد السيد أشاروا ناحيتي… قالوا:
“هذا ابن النخلة، لنا عنده ثأر قديم، فهو من عبث بشرف جدتنا”
واندفعوا خلفي يقبض كبيرهم على البارودة، لم أجد أمامي إلا أمي النخلة، هي لم تردني بعد أن انخلعت عن جذعها، وتساقط دمعها رطباً جنياً، فتحت لي مسالكها، أتعلق بجريدها، التصق بجذعها، أنظر إلى زوجتي وهى تبحث عن رجل آخر يكون ثامن بختها.

*أديب من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق