قراءات ودراسات

حسين رشيد في روشيرو

هاتف بشبوش*

في شهربان، سالت الريالةُ الطفوليّةُ في أفياء بساتينها، حتّى حبتْ وازدهرتْ وأعطتْ لنا القاصّ اليساري حسين رشيد الذي يخبرنا عن مآثر الموت ثمّ الحياة التي على خافقها شعلة منكّسة على الدّوام فيها من العثرات التي لابدّ لنا أن نضعها أمام محكمة العقل لكي نعرف ماذا نحن فاعلين، العثرات النّاجمة من نظامٍ حاكمٍ أو صديقٍ أو حبيب حاول الطّعن بنا مرّات ومرّات .
حسين رشيد عضو إتّحاد الأدباء والكُتّاب العراقيّين، عملَ مسؤولاً للصّفحة الثّقافية في جريدة طريق الشعب ومحرّرا في ملحق الطريق الثّقافي، يعمل حاليّا كصحفي مسؤول لقسم التّحقيقات في صحيفة المدى، ويكتب عموده (فارزة) في يومي الإثنين والخميس،عضو اللّجان التّحضيريّة لملتقى الرواية الأولى في مهرجان المربد لأكثر من دورة ، له مجموعة قصص قصيرة معدّة للطّبع وهذا الكتاب موضوع بحثنا في هذه القراءة (روشيرو) قصص قصيرة جدّا .
حسين رشيد يكتب عن الحبّ بكونه طاقة… إنس.. ولع … عادة… الحبّ همس … معشر.. هيام … وئام … الحبّ نظرة كما حصل للصّحفي مع ( هدى) في أحدى قصص المجموعة. لايمكن أن نتوقّف لو أردنا أن نتكلّم عن الحبّ .. فهو الكلمة الضاربة من الأزل نحو الأبديّة، منذ التّفاحة وسقوطها حتّى النّزق الذي كان يرفل به أحدنا وهو في الجامعة أو الزّقاق مع الجميلات اللاّتي شكّلن لنا الحلم الغائب ، في خضم تعاليم حياتية صعبة للغاية ، أحيانا تحشرنا في منعطف خطير لانعرف ما هو التّصرف حيالها ، هل نستمرّ في الحبّ ؟ هل نطويه ، أم ماذا ؟حلولٌ كلّها على الطّاولة وعلينا أن نجد الخيار ولكنّنا لانجده كعراقيّين وُلدنا تحت الأسوار وعلى الأسوار نموت .
من جانبٍ آخر نرى حسين رشيد يتناول الحبّ بكونه خاضع للآيروتيك الريتسوسي و الذي يجبُ أن يكون كما في قصّة الإسكافي التي سنمرّ عليها لاحقًا وممارسة الجنس بين الطرفين لا ذلك الحبّ العذري الذي يخلق الجنون كما حدث لديفداس الهندي .
لو تصوّرنا شعوب الأرض متصوّفة ناسكة في الحبّ رجالا ونساء سنراها مخبولة كما قيس أو أنّها تحتاج إلى ربٍّ خاصّ لهذا الموضوع إسمه ربّ المجانين وهذا ضرب من الخيال ، ولمَ هذا الاعتقاد بأنّ الجنس نوع من الإثم والتّدنيس؟ فمن أين جاءتْ أمّهاتنا وآباءنا ثمّ نحن ؟ ألم نأت من هزّة الجماع العظيمة التي مورست تحت مؤسّسة الزّواج الشّرعي ؟ أو الزّواج الرّسمي الذي سُنّ من أجل تعقيم الجنس ليس إلاّ؟.
حسين رشيد كتب الألم العراقي الموروث ، الألم الذي يدخل بيوتنا وأنفسنا دون أن ندرك ونخطّط ، الألم الذي يصفه علي الوردي لدى طالبٍ عراقي كان يدرس في أمريكا حين يدخل ليستحمّ تسمعه جارته الأمريكيّة وهو يبكي فتطفق تبكي معه بدمعٍ هطول حتّى أخبرتْ المعنيّين لإيجاد حلاًّ له ودراسة حالته الباكية هذه ، ولما جاءوا إليه، إستغرب الأمر وأنكر أنّه كان يبكي ، حتّى تبيّن أنّه حين يدخل ليستحمّ كان يغنّي مواويلاً وأغاني عراقيّة حزينة تقطع نياط القلب ، هذا هو العراقي بحقيقته الدامعة وبما فيه من عُنفٍ دفين .
حسين رشيد يكتب عن العراقي و مناجاته للربّ دون الفهم العميق بل المناجاة السطحيّة العالقة في أطراف العقول، حيث نرى على سبيل المثال حين يصل العراقي إلى أوربا وحالما يشبعُ حريّة وطعاما ونقودا نراه يصيبه النّكوص بل يتحوّل إلى رجعيّ أصيل. فبدلا أن يكون أكثر مدنية وحضارة وديمقراطية ، نراه يلجأ إلى الأكليروس ، ويُجبر عائلته على إرتداء الحجاب قسرا وأما خلاف ذلك ، يلجأ إلى القتل إذا أجبرته الظّروف وحصلت هذه الحالة في أكثر من مرّة ومرّات .
في هذه المجموعة أقرأ جنون وحكمة حسين رشيد وهو يسلك النّهار بفانوس ديوجين ، يضرب مع الحبّ مجاديف العشق في الأنهر الهادرة من فيض عصفوريته التي كرهت ( إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب) التي حاولت أمريكا عدوّة الشّعوب فرضها على بني البشر بحجّة العولمة لكنّها اليوم وجدت نفسها ليست الدّولة العظمى الوحيدة بعد أن رمّم الرّوس والصّين وكوريا الشّمالية والكثير من شرفاء العالم ما يتطلّبه العصر من قوّة للتّوازن الدّولي .
تبدأ المجموعة بالقصّة التي تحمل موسومية الكتاب ( روشيرو) الإسم الذي يمتدّ كرمزٍ بابليّ إلى ما قبل ستّة آلاف عام والذي بُنى وأشاد وعمّر ، فيعطينا الفرق الشّاسع في خراب اليوم ودماره في الميزوبوتاميا ذاتها، ثمّ قصّة (شقتان) التي أبدع فيها حسين في وصف لعبة الحياة والموت تلك التي تتكرّر في كلّ ثانيّة على وجه الفسيحة المترامية .
اللّعبة التي ترتبط وشائجها بالجنس الذي يسلب إرادتنا وعقولنا وذاكرتنا في لحظة الذّروة والأورجازم ، قصّة تتحدّث عن شخص أراد الإنتحار نتيجة اليأس من أيّام الحصار حيث باع كلّ ما في شقّته لتسديد الدّين ولم ينفع فيلجأ لفكرة الموت والخلاص فيعلّق رقبته بحبلٍ تدلّى من السّقف بينما هو يقف على كرسي، وفي لحظة الإنعتاق من الحياة تلوح له من النّافذة فتاة عارية في الشقّة الثانية المقابلة لشقّته فينسى الموت وهو معلّقا بالحبل فيبدأ بممارسة العادّة السريّة وفي لحظة القذف يتهاوى الكرسي . إبداع وخيال عظيم من قبل القاصّ حسين وهو يصف التّرابط العضوي بين الموت والحياة في لحظات المكاشفة الصّريحة في حكم الجنس علينا والذي يعني بالنّتيجة الحياة لطالما نحن ولدنا من سلطان الشّهوة والجنس والمضاجعة، أمّا الموت فكتب عنه بما لا يحصى من الأدباء لكنّني سأكتفي بما قاله قبل فترة وجيزة الشّاعر الكبير يحيى السماوي :
لـيـس تـشـاؤمـاً :
أحـيـانـاً يُـخَـيَّـلُ إلـيَّ
أنَّ الـمـوتَ هـو الـدّواءُ الـوحـيـد
لـلـشّــفـاءِ مـن شـقـاء الـحـيـاة
موضوعة الجنس لدى العراقي هي الشّاغل حتّى في نكاته وفوازيره نظرا لحرمانه الطّويل من المرأة، ولذلك هناك قولا لأحد الكُتّاب الشّهيرين ينطبق كليّا على العراقي والشّرقي بشكلٍ عامّ ( الرّجال يحملون قلوبهم في أعضائهم الجنسيّة أمّا النّساء يحملن أعضاءهنّ الجنسيّة في قلوبهنّ) وأمّا أنا فأقول من أنّ الرّجل العراقي ، مشروعُ حربٍ واستمناء والمرأة العراقيّة مشروعُ ترملٍ ..وتثكّل ..وهجرٍ .. وفُقد، كما في القصّة ( هدى) وكيف خسرتْ من بدأت تحبّه توًّا:
سردٌ يتحدّث عن الموت والحبّ أيضا ، حيث يموت صحفيّ نتيجة الإرهاب و الذي كان يكتب عمودا يوميّا في صحيفةٍ كانت تقتنيها (هدى) من أحد الباعة فتلفت نظر الصّحفي ويحبّها من طرفٍ واحد. وذات يوم كعادتها اشترتْ الصحيفة وبحثتْ عن عمودها اليومي فترى مقالا بعنوان (هدى) المرأة المكافحة التي كانت تعمل في كشكٍ بسيط لتعيل عائلتها ونفسها كطالبة جامعيّة وكان هذا آخر مقالٍ له قبل موته، قصّة قصيرة اختصرت لنا كلّ معاني موت الحبّ الذي يأتي على حين غرّة في أوقات الحرب التي تخلق لنا آلافًا من القصص الخيالية التي لا يصدّقها العقل البشري وما أكثرها التي تناولها الفنّ السّابع في أكثر من دراما مُبكيّة .
قصّة تقول لنا من أنّ الموت والحياة هما بمثابة اللّعبة الأبديّة التي يتعاقب بها العدم والوجود كما نقرأ أدناه في ( اللعب):
هنا أقرأ حسين رشيد الفلسفي أكثر منه أديبا قاصّا، سردٌ يتناول تبادل الأدوار والمتناقضات فيما بينها كاللّيل والنّهار والشّمس والقمر والرّيح والنّار، لعبة نُشاهدها في السّرد الذي يقترب من التّشكيك بمدى قدرة الربّ الجزئية والكليّة التي تنتهي بالمطاف إلى عجزه وروتينية وجوده التي تؤدّي به إلى الإنتحار والخلاص من ذاته وجبروته أو موته النيتشوي ( نحن من وجد الله ..ونحن قتلناه…نيتشه) أو موته من وحدته القاتلة كما هو حال الجبابرة والعظماء الذين حالهم ربّما أسوأ بكثير من حال الإسكافي الذي نجده في الرّائعة الآيروتيكية للقاص حسين ( الثامن) :
لولا جمالكِ وحبّكِ والسّرير… ما تخاصم الأميرُ و الفقير ، هذه الحقيقة تجسّدت في الفيلم الباذخ (عشيق الليدي شاترلي) للرّوائي الإنكليزي (ديفيد هربرت لورانس) والذي كتبها عام 1928 وكانت صارخة بالجنس بحيث لم تلائم روح العصر المحافظ آنذاك ممّا جعلها عرضة للكثير من الانتقادات، في الفيلم يتخاصم الإقطاعي المليونير زوج السيدة الجميلة شاترلي مع الحوذي والفلاّح الذي يعمل في بستانه لأنّ زوجة المليونير تحبّ الحوذي والفلاّح حدّ التّضحيّة والخبل ولم يهدأ لها فرجٌ ولا نهدٌ ولا فمٌ تشبعه قُبلاً ولا قلبًا ذاق من الحبّ مراره واعتصر، حتّى طلّقت زوجها وتزوّجته وأنجبت له إبنها ثمرة عشقٍ عاصف تضمخ بالنّكاح والإيلاج و الضّميم و الشّميم العظيمين أمّا هنا في قصّة ( الثامن) نرى إبنة الدّلال والثّراء تعشق الفقير لله الإسكافي المثقّف الذي رمته الحياة بعد أن أكمل جامعته في عراق النّهب والسّلب فلم يجد في هذا الوطن القاحل غير مهنة الإسكافي المهينة في شعوبنا حسب القول الشّائع ( قيّم الركاع من ديرة عفك) تُغريه فتاة الخدر وتدعوه إلى منزلها بحجّة مرضها فماذا يفعل كما يقول دي موسيه ( جميع الرّجال كذّابون ، متقلّبون ، ثرثارون ، بؤساء أو شهوانيّون ، أمّا بعض النّساء فمحتالات ، فضوليّات ، منحرفات ، لكن ثمّة في العالم شيء مقدّس وسامٍ هو الإتّحاد بين إثنين من هذه الكائنات النّاقصة أو المروّعة جدّا) ، وفي منزلها وبعد أن يرتوي تنهيدًا وتمسيدًا وإيلاجًا وغنجًا وهسيسًا وإمتصاصا وحبّا ، يرى صورا مترفة معلّقة في جدران البيت فيتذكّر أخاه والموت الذي غيّبهُ في سجون الإجرام ويحزن ويتألّم ولكنّه يكرّر عملية الحبّ ويضاجع بقوّة وبلهفة أكثر ويلتذّ ويئنّ ويخدر وينام تحت التّنهيد وفوقه وبجانبه مرار ومرارا، لا أعرف أنا كاتب المقال لماذا كلّما مرّ بالإنسان مشهد من الموت يذهب في أقرب فرصة لمضاجعة زوجته أو حبيبته أو أيّ امرأة لعبور اللّيل ، هل هي عمليّة تحدٍّ للموت والإصرار على البقاء أم أنّ النّساء فراشٌ رومانسي وثير و الرّجال ساحاتُ وغىً غبراء ؟.
بعد رؤيا الإسكافي للصّور وحسرته على أخيه نرى حسين يسرد لنا حكاية من الواقع الفعلي لعراق اليوم والغد القريب فيكتبُ ( تصاوير) بمعانيها الأخرى :
بوح يختصر لنا عهدين مورس فيهما الضّحك على ذقون العراقيّين وكيف كانت صُور الرئيس القائد المجرم أصبحت مزارا في اللّيل وفي النّهار. كذلك الحال اليوم مع حكم العمائم حين ذاق ذرعا أحدهم من القمامة التي بجانب دكانه حيث يرمي جميع من في الحي مزابله فراح بدهاء عظيم يضع صورا لأحد السّادة القديسين في منتصف القمامة حتّى جاءت البلدية وعملت منها مزارا رائجا ممّا أدى إلى إزدهار صاحب الدكان في رزقه وضحكه على النّاس بحجّة صورة السيد وبركاته . وهل إنّ السيد هذا كما زهرة اللوتس التي تزهر في الوحل والطين ؟
حقّا لقد هزلت وبان هزالها . أتذكّر كنت جنديّا حقيرا في القادسية و في منتصف اللّيل جاء ضابط أمن الوحدة وهو يعرفني جيّدا وقتها من أنّني شيوعي من خلال إضبارتي في قلم الأمن فأمرني في أمرٍ غريب وهو أن أحرس صورة الرئيس فقط ولماذا أحرسها وممّن يخاف عليها؟ من الريّح مثلا ونحن في صحراء الربّ في ثكنة عسكرية لاتدخلها غير الكلاب السائبة ؟ ليس لشيء وإنّما أراد استفزازي وإخافتي .
صدام حسين انتهى مفعوله وستنتهي مفعوليّة الحكومة الثيوقراطية الدينيّة في عراق التّخلف ولاتنفعها أقوى مقوّمات العقاقير العشائريّة والعرفية والدينيّة لأنّ الأكسباير سيفقد صلاحيته ويتوجّب رميه لأنّه لاينفع لأيّ ذكورةٍ قوّادةٍ في ماخور أو عمائميةٍ في صومعةٍ أوجامع . هذه المفعوليّة كتب عنها القاص حسين في ( أكسباير) لتندرج ضمن البوح الآيروتيكي للمجموعة :
هنا الحديث عن عقار المناطحة الجنسية ( الفياغرا) وهذا الدواء الفحولي دخل مع الإحتلال فكانت ثقافة العراقي تنحصر في عمره الجنسي ومتى ما شعر بالخمود ترك الأمور على غاربها دون أن يعرف أنّ هناك من المنشّطات تستطيع دفع الدم في عضوه حتّى ينتصب مثل السّيف. موضوعة تتعلّق أيضا بين الفناء والبقاء حيث يتّخذ القاص حكاية رجل يتناول قرص فياغرا لغرض تحريك ماتحت سرواله ، فبدلاً من أن يقضي اللّيل مضاجعة وانتشاءً مع زوجه راح يقضيه منتظرًا إنتعاضه ساعة بعد ساعة مع كلّ حبةٍ يتناولها ، لكنّها لاتنفع في تحريك الميت منذ زمنٍ وزمن ، فلايصلح العقار والدّواء ما أتعبهُ العمر.
مادام القاص حسين يعيش في زمن الإحتلال فلا يستطيع أن يخرج من هذه الدوّامة الكارهة للمحتلّ الأجنبي والمحلّي الذي غيّر طوبوغرافيّة الثّقافة العراقيّة السّومرية والمدنيّة العاشقة للخمر بدلاً من ماء الورد الرذاذي في أيام عاشوراء والزيارات المكوكية لطوابير النّاس التي يراها القاص حسين على مدار السّاعة في كلّ مناسبةٍ وأخرى فكتب لنا قصة ( أدغار) :
الفنتازية المخيالية للقاص حسين تجعل منه أن يرى (أدغار ألن بو) السكير والشاعر الأمريكي الشّهير شاخصاً يلعن الأمريكان في شوارع العراق شاتما غاضبا على إحتلالهم . حسين لا يُصدّق نفسه لكنّه في لحظة ما يسحب كتابا من درج دولابه كاد أن يسقط من يده فيتفاجأ حين يراه كتابا لأدغار ألن بو من إهداء الصّديق كريم غريب إلى حسين رشيد .
أدغار ألن بو .. كان يُطرد من الحانة يوميّا بركلة من النّادل ترميه خارج البار لعدم دفعه تكاليف مايعبّه في جوفه من خمر ، فهل يُطرَد أو يُلعن الأمريكي بركلة من شيخ الجامع في العراق لعدم دفعه تكاليف الإحتلال والدّمار . فلماذا نحن نتكفّل كلّ هذا الألم أمام إحتلالٍ ، طلبتْ منه زمرة معينة أن يحتلّ بلدنا فحصل هذا الدّمار الهائل . وأعتقدُ لدينا آلافا من أمثال أدغار سكّيرون يطالبون برحيل هذا الإحتلال .
أنا شخصيّا مشكلتي ليست فقط مع حكّام أمريكا بل مع الشّعب الآمريكي لأنّه هو المسؤول الأوّل والأخير على إنتخاب حكومات قاتلة على مرّ هذه العصور . الشّعب الأمريكي واعيا ومتعلّما حين ينتخب حكومات قاتلة وعنيفة أمّا شعبنا العراقي بسيط للغاية فينتخبُ حكّاما جهلة ورجعيّين لكنّهم ذوي خبرة في اللّصوصية والقتل . الشّعب الأمريكي مُتغطرس ومُصاب بمرض الغرور والهيمنة ، يفرح ويهزج للحروب كما في رواية الجميل علي بدر ( الركض وراء الذئاب ) والذي أوضح لنا مدى سعادة هذا الشّعب وزيادة متوسّط دخله في أوقات الحروب وقتل البشر . وأمّا الشّعب العراقي فجرتْ عليه أعظمُ حملة إستغباء من قبل لصوص السياسة بحجّة الرجاء ودعاء كميل وما شابه مثلما نقرأ في رائعة ( ربّي) :
كلّ مصائبنا من الإله الحقيقي أو الإفتراضي لأنّه عونٌ للسياسيّين وسفلة هذا الكون ناهبي قوتنا وثرواتنا، حيث بعد أن يُنتخب يقول هذا من فضل ربّي وليس من فضل ممّن إنتخبوه وأوصلوه في غفلة من الزّمن (لاتركنن إلى الزّمان فربّما خدَعت مخيلتهُ الفؤادَ الغافلا / فالدّهر كالدولاب يخفضُ عاليا من غير قصدٍ ويرفعُ سافلا… محمود سامي البارودي) .
بعد أن يصل البرلماني إلى مبتغاه في التّجارة والرّبح نراه يقضيها بين الجوامع والحسينيات ناسيًا ما يترتّب عليه (إذا أردنا أن نفهم الإسلام يجب أن نفهمه على أنّ النبيّ محمّد كان تاجرا، أبو بكر كان تاجرا ، عمر ثمّ عثمان تجّارٌ كبار ، ومن هذا المنطلق علينا أن نفهم بما يدور…..أدونيس) هذه هي الحياة في بلدان التّخلف والسّجون العبثية بلاطائل والتي يدخلها من كان معتزّا بشاعريته وكرامته وحياته المألوفة البعيدة عن مغرياتها كما في القريحة التالية للقاص حسين ( إليه) :
مجموعة بريئة من الشّعراء يدخلون السّجن البعثي يقول لهم المحقّق مستغرباً : لماذا لاتصلّون مثلما الآخرين ، فيقولون : نحن لانصلّي ، فيقول الجلواز فلماذا أنتم هنا إذن : فيُطلق صراحهم وفي قاعة الإنتظار للرّحيل ، أحد السّجناء ينسى فيقوم يصلّي فرضًا قربة إلى الله لأنّه أنقذهم من الموت ولكنّه سرعان ما يَلمح الجلواز ينظر إليه فيترك الصّلاة ، فهنا إشارة إلى عدم الخوف من الله بل الخوف من البشر والجلاّد أو أنّ الصّلاة هي صرخة الضّعيف كما قالها ماركس ، وهنا مع هذا السّجين رغم عدم إيمانه لكنّه شكرَ الربّ في لحظة ضعفٍ مُعتقدا من أنّ الربّ هو من أخرجه من السّجن ، شعوب خائفة على الدّوام فكيف نريد لها أن تنهض إذا كانت بهذا المستوى المتدنّي العجيب الغريب ،ثمّ يستمرّ حسين مع الحرب والقتل والدّمار في ثلاث قصص ( شنكالي ..مقطع ..رصاصة) :
حيث يقوم أحدهم بجمع الخوذ في الحرب الأولى ثمّ البساطيل في الثانية والثالثة جمع أشلاء أصدقاءه حتّى قال لأمّه بفنيّة وتقنيّة بارعة وإنزياحية مؤلمة من قبل القاص حسين : إنّ الوطن يسرقنا يا أمّي . أمّهُ التي تموت حرقةً وحزنًا حين ظنّت اأنّ الجنازة القادمة في الحرب العراقية الإيرانية لإبنها ، ما أقساك أيّها الوطن الثّقيل على قلوب أمّهاتنا!
ثمّ في قصّة (رصاصة) وكيف كان القنّاص يقضي عليهم واحدا تلو الآخر وهو يريد أن ينقذ أصدقاءه وفاءا وحبّا بهم وشجاعة لكنّه هو الآخر تنحشر في لحمه طلقة الربّ ،نعم طلقة الأديان التي تتقاتل على موروثية السلطة بين علي وعمر . فلا غبار أن يكون القتل بدمٍ باردٍ كما في فيلم (إطلاقة الربّ) للممثل الشّهير ( لي فان كليف ) في ستينات القرن المنصرم وكيف تُتّخذُ الكنيسة كذريعة في تطبيق العدالة فيتمّ القصاص قتلاً بقتل في دوامةٍ لا تنتهي من الدم والعنف والرّصاص.
ويستمرّ سرد المجموعة عن خراب الوطن في رائعة حسين أدناه ( جسد…خيط ) وهي من ضمن قصص ثلاثية الشّكل السّردي ، الجديد في القصّة القصيرة جدّا والذي يعد محاولة تجريب جريئة بهذا الجنس القصصي وأشكاله المثلثة :
جثة مقطوعة الرّأس لكنّها منتفخة فينقلوها إلى المشفى وكانت قد خُيّطتْ من البطن .. يفتحوها فيجدوا الرأس داخل البطن الذي تسبّب في إنتفاخها ، فأيّ حقدٍ وإنتقام لدى هذا المسلم الذي إرتكب هذه الجريمة . ويأتيك أحدهم ويقول هذا ليس مسلما بل مُتطرّفًا خارج عن الدّين ويزيد علينا ويقول بل كافرا لايعرف الله . بينما الكافر هو أرقى سُموا وأخلاقا كما في الفيلم البديع( الميل الأخضر) The Green Mile للروائي (ستيفن كينج) ومن إنتاج 1999 وإخراج (فرانك داريونت) حيث نرى أعظم محاورة في تأريخ السينما العالمية بين (توم هانكس) والسّجين الأسود والهائل في الضخامة (ميكائيل كلارك دنكان) الذي أراد الإنتحار بطريقة أخرى فيطلب من مأمور السّجن ( توم هانكس) أن ينهي حياته بإعدامه بالكرسي الكهربائي فيجيبه توم هانكس ( في يوم محاسبتي عندما أقف أمام الله ويسألني لماذا قتلت واحدا من عبادي الصالحين وقتها ماذا سأقول ؟ هذا عملي .. إنّه عملي … يجيبه( ميكائيل كلارك) ستقول عطفًا منك ففعلتها ، وأعرفُ أنّك قلقٌ ، لكنّني متعبٌ يا سيّدي ، متعب من كوني وحيدا مثل عصفور في المطر ، تعبت من وحشتي بلا رفيق ولا صديق ، في الغالب تعبت من البشر ، كونهم قبيحون مع بعضهم ، تعبت من كلّ الآلام التي أشعر بها ، إنّها كلّ يوم في هذا العالم ، إنّها مثل قطع الزّجاج في رأسي طوال الوقت ….هل تفهمني؟ ) .
هذه هي حياة الكفرة والملحدين في ساعات الضّيق ، لهي أرقى بكثير من مجرمي البعث والعمامة وزيف الأديان ، حيث يُعدم سجناؤنا في تلك الأيّام السّوداء بالجملة ويؤخذ ثمن الطلقة من جيب أهاليهم ( وهل تتوقّع من ذئبٍ أن يدفن فريسته؟) أمّا في حرب القادسية فالعراقي كان كما الأرنب يُقتل غير مأسوفٍ عليه كما في قصة ( أربعة):
قصّة رباعية في كلّ شيء وقصدية هائلة من قبل القاص العميق الخيال . سجينٌ يساق للإعدام لهروبه من الجيش وكان تسلسله الرابع في طابور النّحر حيث نالت الطّلقة الرّابعة من رأسه فترك زوجة وأربعة أطفال وآخرهم في الشّهر الرّابع، أنا شخصيّا شهدت إعدام أصدقائي الهاربين من الجيش وأجبرونا أن نشاهد إعدامهم لغرض تخويفنا من أنّنا سوف نلقى نفس المصير لو فكّرنا في الهروب ، وكان يوما قميئًا وجهمًا للغاية حيث أنّ أغلب الجنود تقيّأت ليلاً كاملاً من هول الموقف في إعدام أصدقائهم أمامهم دون أن يفعلوا شيئًا يُذكر في ردع هذا الإعدام .
تنتقل بنا الكاميرا السّردية للقاص حسين إلى القصص التي تُحدّثنا عن ظاهرة قميئة جاءت مع الإحتلال أيضا وهي التديّن والحمدلة والبسملة والحوقلة لدى العراقي بعد أن كان يهوى الخمر والثّقافة والطّرب في البيوت والمراح والتي أعطتْ العراق رونقه الخاصّ ، فيكتب القاص حسين بهذا الخصوص قصّة (إستثناء) التي يسبر فيها عن غور الطفولة ونزقها في كسر زجاج بيت الجيران أو العبث بحدائق البيوت ثمّ العبث في مرحلة من المراحل بعزّ العرب وذلك بفتح العين . ثمّ في كسر القبلة في الفنادق الفاخرة التي أصبحت مصلى لهذا الزّمن الرّديء، ثمّ ينزاح بنا القاصّ حيث الرّجل الحزين الباكي وهو في العقد الخامس صاعدًا في سيّارة أجرة ليكمل حزنه مع مذياع السيارة وباسم الكربلائي حتّى يصعد فتىً من الطراز البريكي الحنين ، متخنث لكنّه يلقب ( السيد) وهذه صفة تدلّ على الإنتماء للنبيّ وهؤلاء لهم كراماتهم الخاصّة من قبل المجتمع وهذا الفتى كان يستمع لفيروز من الموبايل خاصّته فقال له الرجل الخمسيني الباكي اللاطم ( واصل مولانا واصل… يقصد الأجرة). شعوب كلّها دجل في دجل وملق رخيص. بينما في تونس إستأجرتُ تاكسيا أنا وجميلتي وإذا بالسّائقِ شيخًا بعمر التّسعين وهو يستمع إلى أغاني محمد عبد الوهاب ثمّ بعدها عبد الحليم حافظ ممّا جعلني منشرحا فرحا مزهوًا، ثمّ عرفتُ بعدها أنّ كلّ سائقي العربات يستمعون إلى الطّرب الجميل ، بينما في السماوة وكلّ مناطق الجنوب العراقي ترى السائق يجلب لك كلّ أمراض الكآبة والقلق والخوف لأنّه لا يعرف سوى كاسيتات البكاء في الحسينيات والشيخ الفالي وسيد جاسم وهلم جرا من مزبلة الذائقة ، وحين تقول له أسمِعني أغنيّة من فضلك ، يقول لك هل تريد أن تقطع رزقنا ، وكأنّك كفرتَ بنعمة الله وما الرّزق الاّ من عند الله ، فمن أين أتيتم بهكذا ثقافة انحدرتْ بنا إلى الحضيض يا لصوص المال والذّوق وكلّ ما هو بعيد عن الحداثة والإنسانيّة؟ يستمر القاص في التّشكيك والسّؤال عمّا يتعلّق بالتزلّف الديّني في قصّته ( الربّ) ورائعة صيام :
عن الصائمين الذين كانوا يحمّلون أوزار صيامهم على صديقهم الذي معهم في الوظيفة ، فيطلبون منه أن ينوب عن عملهم وكأنّهم صائمون له ، وبين الفينة والآخرى يخيفونه بفناء الدّنيا وأنّه سيلقى النّار والجحيم ، حتّى قال لهم ذات يوم في إشارة مهمّة للغاية في طعن نواياهم وصدقهم، أنا سأصوم السّنة المقبلة لكن شريطة أن تصوما سوية وتفطران سوية إشارة إلى السّنة والشّيعة وفرقتهم في هذا الدّين مشتِت الإنسان والأبدان والعقول مثلما قال سبينوزا العظيم ( لقد دهشت مرارًا من رؤية أناس يفتخرون بإيمانهم بالدّين المسيحي، أي يؤمنون بالحبّ والسّعادة والسّلام والعفّة والإخلاص لجميع النّاس، ويتنازعون مع ذلك بخبث شديد ويظهرون أشدّ أنواع الحقد، بحيث يظهر إيمانهم في عدائهم لا في ممارسة الفضيلة).
حتّى بيت الدعارة عبارة عن وطن لا فرق فيه بين مسيحي وأعجمي وبين الضّيف والعاهرة والكلّ متحابّون ولا فرق سوى في دفع العضو اللايكل في فروجهنّ ودفع المال إعتمادا على القول الشّهير ( الجود من الموجود) ، بينما هؤلاء الأصدقاء في الوظيفة يحملهم الحقد على زميلهم لكونه غير مؤمنٍ بما يؤمنون . ولذلك قال إبن خلدون (من أنّ العرب لا يقبلون الحضارة وإنّهم أشدّ الشّعوب الرّافضة للتّعايش السّلمي مع الآخرين بل وحتّى مع أنفسهم ) وهذا مانراه في طبيعة هذا التّباين الفكري لدى هؤلاء الأصدقاء المتعصّبين لديانتهم .. شعوبٌ جاهلةٌ وأوادمٌ جهلةٌ كما يقول أبو العلاء المعري (ولما رأيتُ الجهل في النّاس فاشيًا/ تجاهلتُ حتّى قيل أنّي جاهلُ) . ولذلك القاص حسين لم يستطعْ السّكوت أمام هؤلاء القوم لخوفه على ذاته وعلى أمّته من أن يكون الجهل مرضًا مُعديًا لاشفاءَ منه . شعوبٌ أصابها داء العضال بالصّمم والسّكوت بحيث أنّها لا تعرف كيف تسأل؟ كيف تشكك ؟ وحتى عبدة الأوثان هم أكثر فهمًا ووعيًا بحيث قال أحدهم ساخرًا من صنمه ( أربٌّ يبولُ الثعلبان برأسه / لقد ذلّ من بالت عليه الثعالبُ ) .
ويستمرّ تسليط الضّوء القصصي إلى مشهدٍ آخر من رعب الأديان في قصّة ( عذاب ) :
(الجحيم هي تصوّر البشر نتيجة تفكيرهم بالموت وبما وراءه، ثمّ صار وسيلةً مضمونةً ومفيدةً للسّيطرة على البشر من خلال الأديان، ولذلك صار هو الموضوع الأثير للدّعاة والمُبشّرين والأنبياء والوعاظ ……. نقلا عن الروائي برهان شاوي) .
فكرة رائعة يسردها حسين على غرار فكرة صكوك الغفران لمارتن لوثر عن النّار والجنّة وعذابات الجحيم وأولئك الصّائمين المصلّين الذين يتحدّثون عن أنّهم لم يخالفوا الربّ ولذلك فجزائهم الجنّة خالدين فيها ، بينما صديقهم يستمع إليهم ويقول لهم من أنّ الربّ سوف يصدر عفوا عن كلّ الذين كفروا ولم يصوموا أو يذكروا الربّ ففي هذه الحالة سوف تفرح جميع الطوائف والأديان والملل وتبقى فئة قليلة من المعارضة ترفض هذا القرار وهم المصلّون والمؤمنون ولكن في النّتيجة سيضطرّ الربّ أن يفتح أبواب النّار والجحيم من جديد ويرمي بها المعارضون الذي عصوا أمر الربّ . ما أحلاك ياحسين رشيد في مرماك وأنت تذكي نار العقل في محاكمة الجهلة والأغبياء الذين ملئوا الدّنيا باللّصوصية والسرقة! ما أحلاك ياحسين وأنت ترمي سهامك التي تقول من أنّ الأيمان لم يعد إلاّ تصديقًا أعمى وأوهام تجعل من العقلاء بهائما متعصبين بلاسراج دون التمييز بين الخطأ والصواب.
بين لعبة الحياة والموت هناك دائما داينمو يشعل فينا حمّى الآيروتيك والجنس والإغواء ، ولذلك أنا أعطيتُ لنفسي فرصة في التنقل بين أزقة القاص حسين فتارة أرى الموت ومذياع الفاتحة في زقاقٍ ما وتارة يذهب بي الخيال إلى ماوراء الشبابيك المغلقة لزقاقٍ آخرٍ وبيوته وماذا يفعل الرّجال والنّساء في داخل بيوتهم من نكاحٍ وتأوّهات وآلام في الإيلاج ولجمِ صراخٍ ناجم عن لذّة عارمةٍ . رسائل عديدة في مجموعة روشيرو تحدّثنا عن هذا الموضوع البورنوي الممتع وعلى وجه الخصوص اليوم في عراق البورنو وأفلامه الإباحية التي دخلت بيوتنا إجبارًا فأصبح بمقدور العراقي أن يراها عن طريق الموبايل حتّى وهو في التواليت مثلما نقرأ في مشاهد ( دنيوية) وهي الأخرى محاولة تجريب بكتابة القصّة القصيرة جدّا بطريقة المتوالية القصصية:
قصّة تبحث عن غواية النّساء وماهي العواقب من جراء غوايتها إعتمادا على قول الشّهير أنطوان تشيخوف (إنّ عدد من تدمّرهم النّساء يفوق عدد من تقضي عليهم الأمراض، لئيمات محبّات للمال بلا رحمة ولا عقل. منذ بدء التّاريخ والرّجال لا ينقطعون عن البكاء بسببهنّ، ليس من العبث أن ترتبط النّساء بالشّيطان في كلّ الأساطير والقصص والأغاني ) .
قصّة ( دنيوية) تتحدّث عن العاهرة التي كانت تغنّي بأغنيّة البعث (على خط ّالنّار يبن أمّي …على خطّ النّار) ، فهي تقول (على خطّ الع…. يبن أمي على خط الع …..) ممّا حدا بأحدهم أن يطلبها للمضاجعة لكنّها تمانعت وبشدّة وفي يوم من الأيّام أبناء الزّقاق طلبوا منها أن ترفع أفخاذها كي يلهو معها جماعيّا لكنّها أعجبت بالشّخص نفسه وراحت تجعله صديقًا لإبنها الصّغير كي يدخل البيت على راحته ولذلك قال توفيق الحكيم (المرأة لا تستطيع أن تخلص لمبدأ لكنّها تستطيع أن تخلص لرجل) . هذه المرأة لها زوج ديوث يخافها كثيرا حتّى جاء أبوها ذات يوم وقال له كنت أعتقد انّك ستمنعها من عمل الخطيئة لكنّك تبدو جبانا ، فقال له: أنا زوجها ، لكنّك أبوها منذ أربعين عام . ديوث أسوأ من ديوث .. أقرع يعيبُ أقرع .. ويا مُعيبُ .. لا تـُعيب ..ضع عيبكَ في عجيزتك .
لا تكاد أمّة من الأمم تخلو من حكايات الجنس وما أكثرها لدينا في ألف ليلة وليلة ، ولذلك مرّة أخرى نرى حسين مع السّرد البورنوي (فلمسيسوس) :
الإله شفا فقد عضوه كلعنة وغاص في المياه حتّى كبر فقالوا للإلهة الكبيرة( ديفي) أن تستقبله في فرجها ففعلت وأنجبتْ (فلميسيوس) الذي أصابته اللّعنة وهنا كما حال الفراعنة والملكة (زيوس) وكيف مات زوجها وقطّع أوصالا وظلّتْ تبحث عن أشلائه التي وجدتها جميعا عدا عضوه فعملت تمثالا كبيرا للأير للعبادة وظلّ يُعبد لحقبة زمنية طويلة . اليوم هناك أمم تعبد الأير بإعتباره إله الإخصاب ولا زالت في اليابان والهند حيث تقدّم له النّذور والطّعام والمال كما يحصل في ممارسة تقاليدنا عند زيارة الأولياء والقديسين ، وهناك تمثال كبير له في الدنمارك في منتصف السّوق الكبير وجميع الجالية المسلمة يوميا تمرّ من خلاله فهو الطّريق الدّائم الذي لا يُمكن تجاوزه .
سطور أخيرة بحق القاص حسين :
حسين رشيد كاتب زرع وحصد وأعطى ثماره من قوّة السّرد وصاحب السّرد وإطلالة الكلمات من قاص له اسمه المعروف في الصّحافة، من يقرأ حسين رشيد في روشيرو سيجد من أنّه ليس حيّا بقدر ما يرحل بل هو حيّ بقدر ما لايرحل أيّ بقدر ما يولد ، والإبداع لديه مثلما الموت والميلاد اللّذين يشكّلان قناعيْنِ لوجهٍ واحد هو وجه الإنسان المتحرّر والثوري الذي يقف بتحدّ وشموخ أمام قدره المغترِب أو الوجودي . حسين وجدته متمرّدا على الخطأ باحثًا لنهره الدّفين عن مكانٍ مناسب لينبع فيه فيكتشف نفسه. حسين رشيد كان مبدعا يمرّ بحرب عصابات داخليّة في النّفس على الأعراف والمصالح الذاتيّة وعلى الأفكار الإنسانية المبتذلة من أجل الذّكاء المبدع .
حسين رشيد حين يكتب يعطي المدلولات الحقيقية عن شخصيات قصصه ، ومن الواقع الفعلي خصوصا حينما تعامل مع عاهرة الحي وكيف طلبوا منها أن تريهم أفخاذها . يقال ان الشاعر الروسي آفانسييف في سؤاله عن آنا كارنينا لصديقه ليف تولستوي وفي وقتها لم ينهي القصة بل كان في دور النهاية لها فأجابه تولستوي العظيم (آنا كارنينا بالنسبة لي مضجرة، داعرة وتثير نفوري لقد تعبت منها) . هذا هو السرد الممتع الذي يصف الواقعية الحقيقية في التعامل بين السارد وشخوصه الروائية أو القصصية والتي رأيناها لدى القاص حسين رشيد الذي أبدع في هذا المجال وكان موفقا الى حد كبير .
في الأخيرأعلن نهاية دراستي لمجموعةٍ استمتعت بها وما علينا سوى أن نعتني بجدائل روشيرو بشكلهاالجميل وننضد العناقيد العنبية السردية ثم نرش عليها رذاذ الماء كي تظهر بمظهرها البراق الذي يليق بعيون ومدارك القاريء الذي يؤشر ويقول انّ هذا الإبداع يعود الى القاص حسين رشيد الذي سجل إسمه بوضوح في عالم القص القصير.

*شاعر وناقد (عراق/ دنمارك)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق