ثقافة المقال

رسائل ماركيز في ثناياها ظل وداع يشي بتلويحة أخيرة

جمال القيسي

رسائل مضمخة بالحنين، وطافحة بالحكمة، وراشحة بالمعاني الجميلة، ومعجونة بالتجربة، كلمات اقرب الى الوصايا، آيات يتلوها ماركيز على قرائه ومحبيه واصدقائه، في ثناياها ظل وداع، ويشي وقعها بتلويحة أخيرة. فقد اثقل المرض على كاهل المحارب العتيد، وأمسى ثقيل النفس، بعد أن خاض غمار معركته الأدبية العالمية بروح الفارس الذي لا يلين، بدراية ضليعة بأغوار النفس الانسانية، وبقدرة استثنائية على تحليلها، ومن بعد ذلك امتشاق سيوف الحلول، التي تجيء جذرية وشجاعة تحمل مواقفه وانحيازه للإنسان والقيم العليا في الحياة. بات غابرييل غارسيا ماركيز ينسحب بجسده رويدا رويدا إثر مرضه العضال، مؤكدا لمعشر الأدباء والمفكرين والنبلاء، أنَّ الرجال العظماء باتوا يقلون، ويتوارون خلف ضباب الغياب، ولسان وداعهم يقول:… “إني قد قدمت لكم حشاشة القلب وماء الروح، وحرصت على ألا أترككم في عزلة”، وكأن صاحب “مئة عام من العزلة “(1967) التي تروي قصة قرية غرائبية في أميركا الجنوبية، بسحر واقعي ماركيزي، والتي بيع منها عشرة ملايين نسخة، ينظر الينا بابتسامة واهنة لا يتخلى عنها الإباء والتصبر: “سأقول لكم ما خبأته في نفسي، سأقوله بطريقة غير التي عودتكم عليها”، تقول إحدى رسائله الأخيرة، “قل دائماً ما تشعر به وافعل ما تفكّر فيه”.
يبدو الزهد والحكمة الموغلة في الصبر للكاتب الأهم في أمريكا اللاتينية، ولربما في العالم، الحاصل على جائزة نوبل العام 1982 متجليين في رسالته “لو شاء الله أنْ ينسى أنني دمية، وأن يهبني شيئاً من حياة أخرى، فإنني سوف أستثمرها بكل قواي، ربما لن أقول كل ما أفكر به لكنني حتماً سأفكر في كل ما سأقوله”، كأنه يقول لنا: “اقترب انقطاع آخر خيط يوصلني بالعالم الخارجي، وانفتح جرح الذكريات، والمرض ابهظ جسدي، لذا سأضع حدا لحياد لحدي، ولن أرغمه على أن ينحاز لحماية جسدي، فلن اتخلى عنكم، وان كنت سأدون وداعي بمداد من ماء القلب وأوقعه بنشيج القلب، ساكبا رسالة تقول “سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أنَّ كلَّ لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور”.
“سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه”، و” لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، فسأرتدي ملابس بسيطة، واستلقي على الأرض ليس فقط عاري الجسد وإنما عاري الروح أيضاً”، لا يا سيدي ماركيز، أنت توجعنا، توغل في جراحنا، تختار الشهر الذي ولدت فيه من العام 1927 لتقول لنا هذا الألم، تردنا الى قناعة لم تفهمها غالبيتنا، ويتغاضى عن نورها الكثيرون، أنت يا حكيمنا ترسخ في ذواتنا أنك تلقي عنك زخرف الحياة، ولا يعنيك غيرنا، تحمل ارواحنا نحو اللامنتهى العذب، أو النهايات المفتوحة على أمل الغموض الجميل، وتضع الريشة عن هذه اللوحة، حين تقول “سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق”. يبدو ماركيز وهو ينزع أسلحته هادئا حكيما، يسلمها إلى الأنقياء النبلاء ليواصلوا الكفاح والتنوير من بعده: “سوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام”، ها هو ذا جلس إلى الإنترنت وخاطب به الاصدقاء كنداء قبل الأخير، لتسليم سيف القلم، وراية الكلمة، أخرج من سلته ثمارها، وقال “لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر..تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه”، “وللطفل سوف أعطي الأجنحة، لكنني سأدعه يتعلّم التحليق وحده”، و” للكهول سأعلّمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان”.
“تعلّمت أنَّ المولود الجديد حين يشد على أصبع أبيه للمرّة الأولى، فذلك يعني أنه أمسك بها إلى الأبد”، أين سمعنا هذا الكلام من قبل؟! لكأننا سمعناه من قبل..من قديم. لعله ترويدة في النفس كامنة في أحشاء القلب، تعويذة ردَّدَتها الأجيال بصمت، وسكن المعنى في الروح. أرواح البشر كافة. ولا يستطيع البوح بالمعنى غيرك يا أبا الرواية، فهمنا الآن أكثر، نور حكمتك حين أعلنت أنك لم تقدر ذات شباب غض على تلبية رغبة أبيك في أن تواصل دراسة الحقوق لتصير محاميا، وقلت: “أنا كاتب لا شيء آخر، أنا ذلك الطفل الذي امسك على اصبعك الصحيحة يا أبت. تلك التي عرفت أن تدلني على ما احس لا على ما يجب.”
قلت لنا الكثير عن الانسان حين يتحول إلى ذئب ينهش لحم اخيه ويسدر في طغيان كوابيسه، جاثما على أحلام الملايين من البشر، حين يتحول المرء من إنسان إلى طاغية، حين يكون “خريف البطريرك” شوكة في حلوقنا، يُضفي على كل خريف في أعمارنا مئة خريف، تقول لنا عن ذلك الطاغية أنَّ عليك أنْ تدري لو قيض لك أنْ تدري “أنَّ الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف”، وتواصل أنت شجاعة القول بطرح الطغاة على رصيف التاريخ لتتابع آيات الحب.
تتابع “لو كنت أعرف أنَّها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعيّ ولتضرعت إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك”، هل تخاطب الحبيبة، أم الحرية، أم العدالة، أم تخاطب سعادتنا التي تأمل لنا، وحفرت في صخرة الإبداع بأظافرك، لتبديد وحشتنا، وشعور الغربة الموغل في نهشنا؟ ورغم ما أدمى الصخر يدك وروحك تقول “لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها، لقلت “أحبكِ ولتجاهلت، بخجل، انك تعرفين ذلك”.
اتضحت معالم الرؤية والرؤيا ايها النبيل الجميل..أنت تخاطب الحرية والعدالة والحبيبة في آن وأنين معا، عرفنا ماء نقائك وثلوج بهائك حين تذوب فتغسل القلوب المتعبة، ما أروع نشيدك للحياة يا مولاي. 
لكنكَ تبتسمُ وتقول لنا ان الحب هو الذي ينتصر وان الاحباء الاحباء هم وهج هذي الحياة، ومن دونهم لا يكون للأشياء من معنى. لا يكون للشتاء مذاق الشتاء ولا للمطر طعم المطر “لأنَّ الغد ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن، ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولا بد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة، أو عناق، أو قبلة، أو أنك كنت مشغولاً كي ترسل لهم أمنية أخيرة”.
تصرُّ على أن نحفظ عهد الوفاء ونمسك بتلابيب المحبة، ونقبض على سلام القلوب ودفء الأحبة “حافظ بقربك على من تحب، أهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتن بهم، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التي تعرفها”، وأن لا نفرط في ذرة عشق او فلتة وجد أو لفتة شوق “هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، أحب أن أقول كم أحبك، وأنني لن أنساك أبداً”، ثمَّ تطلق علينا سهم الوداع “تعلمت منكم أشياء كثيرة لكن قلة منها ستفيدني، لأنها عندما ستوضب في حقيبتي أكون أودع الحياة”.
أيها الرجل الطود العظيم. هل من الإنصاف أن نشير اليك بأنك الحاصل على جائزة نوبل للآداب؟ أم الإنصاف أنْ نقولَ: وذات يوم حصلت لجنة نوبل على قبول ماركيز لجائزتها؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق