ثقافة المقال

” فيكتور ” .. ثمة حب لن يغيب أبداً !

الشاعر عمر فارس أبو شاويش

التقينا على شاطئ بحر غزة.. سائلني بنبرات بالكاد تعي أن وطناً كبيراً بحجم حب فلسطين يرتقي على باب قلبه الأبيض.. هو لم يأتي من أزمنة أخرى ليموت ها هنا عبثاً .. لكنه جاء مستعاراً من أزمنة الإنسانية التي اختفت ملامحها لتجدها مرسومة من جديد على وجهه البريء، المتصل بإحساسنا الوطني والإنساني . أعلم أنك قد جندت كل إمكانيات الحب عندك للبحث في هذه الأرض والعثور على ترابها لتقبلها .. في بعثرة من المسافات .. تصارع الأمواج لتنفذ عبر البحر نحو تلك المساحات الرحبة حتى تبين لك.. بعد أن أرسلتك إنسانيتك وأيقظتك بالقرب من شاطئ غزة .. لتدرك أنها بغير حرية لا تعرف العيش.. وأن الحصار حتى لو أورثك الحزن علينا .. خير من أمة جاهلة لا تنتج حتى صمتاً يعبر عن رفضه لبكاء غزة.. سقطت دمعتيك يا فيكتور حتى أثقلت نفسي .. وأدركت حينها أن دموعاً صادقة من عينيك أجمل بكثير من عويل أمة .. وثمة تداعيات فلسطينية، وطنية وإنسانية لهذهِ المعاني .. يمكن رصدها في الشعر وفي الرواية وفي البحث عن مصادر أوفر لإغناء الحياة إن كانت في المهجر البعيد في روما أو في مدن الألم والكرامة كغزة .. هكذا نتذكر حضورك فننجح في جمع ” أمواتنا ” .. لندفنهم في مقبرة الحياة من جديد ..

ها أنت محاصر بالغياب يا فيكتور بين المفقود والمفروض .. حائر تلتفت كالتائه بين بوابة الأسر وآمال الحرية .. مرة نحو بيت لاهيا وثانية في خانيونس وأخرى شرقي المغازي لترصد أي الحدثين أجمل .. لربما تتهيأ كاميرتك للحصول على صورة تعكس رغبتنا بالحياة .. وربما تحصل على صورة تعكس رغبتنا في الموت .. تفوقت على حيرتك ووعيك وأيقنت أن شعباً يموت لحريته ويحيا لكي يبحث في موته عن وطن .. ثمة جدلية بعثرت أفكارك لتتكئ على كتفيّ وتتساءل:

–      ” يا عمر .. كيف تموتون ثم تعودون للحياة من جديد ” ؟! ..

–   إن كل واحد منا يأتي إلى هذا المكان ” شرقي المغازي ” .. وهو يعلم أنه ربما قد يعود محمولاً على الأكتاف مسجياً .. ذاهباً إلى الحياة !

–      ولكن كيف؟! .. كيف وهم يحاصرونكم بالأسلاك والجيبات والبنادق وأبراج المراقبة !

–   أما رأيت يا فيكتور كيف أن شاباً أصيب بالمرة السابقة في هذا المكان ! ، إنه يعود اليوم مجدداً أكثر وطنيةً ونضالاً .. يقترب من الأسلاك الشائكة على الحدود .. يتحدى الجنود ويواصل ثورته ليعبر عن كرامته .. ” هذا هو المعني الحقيقي للصمود، للأرض، لأصل بحثنا عن وطن نستعد أن نموت لأجله مرة واثنتين وثلاثة ” .

–      لا أعلم من المجنون بيننا .. أهو أنت ، أم أنا ؟!

–   ” ربما كلينا ” .. فنحن نتواجد هنا على ذات الأرض وفي ذات الوطن ولربما نموت هنا وندفن هنا – ومن يدري – .

انطلق إذن في هذهِ المساحة تحت الشمس .. ادع لها وبشّر بحريتها .. فالباب مشرعاً الآن .. هل كنت تتسلل إلى بساتين الناس يا فيكتور لتمنحهم الورد .. كذلك الوطن .. لا يستطيع أحد التسلل إليه إلا من خارجه ولا يستطيع أحد التسلل إلى التاريخ أيضاً إلا من خارجه .. ونحن عندما نثور أو نتسلل أو ننتفض فذلك فقط تعبير عنيف عن ضيقنا وتبرمنا وإفصاح علني عن رغبتنا الإنسانية العميقة بالتحرر من شروط وجودنا اللا إنسانية وحاجتنا الملحة للخروج من معادلة هذا المحتل المختل، جغرافياً وتاريخياً، إلى معادلة وطنية للوجود تمنح حياتنا وتوفر لها حضوراً حقيقياً على بعض الجغرافيا وفي جزء من التاريخ .

وأنتَ اليوم عندما تستبدل خوفك إلى صمود .. تتسلل معنا إلى حوار الصمت والألم وتمضي في ذات الطريق، آملاً بغير الموت والدماء .

اليوم تبكي غزة والياسمين .. تقبض أرواحنا مسافات التضامن فتصبح الذكريات مجرد صورة تحيط بأوجاعنا .. تختبئ بنا لتبحث عن سبب حقيقي لقتلك .. لتدمير أحلامك .. لنسف إنسانيتك .. لتحطيم صمودك .. لتلوين ذات الصورة بذات الذكريات بألوان ترسم السكاكين في قلوبنا كل يوم .

غيابك يا فيكتور يشكل فسحة أخرى لمواصلة الطريق .. يعلمنا أن الحرية لو ابتعدت عنا الملايين من المسافات يمكن أن تقترب .. وأن الظلم حتى لو كان في غزة ! ، يمكن أن نبحر مساحات طويلة من الشوك لكي ننتصر ..

وأمام صدمتي وحزني وألمي ثم وبكائي .. لا أعلم لمَ اختطفوك لكي يعذبوك أصلاً ويقتلوك..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق