ثقافة السرد

منــذ قيـــام الوجــــد

لمياء الآلوسي *

لم تعد تتذكر كيف التقوا جميعا في ذلك البيت القديم بغرفه الكثيرة، وأبوابه الموزعة على معظم جدرانه، فتداخلت ، وانفتحت الواحدة على الأخرى، لتطل جميعها على باحة واسعة، سقفت ذات يوم لتصبح صالة تتسع لتلك الولائم التي يدعى إليها كل سكان الحي، الأغنياء والفقراء، الرجال والنساء. وبقي على مر السنين يعج بالحياة، أجيال مرت، وأخرى رحلت، زيجات أثمرت شباباً من كلا الجنسين، ولازالت تلك الغرف المتداخلة تحمل اسم أول قاطنيها من الأجداد، رغم أنهم قضوا منذ أعوام طويلة.

خطوات سيدات قادمات من سهرتهن، بملابسهن الفضفاضة، وثرثراتهن لازالت معلقة مع الغبار، قهقهاتهن الصاخبة، ومؤامرتهن المشروعة حول مشاريع الزواج، والتي تحمل فشلها وتبقى تحت سقف واحد، ولكنها محاولة  لترقيع نسيج العائلة الذي بدأ يتهرأ معلنا بداية تلاشي الأجيال، كالضجيج المحفور في كل مكان.

اختارت أن تعيش في تلك الغرفة الصغيرة، المنعزلة، تاركة لهم البيت الذي يتسلق رابية  تنحدر باتجاه الشاطئ ،   تجلله  تلك الحكايات الغامضة، عن أشباح تتحرك في هدئة الليل وسكونه، ومع انقطاع التيار الكهربائي ، وتلك الإنارة البدائية التي شكلت في الظلمة مترعا خصباً للعودة الى عالم الأجداد ، حتى أنها باتت ترى الأشباح كثيرا في كل الزوايا المظلمة ومنذ حلول المساء، حالة من الانبهار والرهبة، تداخلت مع صوت عذب وترانيم شجية،  كانت جزءاً من ارث هذا البيت.

في ساعات الصباح الأولى تخرج عبر الطريق الجبلي الوعر، الذي يطل على النهر، تكتم أنفاسها رائحة الدخان الأبيض المتصاعد  من كور الفحامين المنتشرة على امتداد الضفة الأخرى للنهر، سحب الدخان الأبيض المتصاعد الى  السماء ، متمسكا  بالنهر، فيثور الأبيضان يلتصقان، لا تعرف هل أن النهر يسحب الدخان الى ملكوته، أم أنهما يتساميان معا، فيتناجيان،  تخفق أسراب  الغربان، متهافتة على بقايا الطعام المتناثرة هنا وهناك لوقع خطواتها المتعجلة، عشرات الطيور تحلق منتشية تخترق سحب الدخان  في ذلك الجو الشتوي اللذيذ، تضطرب روحها، وبنات آوى تركض باتجاه الوادي يرعبها ضوء الفجر الشاحب.

راعها أن تسح أيامها، تتلاشى، كما تلك الأشجار المورقة التي تحولت  في تلك الكورات الى جمرات سرعان ما يخبو لهيبها، لقد ضيعوا هويتها وانتهى كل شيء.

أهنفت بمرارة، مالذي سيتغير لو أنها في مكان آخر ؟ …  لاشيء

كثيرا ما شعرت أنها تغالب الموت، تستجمع كل أيامها خوفا أن تفلت منها لحظة لا تشعر معها بالحياة المتنامية حولها، فتغمرها فتوة لا حد لها ، لكن جل ما تخشاه أن يمضي الوقت،  عندها ستكون عجوزاً، وقد تكون تحت التراب وتبقى روحها معلقة على جدران هذا البيت.

لذلك حاولت كثيراً أن تحزم أمتعتها، وتترك كل شيء.

كانت تقرر:  سأرحل عن هذا المكان.

وتمر كل الأوقات، وهي جالسة على سريرها المرتب، مع باقات الورد التي فكرت أن تهديها الى من يكون في انتظارها، بقايا الطعام  البارد، ملابسها المتنائرة على الأريكة الصغيرة.

اضطرها ترملها المبكر، للعودة الى هذا البيت الكبير،  حيث يقطن ما تبقى من أقاربها،  كن مجموعة من النسوة لا يجمعهن  إلا صلة قربى بعيدة ، وانتكاسات لا حد لها، كانت لوحدها تدرك  ضرورة أن  يبدأن من جديد، بلا خوف، بلا تردد، لعلهن  يقتحمن  الحياة من جديد.

تؤمن بذلك بصمت، تفكر، لاشيء خارج نطاق تفكيرها ، تفكر فقط .

أما هو فأنه الرجل الوحيد بينهن. ويبدو انه كان يثير إعجابها هي فقط، بكل مافيها من توق الى أن تغرم  حد الوجد، وبكل ما فيه من غموض وعبق الأجداد،  لم تعد تشعر بالوحدة، أصبح يسكن كل خلجات روحها، منذ ذلك اليوم الذي حطت فيه بينهم، ولساعات طويلة كان يغلق عليه غرفته، لا يخرج منها إلا للحظات قليلة،  يذرعها  طولا وعرضا، وفي معظم الليالي كان ينبعث منها لغطٌ متقطعٌ، يتعالى كثيرا، عرفت به صوته الشجي الذي يصافح صمت الليالي فكأن الكون كله يشدو معه.

تمنت أن تتبين ملامح وجهه ، لكنه ظلّ متأرجحاً  من وراء زجاج النافذة الوحيدة المطلة على الباحة الخارجية، قريبا من  الغرفة المهملة الوحيدة التي اختارتها بأثاثها القديم، حيث يتربع شرخ طويل يمتد على طول الجدار بين غرفتها والباحة، فكانت تراه في معظم الليالي، يخطو بسرعة في كل الاتجاهات لكن وجهه بقي مغيبا عنها، عرفت أنه ليس منصفا بحقها أن يكون بعيداً عنها بهذا الشكل.

غالبا ماكانت تتحسس الجدار الذي يقصيها  عن دفء يديه، عبقه هو .

في كثير من الليالي، أرادت، لو أنها قادرة على اتخاذ قرارها، إذا……

عندما دخلت الباحة  في ذلك المساء المقمر، كانت أنفاسه تتصاعد بلا خشية،  فتسمعه يترنم بمدائحه العجيبة، بصفائه يتواصل مع دفق النقاء في ذلك الليل البهيم.

صوته يرتقي بقامته ليناجي السماء، وضوء القمر الخافت يتأرجح في الباحة كلها، يجعل ظل ذراعيه وهو يحمل دفاً عريضا يملأ المكان، ويقرفص أطفال يأخذهم الوجد خلفه، يرددون لازمة يكررونها  بأصوات ناعمة، كان يقودهم إلى عالمه.

دخلت المرأة  بقامتها الجميلة، وضفيرتها الطويلة التي تتأرجح مع مشيتها على ردفيها المستديرين،  رغم التعب البادي في عينيها والسأم وهي تنظر بلامبالاة إلى ما يقوم به، دلفت إلى إحدى الغرف، وهي تحمل وعاء يبعث رائحة ارتعش لأجلها الأطفال،  فانسلوا بهدوء خلفها،  كانوا جائعين أو أن رائحة الأكل  أثارت شهيتهم فصرفتهم عن الترنم بالعذوبة التي يريدها هو.

التفت إليها ويداه لازالتا مرفوعتان بالدف، ولكنه توقف عن الترنم هو الآخر، ثم اتكأ بدفه على الأرض الترابية

انتبهت الى قامة المرأة التي أضفى عليها ضوء القمر مساحات بسعة الأرض التي تطأها بقوة ، اقتربت منه غير مبالية بوجود تلك الفتاة الطارئة التي حطت من أقاصي المدن البعيدة، تفح، وهي تكبح صوتها

لا تقربهم بعد الآن، دعهم لنا ..

نقل نظره بين المرأتين فخفق قلبها، أحنت قامتها خجلة مشفقة عليه من كلمات المرأة القاسية.

سيطرت عليها نظراته، تعريها، تدافعت في  ثنايا جسدها الفتي، تحرق مفرق نهديها، ونحرها ، لقد أحست انه يشتهيها، لكنها هزت رأسها بعنف،وهي تدلف الى غرفتها مسرعة، وكأنها تروم دفع تلك الأفكار بعيدا،

كانت أصوات بنات آوى تتنادم في سكون ذلك الليل، وطرق خفيف أفزعها، بالكاد سمعته، لفحتها نسمات غاية في العذوبة، وهي ترى قامته البهية، يحجب ضوء القمر الخافت، يخفي وجهه تحت ياقة معطفه الأسود.

أكتنفها سحر عجيب، اختزل بدخوله عشرات الأفكار التي جعلتها تطفو فوق عواطفها، توقف في وسط الغرفة،  ضوء القمر الفضي أضفى على قامته المهيبة  صفاءً شفافاً .

أنها المرة الأولى التي يدخل بها غرفتها، ويخترق جدار الصمت.

منذ تلك البروق، أصبحت تتسلل في هدئة الليل إلى غرفته  مرتعشة ، متزينة، يفوح منها عطر أنثى بكر، رغم ترملها، بكل ما فيها من لهفة، تأخذها الرعشة، إذ يستيقظ خوفها، عندما يصدمها برد الأرض العارية، ورغباتهما المشرعة،

في استقبالها كان، وأصبح هكذا دائما ، يمد لها يديه يوقفها أمامه، ذائبا في صوت أغنية يعشق سماعها، عندما تدخل إليه كثيرا ما كان يطيل النظر في عينيها المشبعتين بالشوق، غرفته  واسعة بنافذتها المشرعة على الشارع الخلفي، تختفي جدرانها تحت ركام من الكتب المبعثرة، المتربة، يستقبلها بفيض من ابتساماته، يفك ضفائرها،

يسترها طيب  يضوع من شذا أنفاسه بين خلاياها،  تنفلت من بين يديه امرأة لأتعرف النشوة إلا في ثنايا وجدها، في طيات العشق المتداخل فيها

تهمس مداعبة : لن تلمسني أبدا ..

يضحك : لن….

تركض مبتعدة بين أكداس الكتب تختفي ملتصقة بالجدار.

تهمس له: لن تقربني هذه الليلة.

تجلجل ضحكته، ثم يطاوعها:

– لن ..  يافرسي التي ستسافر بي إلى عمق صحرائها المسحورة

– وكل ليلة ….. لن تقربني أأأأأيضا.

– لن…

تعشوشب الدنيا، وهو يسمعها تغازله:

– اليوم فاض علي وفي حبك، حتى أصبحت  في حالة من الذهول أو الحلول  فيك، وأنت البعيد القريب وكأن روحي استحضرت روحك وتعشقت فيَهاَ.

-أيتها البدوية الصارخة الأنوثة من أي الخبايا جئتني، وحللت في حياتي.

بعد أن أرهقهما الوجد، وتنادمهما العشق،  تدافعت فيهما الرغبات، فصمت كل شيء إلا رغبتهما في أن يذوبا ويتلاشيا في بعضهما، لا يُخضع أحدهما الآخر.

يتنفسان، بلغة، كان الحب وحده يمنحهما إياها.

وهي في أحضانه وبين يديه، أحست بالخوف وهو يهمس لعينيها

أنا لست ضجراً تماماً، لكني متعباً، مللت من هذا البقاء المزمن في العزلة، أنا لا ابحث عن الآخرين بأي ثمن، لكن الإنسان لا يمكن أن يبقى إلى الأبد بلا حب، ولا حياة معقولة من حوله.

ثم وبهدوء سحب ذراعيه، وأبعدها عنه.

انفلتت مبتعدة عنه وقد أحزنها همسه، لاحظ ترقرق عينيها بالدموع.

كانت تلك الطفلة المرتجفة الباحثة عن الدفء في كل لحظات حياتها، تلفتت حولها،

رشقة مطر لن تورق صحرائها،

لكنها تعرف انها امرأة ترافقها البروق أينما حلت

****

لكن وكمن صلى لكي تفتح له نافذة مهما كانت ضيقة، وقبل حلول الفجر هزها ضجيج غامض، يعج به المنزل   وحركات غريبة تواصلت أكثر من قدرتها على التغاضي ، فوقفت بحذر خلف باب غرفتها، كانت أصوات متداخلة، وطرقا خفيفا، تفتح الأبواب ثم تغلق، أصوات ناعمة برقة الملائكة، وأخرى زاجرة، تفاصيلها لا تكاد تمسك بها، ثم سرعان ما تسمع دوي مكتوم، بعدها توقف كل شيء وساد الصمت كما كان، ليعود الضجيج من جديد.. بعد لحظات بارحها النوم، أجفلت لأنين الباب وهي تفتحه بوجل، لتتفحص المكان، كانوا فتياناً و شباباً صغار السن يدخلون الى باحة الدار العريضة فتتبعهم ، بشموخ ، بسلطة لا تنازع ،  تلك المرأة الجميلة .

بكل نشوتها وزهوها، قادتها من يدها، لتدفعها أمامها برفق مع الأجساد الفتية، ثم تغلق الباب الخشبي العالي، كانت الباحة مليئة بصفائح يبدو أن نساء البيت فقط  يعرفن كيف رصفت، ومتى، ومن المسوؤل عن إدخالها، كانت تحوي على سائل بألوان قوس وقزح،  وكل أولئك العمال بملابسهم التي فقدت ليونتها، وأصبحت قاسية على أجسادهم اللدنة.

تبقى تلك الحركة والأصوات طوال النهار، تقودهم تلك القامة الممشوقة التي حولت المنزل المهجور الى خلية للحياة،وقد تحول ذلك السائل بكل ألوانه ، الى قنانٍ صغيرة، تحملها  نساء البيت قبل حلول المساء الى السوق القريب لتسويقها. وبمرور الوقت، تحولت النسوة المتعافيات مع أطفالهن، وسرب العمال الذين لا يعصون لهن أمرا،

مبعث خشية تمنعها من متابعة قراءتها، ومواصلة حياتها الخاصة، كانت تتمنى لو أنها تعيش حلما ستفيق منه سريعا، وغالبا ماكانت تقلب صفحات الكتاب ولا تفقه مما تقرأه شيئا .

– مالذي جاء بي إلى هذه المدينة، أي أقدار ساقتني لولوجها؟

في داخلها اغتراب جعل أيامها تترى وكأنها رداء سرعان ماستتخلص منه، شعور يبقى على سطح جسدها، على نهايات أيامها،لا يقترب منها كثيرا لكنه يشعرها بالألم، وأن المكان ليس لها. كنّ مصدر قلق جديد في حياتها، ترنو إليهن، تحاول تدبر عنادها، والاعتراف بأنهن روضن الوقت لصالحهن

تجلس وحيدة في غرفتها في انتظار شيء ما، دائما لديها القدرة على انتظار ما قد يحدث، تستغرقها الأيام والساعات وهي ساهمة في مكانها ترتشف قدحها المترع دائما ، لم تعد تبالي بطقوس من حولها، لها طقوسها الخاصة والتي تجعلها حبيسة داخل روح شفافة، لا يدركها الآخرون.

* كاتبة من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق