ثقافة السرد

عذبة- رواية- المأساة الفلسطينية- الجزء 27-

صبحي فحماوي

لم نكن يا عذبة نشاهد وجوه النساء، فرجال الدين ينتشرون في كل مكان، وهم لا يتورعون عن ضرب النساء اللواتي يكشفن عن وجوههن، أو عن أطراف شعرهن، يضربوهن بالعصي!:
“غطيِّ يا حرمة!” “غطي هداك الله !” ” غطيِّ يرحمك الله !” يأمروهن بذلك بينما العصي شغالة!
وفي الرابعة من بعد منتصف الليل، كان الشيخ أبو مهاجر يطرق باب بيتنا، وهو يأمرنا بصوته الأجش: ” قوموا صلّوا هداكم الله! قوموا صلوا يرحمكم الله “! كان يسحبنا من فراشنا كما تسحب الشعرة من العجين،آه والله ، من العجين، لنصلي صلاة الفجر إجباريا! وعقب انتهاء الصلاة، يقف إمام المسجد ؛ الشيخ حسن الفقهاني، فيناوله المساعد – الشيخ أبو مهاجر- ورقة، فيها قائمة بأسماء رجال الحي، فينادي أسماءهم واحداً واحداً، وبهدوء تام:
“حبيليص بن محمود!”. فينتفض حبيليص في جلسته بين رفاقه على حصير المسجد، وتستدير رؤوس المعتقلين، الجالسين بانتظار رحمة ربهم، باتجاه حبيليص، ليتأكدوا أنه هو نفسه، ولا أحد غيره، ولكي يقتلوا الوقت بالمراقبة والفضول، وكلٌّ منهم ينتظر فَرَجَه، ثم ينطق حبيليص قائلاً:
(سم طال عمرك)! أي سمعا وطاعا، ثم يقوم جرياً باتجاه باب المسجد، فيلبس خُفَّيه الملقين عند باب المسجد، وكلّها شباشب جلدية، وليست أحذية، بسبب الحرِّ الصحراوي، وعدم احتمال لبس الأحذية. ويستمر النداء على الباقين، إلى أن يخرج الجميع. وإذا كان أحد المسجلين بالقائمة قد غاب عن الصلاة السابقة، يسأله الشيخ أبو مهاجر:
“أيش فيك يا مناور بن خويلد، ماجيت الصلاة يوم أمس؟ عسى ما فيك شر”؟ فيقول مناور:
“والله كنت مسخّن ياطويل العمر”! فيعود الشيخ بسؤآله:
” سلامتك! ليش ما أعلمتنا، حتى نزورك ونطمئن عليك “؟ فيكاد مناور أن يختنق من هذه الرقابة المشددة، ولكنه يقول:
“ما أحببت أن أكلِّف عليك يا طويل العمر”!
وإذا كان أحد المسجلين بالقائمة غائباً، فيسأل الشيخُ عنه قائلاً:
” وأين مرس بن محمد”؟ فيجيب المساعد أبو مهاجر:
” تراه غائب يا طويل العمر”! ويسال الشيبة:
” ويش فيه غايب؟ عسى ما في شر “؟ فيختلق له أبو مهاجر عذراً:
” مسافر يا طويل العمر”! والحقيقة التي لا أريد أن أفصح عنها، هي أن مرس بن محمد، كان قد أبلغ المساعد أبو مهاجر أنه سيسافر في تلك الليلة، ولكنه لم يسافر، بل كان يقضي ليلة أنس مع ولد وجهه صبوح، وعيناه حوراوان. ولن يكون قادراً على الصلاة في المسجد في صباح اليوم التالي.
ويتابع الشيخ حسن قراءة أسماء حضور المسجد، من ورقته الطويلة المهترئة، منادياً الأسماء بالدور:
“متعب بن معيوف”! ولا أحد يرد! فيكرر الشيخ حسن:
” متعب بن معيوف”! فيقول أبو مهاجر:” غايب يا طويل العمر”! فيسأل:
” ليش غايب؟ عسى ما في شر “؟ فيقول أبو مهاجر:
” مضى عليه يومين دون صلاة في المسجد، يا طويل العمر “! فيقول العجوز:”اسألوا عنه، وأحضروه في المرة الثانية!”
” سم طال عمرك.” يقول الشيخ أبو مهاجر. وعندما جُلِبَ متعب بن معيوف يا حبيبتي في اليوم التالي إلى ساحة المسجد مخفوراً، كانت تحيط به ثلة من حرس رجال الدين وهم ينظرون إليه على أنه آثم! صلى الجميع صلاة الفجر، ثم تحلقوا حوله، ووقف الشيخ أبو مهاجر أمامه صامتاً، ثم قام الرفاق بالمهمة، فتم توبيخه وإنذاره بأنه إذا تكرر غيابه عن صلاة المسجد، فسوف يُجلد في ساحة المسجد، خمس عشرة جلدة، وبعدها يزيد العدد، فيعترف ابن معيوف بذنبه، ويلتزم بالصلوات الخمس داخل المسجد. قلت بداخل نفسي:
” إذا كان الله تعالى في كتابه العزيز يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله..) ويقصد بها ظهر الجمعة، معنى ذلك أن الأمر بالصلاة في المسجد، هو فقط ظهر الجمعة، وأما باقي الصلوات، فمن الممكن أداؤها، كل بمفرده، داخل بيته، وهو حُرّ، إذا أراد صلاتها كلها في المسجد! فلماذا يسحبون الناس من بيوتهم بعد منتصف الليل، للصلاة الإجبارية داخل المسجد؟ سمعت مثلا مصريا يقول:
(كثر السلام يقل المعرفة!) والشيء الذي يزيد عن حدِّه، ينقلب إلى ضدِّه” فهل هم..؟
كان عماد المنذر يمارس رقابة ذاتية على نفسه داخل الحافلة، كي لا يسمعه أحد من الركاب المحيطين به، ولم يكن يشاهد السهول المزروعة بالخضار والقطن ومزارع النخيل وأشجار الفاكهة الحديثة، ولا الجبال الخضراء التي ترتفع إلى مستوى السماء، ولا المستعمرات المزروعة هنا وهناك على جوانب الطرق، وفوق التلال، ولم يلاحظ أن الهواء والسماء والأرض والجبال والغابات لم تتغير بعد. لم يشاهد هذا كله، ذلك لأنه مستمر في حديثه مع عذبة، (من القلب للقلب رسول!) تابع حديثه الذي يبدو أنه لن يتوقف، إلا في نهاية الطريق:
” كنت بشوق عظيم لمشاهدة وجه امرأة، أيّ امرأة! كانت النساء تتحرك في المدينة على شكل أكوام صغيرة متحركة من البقج السوداء، لا أرى منها شيئاً، غير الملابس السوداء! كالبقج التي كانوا يوزعونها علينا في المعسكرات، ولكن هذه البقج السوداء، تتحرك وتمشي في الطرقات! كانت أُم كلثوم تغني:( ما أقولش مناي كان حبك، دا أكثر من اللي بتمناه!) وأنا لم يكن مناي الحديث مع امرأة، ولم يكن ذلك ما أتمناه، فأنا لا أعشق سواك يا عذبة، ولا أرضى غيرك بديلة، فأنت عندي الماء البارد في حر الصحراء العطشى، ولكنني في هذه المدينة المتصحِّرة، رجل محتاج من ناحية إنسانية إلى مشاهدة وجه امرأة، كي أشعر أنني ابن آدم! إنسان طبيعي، ولست وحشاً كاسراً تخافه كل نساء المدينة! ولكنهم أخفوا عني كل وجوه النساء، خوفاً من أن أفترسهن، أو أن أنهش لحومهن! كنت أتحرك في مدينة أنصار 330، فأراها موحشة مقفرة. وأشعر أنني داخل سجن عظيم مترامي الأطراف.
بعد عشرين سنة من ذلك التاريخ، شاهدت حديقة حيوانات (أورلاندو – فلوريدا)، تسير فيها أقفاص من السيارات، أو الحافلات، أو القطارات الأرضية، والقطارات المعلقة.. كان الناس محجوزين داخل القطارات، بينما الوحوش متحركة بحريَّة داخل الحديقة! وهكذا كنت أنا في العاصمة، أنصار330، أتحرك كالوحوش بحرَّية مطلقة داخل المدينة، أنا وباقي الرجال، بينما النساء معلّبات داخل عباءات سود! كنت أحتاج لمشاهدة وجه امرأة، فقط لأشعر بإنسانيتي!
وأثناء صعودي الدرج الضيق إلى غرفتي اليتيمة على سطح المنزل، فوجئت بمشاهدة شيء مذهل! لم أصدق عينيّ ما تشاهدانه، ورفض دماغي تسجيل الصورة التي أشاهدها، ذلك لأن الأمر لا يُصدّق! لم أصرح لأحد بما شاهدت، ولا حتى لنفسي، إلا وأنا في هذه الحافلة، في الطريق إليك يا عذبة، ذلك لأن عقلي احتاج إلى سنوات لينظم وضع الصورة التي شاهدت، ويحشرها في الجحر المناسب من ذاكرتي. كانت جارتنا تجلس على سطح بيتها الطيني الملاصق لبيتنا وهي تلبس ملابسها السوداء، وتسند ظهرها على حائط بيت الدرج، ولكنني لم أستوعب أنها كانت تفرج فخذيها العاريتين تماماً، بلا سروال داخلي، هكذا، كما خلقتني يا ربي، وتعرضهما مواجهين لي مباشرة، وأنا البعيد عن قعدتها ما لا يزيد عن أربعة أمتار! كانت فخذاها الممتلئتين شباباً ونعومة ونضارة يانعة، وإثارةً مدهشة، مبططتين متباعدتين، إلى أقصى درجة يمكن فتحهما تحت أشعة الشمس. وكانت المرأة تبحلق بي هكذا، ويداها تسندان وجنتيها! قلت في نفسي:
” قد تكون المرأة جالسة تتشمس ، وتتجفف أو تتهوّى.” لا أفهم ما إذا كنت أتصرّف بمنتهى البراءة، أم بمنتهى السذاجة والغباء، أم الخوف، أم الذكاء، أم إنه صبر الشجعان! كي لا أقع في المحظور، أم إنه( ما هكذا تؤتى الإبل) يا جارتنا! ولكن الذي فهمته أنني لم أبد أيّ انفعال، لا سلباً، ولا إيجاباً، وكأنني لم أر شيئاً! دخلت غرفتي، وكنت دكتاتوراً مع مخيلتي إذ أمرتها بأمر الرقيب الشخصي، الذي يركب دائماً على كتفيّ، مدلدلاً رجليه ذات اليمين وذات الشمال، ويقول لي:
“ما كل ما يعرف يقال، ومقتل الرجل بين فكّيه، ولا تجعل لأفكارك لساناً، ولسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك..” وكلام فارغ كثير من هذا النوع، يكبح جماح لساني الثرثار ويلجم اندفاعاتي المتهورة، ويمغنط خطواتي المنسابة إلى التهلكة، فيحذف هذه العبارة من مخيلتي، ويمحو تلك الجملة من خلايا دماغي، ويزيل وجهة النظر تلك، ويُشفِّر تلك الصورة الفاضحة، ويُكتِّم على ذلك الخبر.
لفتني يا عذبة أحد زملائي في البيت، واسمه مجاهد أبو فروة، كان ضخم الجثة، وشعر صدره أشيب، ونظره ضعيف، وهو في الأربعينات من العمر.. كان يجلس أمام طاولة خشبية ضخمة، ثابتة وسط فناء البيت السماوي، يحلق ذقنه بشفرة ذات الحدين القديمة، من نوع (ناسيت)، ويضع أمامه على الطاولة أنبوب معجون حلاقة(بالموليف)، وورقتي غلاف الشفرة، الأحمر والشفاف، وصحن ماء يبلل به فرشاته، ثم يدهن ذقنه بالرغوة البيضاء، ويتابع الحلاقة. هذه الطاولة التي كثيراً ما نتجمع نحن الزملاء حولها للغداء، أو للعشاء، أو للسهر، فيؤدي أحدنا بعض الواجبات المنزلية عليها، مثل تقشير البطاطا أو البصل، أو تحضير الواجبات المدرسية، أو ليحلق أحدنا ذقنه، مثل ما كان يفعل مجاهد أبو فروة، الذي جلست إلى جواره أتابعه وهو يحلق، وأسترق النظر إلى شعر صدره الأشيب، فسألته:
” من أي بلد أنت “؟ فقال:
“من قرية أنصار 36″. فعدت أستفسر:
” أعزب أم متزوج “؟ فأجاب وعيناه في المرآة:
“كنت متزوجاً، ولكني طلقتها”!
كان الأستاذ مجاهد جاداً في حديثه، فلا يبتسم، ولا ينظر إليّ وهو يواصل الحلاقة، ويبدو وكأنه غير متأثر بما حصل له! ولكنني تأثرت بمصيبته، فسألته:
“لماذا طلقتها”؟ فأجاب دون اكتراث:
” كانت طوال اليوم تطالبني بالحمرة والبودرة، وأدوات التجميل والتبييض، وكانت رائحة فمها كريهة بشكل مقزز، ولذلك كانت تشتري عطوراً كثيرة لتنفي تلك الرائحة، وكانت تلك النفقات أكثر من قدرتي المالية”!
لم تكشف لي تقاطيع وجهه الجادّة، أنه يمازحني . يبدو أنه يمازحني بطريقته الخاصة، ويخلق أفلاماً من العدم – في هذا الفراغ القاتل – يكون فيها هو المؤلف والممثل والمخرج والمنتج، مثل ال…!
والساكن الثاني كان اسمه عاطف الساحلي، وهو رجل كريم وذكي، ويهتم بانسانية من معه، ولكنه كان كثير المزاح، وكان يستغل كون مجاهد أبو فروة ضعيف النظر، فذات مرّة، شاهد قطة سوداء، تقف على سور البيت، فنادى مجاهد وقال له:
“مجاهد! مجاهد! تعال شوف! امَرأة لابسة ملاية سوداء، تطلُّ علينا من فوق سور الجيران!”
سَخّر أبو فروة نظره الضعيف، وفعلاً شاهد غمامةً سوداء، كأنها رأس امرأة، ولكنه لم يرحب بها، فالخوف من الله، ومن الجَلْد في ساحة المسجد، أو من التسفير على الأقل، يجعل الرجل حريصاً على الابتعاد عن الشبهات، حتى ولو عرضت عليه امرأة الاقتراب منها، فيكون ردُّ فعله سلبيا، ولهذه الأسباب، أو لأشياء في نفسه، تجرأ أبو فروة وتقدم إلى الأمام، ثم شتمها قائلا:
“امشي! صحيح أنك مَرَة قليلة حياء”! فردّت عليه القطة السوداء بمواءٍ حزين، وعادت من حيث أتت، فشعر أبو فروة بحرج شديد! وراح عاطف يتلوى بجسده، وهو يضحك ضحكاً شديداً. ولكنني ضحكت على استحياء، لأنه لا شماتة…
ومع قدوم الصيف، ومع حلاوة بلح النخيل، صارت غرفتي مليئة بالذباب الذي يلتجىء إلى غرفتي نهاراً كطرود النحل، باحثاً عن مكان ظليل في عز لهيب الحر، ثم ينام في المساء على السقف المجلل بسعف النخيل، ويدعمه جسران خشبيان قويان.. وأما الذباب، فكان يغطي سقف الغرفة، بطبقة سوداء، لدرجة أنه لم تكن تظهر من سعف النخيل أية وريقة. تلك هي “الإناث السوداء” التي كانت تزورني في مدينة أنصار 330 . ذلك الغطاء الذبابي الأسود، كان يرتبط بمخيلتي بالملايات السوداء، التي تغطي أجساد نساء المدينة. كنت أقوم لأنتقم من الملايات السوداء، فأحضر مضخة الذباب، وأملأها بمبيد “فليت” الشبيه بسائل النفط. لم يكن هناك (بخّاخ) بف باف أو غيره، وإن كان موجوداً، فلم تكن ميزانتي تسمح باستخدام التقنية الجديدة. كنت أغلق باب غرفتي، ثم أرش المبيد السائل بالمضخة، فينزل رذاذ المبيد على رأسي وعينيّ وأنفي، وأشعر أن غازه يتشعب داخل قصباتي الهوائية، فتتخدر رئتاي بالغاز المميت للذباب ولبني آدم معا، فلا أعود قادراً على الاستمرار بالوقوف، فأدوخ وأسقط على سريري، كأول شهيد من شهداء رش الذباب، ثم يتساقط الذباب بعدي. وكإسعاف سريع لروحي، أخرج من غرفتي الذبابية، وأغلقها على محتوياتها من زواري من الذباب، وأتجه إلى الساحة الأرضية، لأقوم بأعمال المطبخ، حسب ما يمليه عليّ دوري في الخدمة البيتية ذلك المساء.
نتعشى، فلا نجد حديثا نتحدث به مع الزملاء، سوى عن أخبار المعارك الدامية، التي يعيشها الفلسطينيون أينما كانوا، فلقمة خبزهم مغمَّسةٌ دائماً بالدم والدموع !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق