قراءات ودراسات

حجر كنعاني في البحر الميت: محمود درويش بين الواقع والرؤيا

د. نبيل طنوس

“الرؤيا هي نظرة مستقبلية إلى الواقع ألذي نرغب في تحقيقه، هي ضرورية لكل من يرغب في الخروج من وضعه الراهن. ولا يوجد واقع لم تسبقه رؤيا.”

باب للدخول:
يحتل الشاعر في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي مكانة مميزة، فقد أُعتُبر الناطق بلسان قبيلته ومن يتوقع، وربما يبصر مستقبلها، وقيمة محمود درويش الادبية تشبه الى حد كبير دور الشعراء هذا في شعرنا المعاصر ، فهو، في اعتقادي، مُعبِّرٌ عن هوية شعبه (شعبنا) التي “ما زالت قيد التأليف” مُتوقعٌ لمستقبله، لإنجازاته ولخسائره.
في هذه القصيدة يأخذنا درويش إلى فلسطين، وتحديدا إلى مدينة أريحا والبحر الميت. وقد أراد الشاعر أن يحيي ذكرى هذه المدينة عائدا إلى زمن الكنعانيين، واصفا التطورات التي حصلت بفضلهم. والكنعانيون هم الأصل ويتنبأ الشاعر أن “البحر ينزل تحت سطح البحر كي تطفو عظامي شجرا” بمعنى أن العظام ستُبعث حية من جديد، فالأشجار ترمز إلى هذا البعث، مما يذكرنا برؤيا أشعياء النبي القائل: “أترى تحيا هذه العظام”.

أسلوب الدراسة:
التحليل السيميائي للنصوص الأدبية :
يقوم هذا الأسلوب بدراسة جميع جوانب القصيدة محاولا أن يدخل أعماقها لمعرفة مدلولاتها المحتملة، مع محاولة لربط القصيدة بالواقع، من أجل الاستفادة وتعلم العبر.
أود قبل البدء في التطرق إلى جوانب التحليل السيميائي أن أُشير إلى أن التحليل السيميائي يتأثر بدرجة كبيرة بشخصية من يقوم بالتحليل وبالظروف المحيطة به، ولذلك فإن التحليل السيميائي لنص معين قد يختلف من شخص لآخر، ومن منطقة لأخرى، ومن فترة زمنية لأخرى؛ وهو بذلك مجال خصب للإبداع، فلا قيود عليه إلا أنه يجب أن تكون دلائل في التحليل المقترح على صحة ما ذهب إليه من قام بعملية التحليل. وأشير أيضا إلى أن التحليل السيميائي يركز على جانبين: (1) الرمزية والدلالات. (2) ربط النص بالواقع. (وليس بالضرورة أن يقتضي ذلك التطبيق الدقيق على أشخاص بعينهم أو أماكن بعينها أو قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية بعينها).
السيميائية لغويا من السِّيمَاءُ وفي معاجم اللغة: هي العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛ فهي عبارة عن إشارات للتخاطب بين جهتين أو أكثر وهي ليست أمرا يحدث مصادفة فيها.
واصطلاحًا، السيميائية في حقيقتها هي “محاولة كشف لعلاقات دلالية غير مرئية في النص الأدبي، إنها تدريب للعين على التقاط المفهوم الضمني والمتواري أي الما- وراء الضمني، لا مجرد الاكتفاء بتسمية الأشياء والتعبير عن محتويات المتن (بنكراد ، 2003).

المرئي وغير المرئي:
“حجر كنعاني في البحر الميت” هو عنوان القصيدة وهو العتبة الأهم لها، ماذا يعني هذا؟ ماذا يميزه؟ إلى ماذا يرمز؟
أهم ما يميز الحجر في هذه القصيدة أنه كنعاني أي فلسطيني. وجاءت التسمية والاسم كنعان من السامية القديمة “كنع” والذي يعني بالعبرية منخفض وبالتالي فالكنعانيون سكان الأراضي المنخفضة، وذلك بعكس الآراميين الذين تعود تسميتهم إلى “رام”(الجذر “روم- רום” وصيغة جذر ثانوية قليلة الانتشار وموجودة في المصادر “رام-ראם”) بمعنى مرتفع. والاسم العربي يتماشى لغويا مع معاني العبرية، فالكلمات العربية “خنع وقنع وكنع” تفيد معاني الانخفاض والهبوط. وقد أجمع بعض المُؤرّخين على أنّ الكنعانيّين عاشوا في أجزاء واسعة من بلاد الشام هي سوريا، والأردن، ولبنان، وفلسطين؛ ولم تكن تلك البلدان مُقسَّمة في ذلك الحين، إلا أنّ فلسطين هي التي سُمِّيت بأرض كنعان، وبقيت معروفةً بهذا الاسم حتّى عام 1200ق.م حين غزتها القبائل الكريتيّة.
والبحر الميت هو أحد أسماء البحيرة المالحة والمغلقة والتي تقع في أخدود وادي الأردن ضمن الشق السوري الأفريقي، على خط الحدود الفاصلة بين الأردن وفلسطين التاريخية. يشتهر البحر الميت بأنه البقعة الأكثرُ انخفاضا على سطح الكرة الأرضية، وكان الإغريق أول من أطلق عليه اسم “البحر الميت” لعدم وجود حياة فيه ولا يوجد أي مخرج للمياه من البحيرة، وكأن البحيرة سجن للمياه والتبخر هو الطريقة الوحيدة للخروج.
ولو أردنا تفسير العنوان باختصار يكون كما يلي: الحجر الكنعاني هو الفلسطيني الصامد إذ أن الحجر يرمز إلى الصمود والخلود، والبحر الميت هو السجن، وهكذا يكون المعنى: الشعب الفلسطيني الصامد والخالد موجود في سجن أي الاحتلال.
وللخروج من هذا السجن/ المأزق يكتب الشاعر قصيدة يعتبرها حجرا وهذا الحجر، كما ورد في العنوان، هو كنعاني يتحول هنا إلى طائر يطير إلى أبيه، والطيران يُخرجه من مأزقه/سجنه إذ لا يوجد بابٌ ليُفتَح أو ليُغلق، والطائر لا حدود توقفه عن طيرانه فالسماء هي الحدود.
تشبيه القصيدة بالحجر الذي يطير هو مثال على التشبيه البليغ وهو ما اقتصر فيه على ذكر الْمُشَبَّهِ والْمُشَبَّهِ بِهِ فقط، دون ذكر الأداة أو وجه الشبه. وجه الجمال في التشبيه البليغ أنه يوحي للسامع أن المشبه والمشبه به هما الشيء ذاته.
قصيدتي تشبه الحجر وما يميز هذا الحجر أنه حيٌّ فهو يطير إلى أبيه حجلا.
للحجر عند درويش دلالات عديدة (حمزه، 2012) فهو يرمز إلى القسوة التي كانت قدر الفلسطيني من جهة، كما يرمز إلى أداته البدائية في فعل المقاومة. والحجر مكوّن بدئي أحال إليه الشاعر بدلالة الحنين أحيانا ودلالة الرجم أحيانا أخرى. وقد جعل درويش دلالة جديدة للحجر بعد ان تناص في مقولته “ليت الفتى حجر/ ليتني حجر” إذ قلب دلالة النص الأصلي، التي تشير إلى رغبة الإنسان في الخلود والثبات مقابل كل ما يتغير أمام العربي في الصحراء إلى دلالة التحرر والحث على الفعل وإعادة تشكيل الذات. وهنا في القصيدة يرمز الحجر إلى الصمود والابدية وهو حجر كنعاني يتحول إلى طائر الحجل ليصل إلى أبيه ويخبره بحالة الانغلاق الموجود فيها، طبعا يخبره عن طريق قصيدته.
والطير في القصيدة هو الحجل، فلماذا اختاره الشاعر بالذات؟
أعتقد أنه بسبب انتشار الحجل بكثرة في فلسطين (يسمى أيضا “الشنار” ويتواجد أيضا في أماكن أُخرى من العالم مثل تركيا وعامة الشرق الأوسط وجنوب شرق أوروبا وآسيا). وما يميزه أن لونه الرمادي والبني يساعده على التمويه عند وقوع الخطر وعند رصده لأعدائه ويستطيع الابتعاد عن مصادر الخطر ويطير فقط عندما يشعر به، وهي صفات يحتاجها الفلسطيني في ظروفه الحالية وهو قابع تحت الاحتلال.
أنا الشاعر موجود في سجن محكم الإغلاق : “لا بابَ يَفْتَحُهُ أمامي البَحرُ”… و “لا بابَ يُغْلقُهُ عَلَيَّ الْبحْرُ”. البحر الذي يرمز إلى الاتساع والسفر والإبحار إلى كل مكان في العالم، يتحول عند درويش في هذه القصيدة إلى الانغلاق، الحجر بقساوته يؤكد حالة الانغلاق هذه، ويُحَوِّل الشاعر الحجر إلى طائر كي يعبر الحدود إلى أبيه. (في قصائد أخرى تَحدُث عملية تحول الحجر عن طريق غسله بالماء. أُنظر مقالنا “معمودية الحجر في شعر محمود درويش، الإتحاد 2014).

هناك في البحر الميت التفاصيل تسكن المكان: تاريخ، حضارة، جغرافيا، حروب والكثير الكثير، فتجد على سبيل المثال:
“رُعاة الْملح في الأَغْوَارِ”:
هم الرعاة من بدو التعامرة المتجولين الذين وجدوا مخطوطات البحر الميت في مغر قمران والتي اكْتُشف المزيد منها بين عامي 1947م و1956م في 11 كهفًا في وادي قمران قرب خربة قمران شمال البحر الميت. وقد أثارت المخطوطات اهتمام الباحثين والمختصين بدراسة نص العهد القديم لأنها تعود لما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول منه، وتسمى أيضًا “لفائف قمران”. والتعبير “رعاة الملح في الأغوار” ربما يرمز إلى من وجد المخطوطات التي تدل على وجود حضارة قديمة في المكان. هذا السر جلب المحتل ليبني روايته التاريخية اعتمادا عليه، ويضيف الشاعر أيضًا أنه جاء ليسكن مكاني:
“يَنْقُرُ طائرٌ‏ لُغتي، ويَبْني عُشَّ زُرْقَتِهِ المُبَعْثَرَ في خِيامي”:
الطائر الذي ينقر هو أبو النقر، نقّار الخشب وهو ينقر الخشب لبناء عشه ويضرب ضربات إيقاعية قويَّةٍ بمنقاره الذي يعمل كإزميل. والطائر في القصيدة ينقر في لغة الشاعر ليبني فيها عشه، واللغة هي أساس كل شعب وهي التي تربط الثقافات بعضها ببعض، وهي التي تخلد الشعوب، وعند اختفاء اللغة يختفي الشعب. ولقد أدرك الكثيرون أهمية اللغة لذلك قاموا بالكثير من أجل حماية لغتهم في حالات الاحتلال، فيقوم المحتل بمحاربة لغة المكان كي يسيطر على أصحابها كوسيلة لإذابة شخصية أبن البلد الأصلاني، وأيقن المحتل أنه ليسيطر على البلاد والمجتمعات لا بد من السيطرة على اللغة، بترويج لغة أخرى. يقول الفيلسوف الألماني هيدجر “لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقري، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، ومن نوافذها ومن خلال عيونها أنظر إلى بقية أرجاء الكون الواسع” ويقول ابن خلدون في المقدمة : ” إن اللغة أحد وجهي الفكر، فإذا لم تكن لنا لغة تامة صحيحة، فليس يكون لنا فكر تام صحيح” ومن هذا المنطلق فهذا الطائر الذي جاء من بعيد ينقر بيته في مسكني أي في بلدي ويريد أن يسكن مكاني وهذا الشيء يؤلمني ويزعجني لأنه ينقر فيَّ.
من هو هذا الطائر؟
ما يشير إلى هوية الطائر هو التعبير “زُرْقَتِهِ المُبَعْثَرَ” اللون الأزرق هو لون العلم الإسرائيلي(الأزرق والأبيض) وهنا يرمز إلى الشعب اليهودي وما يؤكد ذلك هي كلمة “المُبَعْثَرَ”.
“ويَبْني عُشَّ زُرْقَتِهِ المُبَعْثَرَ في خِيامي”: الطائر يبني بيتا لشعبه (اليهودي) المبعثر في العالم! وأين يبني هذا البيت؟ يبنيه في خِيامي. أي يبني بيته في بلدي. وكلمة خيامي تعني فلسطين لأن الشعب الفلسطيني هو شعب الخيام.
كثيرة هي الأفكار التي تقسم العالم إلى متحضر وبربري، ففي حجر كنعاني في البحر الميت يقول: “يا غريبُ/ عَلِّقْ سِلاحَكَ فوقَ نَخلَتِنَا، لأزْرَعَ حِنْطَتِي‏/ في حَقْل كَنْعانَ المُقْدِّس .. خُذْ نبيذاً من جرَاري‏/ خُذْ صفحةً من سِفْر آلهَتي .. وقْسطاً من طَعَامِي‏”، فماذا يعني درويش في هذه الاقوال؟ يقول للغريب: علق سلاحك عندنا، فوق نخلتنا ودعني أزرع حنطتي، يؤكد أن المكان لشعبه باستعمال ضمائر متصلة تدل على المُلْكِية ولكنه في نفس الوقت يتعامل معه بإنسانية إذ يقول: “خذ نبيذا من جراري، خذ صفحة من كتابي المقدس وجزءًا من طعامي. فهو يغمر هذا الغريب بكرمه وفجأة يبرز هدفه: خذ كل هذا “لتكونَ منّا إن أرَدْتَ، وجارَ حِنْطتِنَا”، ولكن يشترط عليه أن لا يتصرف كمحتل إذ يقول” وأتْرُك أَريحَا تحْت نَخلتها، ولا تَسْرقْ منامِي/ وَحليبَ امرأتي، وقُوتَ النَّمْل في جُرْحِ الرُّخامِ”، ​وتحت نخلتها تعني أنها تجلس مطمئنة لتنام وتستريح وَلاَ يَكُونُ مَنْ يُرْعِبُ المدينة، الجلوس تحت الظل هو تعبير رمزي يُستخدم للإشارة إلى السلام الخاص والسعادة في المكان وسكانه، وهذا تناص مع ” يَجْلِسُونَ كُلُّ وَاحِدٍ تَحْتَ كَرْمَتِهِ وَتَحْتَ تِينَتِهِ” (سفر ميخا في الغهد القديم 4:4). الأفعال: وأتْرُك، لا تَسْرقْ تؤكد رفضه لأن يتصرف كمحتل” وأن لا يكون مثل الذي “جاء ليقيم بيننا وأخذ يتحكم فينا” أي الغريب يتدخل بشؤون صاحب البيت، فصاحب الحق التاريخي هو الشعب الفلسطيني الذي احتلت إسرائيل بلاده وتحاول إيجاد الأثريات ليبدو المكان بيته، كونوا بيننا ولكن دعوا اريحا تعيش ولا تسرقوا منامي وحليب امرأتي وقوت النمل، أي دعونا نعيش. تعبيران مهمان جدا وهما: الابجدية وتعني الإرث البشري من الثقافة، والحنطة وهي إشارة إلى الحاجة للبقاء. هذان التعبيران يؤكدان أهمية الروح والجسد، أما نجوم الابجدية فهم الكنعانيون. ويصل الشاعر إلى العتاب شديد اللهجة للمحتل:
أأتيْتَ… ثُمَّ قَتَلْتَ… ثُمَّ وَرِثْتَ:
تناص مع “هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضًا؟” (في سفر الملوك الأول 21، 19) فَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى إِيلِيَّا التِّشْبِيِّ قَائِلاً: «قُمِ انْزِلْ لِلِقَاءِ أَحْآبَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي فِي السَّامِرَةِ. هُوَذَا هُوَ فِي كَرْمِ نَابُوتَ الَّذِي نَزَلَ إِلَيْهِ لِيَرِثَهُ. وَكَلِّمْهُ قَائِلاً: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضًا؟ ثُمَّ كَلِّمهُ قَائِلاً: هكَذاَ قَالَ الرَّبُّ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ الْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ الْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا». وتدور أحداث القصة حول نزاع بادر إليه الملك آحاب ملك السامرة لرغبته بامتلاك كرم من “نابوت” من “يزراعيل” (مرج ابن عامر) يقع بجانب قصره، فرفض نابوت طلب الملك أحاب معللا ذلك بأنه لن يتنازل عن ميراث ابائه، فعاد الملك مكتئبا إلى بيته، وعندما رأته زوجته إيزابيل بهذه الحالة وعدته بحل المشكلة، واتّهمته أمام شيوخ المدينة بأنه جَدَّف الرب وحُكم عليه بالرجم حتى الموت وعندها قام آحاب وورِث الكرم وجاء النبي إيليا ولعن الملك آحاب باسم الرب لأنه “قتل وورث القتيل”. ويتساءل الشاعر:
“أأتيْتَ… ثُمَّ قَتَلْتَ… ثُمَّ وَرِثْتَ، كَي‏
يَزْدادَ هذا البحْرُ مِلْحاً?”
‏ مما يعني يزداد سوءًا وخطرًا فإنّ كثرة الملح قد تزيد من ضغط الدم وزيادة احتمالية الإصابة بسكتة أو نوبة قلبية عند بعض الأشخاص. (تنصح منظمة الصحة العالمية بأن يستهلك البالغون أقل من 2000 ملغم من الصوديوم والذي يعادل 5 جرام من الملح يوميًّا) ونتيجة لذلك يزداد وضع الشاعر سؤا:
وأنا أنا أخضرُّ عاماً بعد عامٍ:
الاخضرار هو حالة فقر دم شائعة بين الفتيات والشباب، نتيجة نقص الحديد في الدم، تؤدي إلى شحوب الجلد و ظهوره باللون الأخضر المصفر، وضعف عام في الجسم، وخفقان في القلب. وحسب السياق هنا ما يسبب الاخضرار هو “أن البحر يزداد ملحا بسبب التعدي “أأتيْتَ… ثُمَّ قَتَلْتَ… ثُمَّ وَرِثْتَ”.
رؤيا الشاعر في القصيدة:
وردت رؤيا الشاعر بعد إعلانه “والأَنْبَياءُ جَميعُهُمْ أَهْلي” إذ يعترف أن جميع الأنبياء هم أهله، وأن ثقافته هي استمرار للكتب المقدسة والطقوس المقدسة التي سبقت كتابه وطقوسه، لهذا قال للغريب: “خذ صفحة من سِفر آلهتي”. وفي قصيدة بعنوان “سنختار سوفوكليس” من نفس المجموعة يؤكد الشاعر على حقه في هذه الطقوس:
“وإن كان هذا الخريفُ الخريفَ النهائيّ، فلنختصرْ/ مدائحنا للأواني القديمة، حيث حفرنا عليها مزاميرنا/ فقد حفر الآخرون على ما حفرنا مزاميرَ أخرى/ ولم تنكسر بعد… /.. كأن أناشيدنا في الخريف أناشيدهم في الخريف/ كأن البلادَ تُلقننا ما نقول…/ ولكن عيد الشعير لنا، وأريحا لنا…”
من الجدير ذكره أن الجذر “رأى” ورد في القصيدة ثماني عشرة مرة ومنها الفعل “رأيت” عشر مرات. مما يفيد أن الحدث هو رؤيا الشاعر.
الفكرة المركزية في رؤيا الشاعر تبرز بشكل كبير في “والبحر ينزل تحت سطح البحر كي تطفو عظامي شجرا”:
بعد النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني، يتنبأ الشاعر بأنه سوف ينزل البحر (الميت) تحت سطح البحر (الأبيض المتوسط) وتطفو العظام شجرا، أي سوف تنكشف جليا كل الحقائق حول القضية الفلسطينية ويُبعث الشعب الفلسطيني من جديد، فالشجر يرمز إلى الحياة. الشعب الفلسطيني هو أصل العظام وبالتالي بعد نكبة اللجوء والموت تحيا العظام من جديد لتطفوا على السطح. فأرض فلسطين هي للفلسطينيين مهما كانت أرقام الموت. إنها رؤيا الشاعر والتي نرجو أن تتحقق. وهذا الانبعاث يجعله يرى الأمور بشكل متحرك ومفعم بالحيوية فيرى أن “بابه ظِلُّهُ قَمَرٌ. ويتحقق من أن أُمه كَنْعانيَّةٌ. والبَحْرُ جِسْرٌ ثابِتٌ لِعُبورِ أَيَّامِ القيامَةِ. ويستنكر بشدة كل العذاب والألم الذي حدث له ويسأل أباه “يا أبي، كَمْ مَرَّةً سَأَموتُ فوْقَ فِراش امْرَأَةِ الأَساطيرِ الَّتي تَختَارُهَا “آناثُ” لي، فَتَشُبُّ نارٌ في الْغَمامِ كَمْ مَرَّةً سَأَموتُ في نَعْناعِ أَحْواضي القَديمَةِ كُلَّمَا فَرَكَتْهُ رِيحُ شَمالِكَ الْعالي رَسائِلَ من يمامِ؟” يجعل الشاعر من هذه الإلهة الكنعانية آناثُ الشخصية الأسطورية التي تستدعيها أحداث القصيدة، هو يستدعيها كي لا تطيل الغياب ويأتي “أحْفادِ لُوطَ” وسَيِّدٌ يَتْلُو شَرائِعَهَ عليهم، ولا يَرى لِسَدومَ مَغْفِرَةً سِوَايْ، هذا غِيابي سَيِّدٌ يَتْلو شَرائِعَهُ ويَسْخَرُ من رُؤايْ” أمامنا مقولة درويشية فلسطينية تحمل معنى سيميائيا، يعبر من خلاله الشاعر عن محاولات “أحفاد لوط” الإسرائيليين لخلق رواية خاصة بهم ، من أجل امتلاك الأرض والتاريخ والحضارة وكيان جديد مختلق وإلغاء الحضور القديم الفلسطيني، الحضور العميق للحضارة الكنعانية التي تمثل بداية تاريخ هذه الأرض، وهويتها الحضارية الدالة على الوجود القديم للشعب الفلسطيني على أرضه، والذي سوف يُبعث حيا من جديد. أمامنا قضية معاصرة مركبة ألا وهي قضية الوجود والصراع على هوية الأرض وتاريخها، فيستدعي الشاعر هذه الشخصية، الإلهة الكنعانية آناثُ، لمعناها الدلالي باعتبارها الأسطورة الأولى التي تولَّدت عنها أساطير الموت والانبعاث، في الحضارات البشرية التي تلتها.
وجدير بالذكر هنا ما طرحه صبحي حديدي (2015) في مقالته “مؤنث محمود درويش” حول قصيدة «أطوار أنات» حيث يقول: “تستمر استراتيجية التوزيع التبادلي لعلاقات الـ «أنا» والآخر، ولكنها تبدأ من ضمير المتكلم بصيغة الجمع («الشعر سُلّمنا»…)؛ وتنتقل، بقوّة وحرارة وعنفوان، إلى ضمير المتكلم المفرد («وقصيدتي زبد اللهاث وصرخة الحيوان/ عند صعوده العالي/ وعند هبوطه العاري»)؛ لتستكمل حلقات التبادل مع ضمير المخاطب المؤنث واسم العلم:
أنات
أنا أريدكما معاً، حبّاً وحرباً، يا أناتُ
فإلى جهنم بي… أحبّك يا أناتُ
وأنات تقتل نفسها
في نفسها
ولنفسها
وتعيد تكوين المسافة كي تمرّ الكائناتُ
أمام صورتها البعيدة فوق أرض الرافدين وفوق سوريا، وتأتمر الجهاتُ”
ان ما يقوله حديدي هو، في رأيي، التمازج بين شخص الشاعر ال – “أنا” وبين ال-“آنات” وكأن الشاعر رسول هذه الالهة الكنعانية وأكثر من ذلك، هو = هي، هو ذاته الإلهة الكنعانية.
أما “سِيْرَةَ زَوْجَةٍ خَانَتْ”، أنهن “زوجة نوح” و “زوجة لوط” أللذان ذُكرا في القصيدة. يُقال أن خيانة زوجة نوح لزوجها كانت بأنها قالت للناس عنه أنه مجنون، وخيانة زوجة لوط لزوجها أنها كانت تدلّ الرجال على ضيوفه، وليس المقصود بالخيانة الزوجية الجسدية. السياق الذي وردت فيه هذه الخيانة أن قادة وجيوش كثر مروا من هنا: كسرى وفرعون وقيصر والنجاشي وآخرون كانوا يكتبون أسماءهم وقصصهم فلكل منهم شاعر ومؤرخ ف-“هُنَاك لِكُلِّ جَيْشٍ شاعِرٌ ومُؤَرِّخٌ، ورَبابَةٌ لِلرَّاقصاتِ السَّاخِراتِ مِنَ الْبِدايَةِ والخِتامِ…” ورَأَيْتُ هاويَةً، رَأَيْتُ الْحَرْبَ بَعْدَ الْحَرْبِ، وكانت نتيجتها أن: قَبيلَةٌ دالَتْ أي اختفت ، وتِلْكَ قَبيلَةٌ خضعت وقَالَتْ لِهولاكو الْمُعاصِر: نَحْنُ لَكْ. أما بالنسبة للشاعر فرؤياه مختلفة حول شعبه، رؤياه حول الانبعاث من جديد، التحرر والعودة والحياة وكل هذه في مُتنَاوَل الأَيْدي وسيمشي فوق البحر منتصبا ومنتصرا مثل المسيح : “والْبَحْرُ، هذا الْبَحْرُ، في مُتنَاوَل الأَيْدي. سَأَمْشي فَوْقَهُ…” ويرى الشاعر كل الإيجابيات التي ستحدث مع التحرر: ” وأَسُكُّ فِضَّتَهُ، وأَطْحَنُ مِلْحَهُ بِيَدَيَّ” يفعل هذا من يعش حرا طليقا بدون حاكم محتل، والأرض “لاسمه وله”. حتى لو انكسر مرة فهو متفائل: فيرى أمامه ذهبًا على أشجاره، والأشجار رمز للحياة والذهب رمز للازدهار الاقتصادي، يرى أمه في ربيعها تطرز شالا مما يدل على حياتها الهادئة والمريحة، والفراشة حية لا تحترق، والباب الذي لم يكن موجودا في البحر في بداية القصيدة يجده في رؤياه “رَأَيْتُ باباً للِدُّخولْ ورأيتُ باباً للخرُوج، رأيتُ باباً للخُروجِ وللدُّخولْ” ومن هذا الباب ستكون لنا الحرية. نحن يقول الشاعر: “وأَقُولُ: لَسنا أْمَّةً أَمَةً أي لسنا أمة عبيد، وأَبْعَثُ لاِبْنِ خَلْدونَ احْتِرامِي، وأَنَا أَنَا (صامد وباق ) وَلَوِ اُنْكَسَرْتُ على الْهَواءِ المَعْدِنِيِّ (والذي يرمز إلى الطائرات ألتي تنقض على شعبه وتلقي عليه المتفجرات).. وأَسْلَمَتْنِي حَرْبُ الصَّليبِيِّ الجَديدَ إلى إلهِ الانْتِقامِ وإلى المَغوليِّ المُرابِطِ خَلْفَ أقنِعَةِ الإمامِ وإلى نِساءِ المِلْحَ في أُسْطورَةٍ نَخَرَتْ عِظامِي.. وأَنا أنا (صامد وباق). مرت من هنا كل هذه الشعوب ولكن عظام الكنعاني ستُبعث من جديد. ونحن أمةٌ لها كيانها ووجودها، لها دولة و”هَذا الْبَحْرُ لا يَحْتَلُّهُ أَحَدٌ” ويبقى محررا وكل من جاء إليه محتلا ذهب مع الريح.
وفي النهاية أُشير إلى أنها كانت محاولة لدراسة الجوانب المتعددة في القصيدة محاولا الدخول إلى أعماقها لمعرفة مدلولاتها المحتملة، مع محاولة لربط القصيدة مع الواقع، من أجل الاستفادة وتعلم العبر. وأشير، كما ذكرت في البداية، إلى أن التحليل السيميائي يتأثر بدرجة كبيرة بشخصية من يقوم بالتحليل وبالظروف المحيطة به، ولذلك قد يختلف التحليل من شخص لآخر، ومن منطقة لأخرى، ومن فترة زمنية لأخرى؛ وهو بذلك مجال خصب للإبداع، فلا قيود عليه إلا أنه يجب أن تكون دلائل في التحليل المقترح على صحة ما ذهب إليه من قام بعملية التحليل.

المبنى الفني للقصيدة :
• تفعيلة القصيدة من البحر الكامل: مُتَفاعِلُن
• الاستدارة:
بداية القصيدة ونهايتها المقطع نفسه:
“لا بابَ يَفْتَحُهُ أمامي البَحرُ…
قُلتُ: قَصيدتي‏
حَجَرٌ يَطيرُ إلى أبي حَجَلاً. أتَعْلَمُ يا أَبي‏
ماحَلَّ بي? لا بابَ يُغْلقُهُ عَلَيَّ الْبحْرُ”
ولكن أجواء النهاية تختلف ببدايتها “وأنا أنا” المقطعان مؤلمان وهما مقطعان خبريان ولكن الثاني أكثر ألماً، لأنه يخبرنا بأنه بعد كل ما حدثتكم به بقيت على حالي “أنا أنا” ولم يتغير شيء.

• أسلوب النفي:
أسلوب النفي في اللغة العربية هو أسلوب خبري أو طريقة إنكار أو نفي أو نقض فكرة أو حجة أو موضوع، او حكمًا إيجابيًا ويراد به نفي جملة أو دليل وهو ضد الإثبات، والنفي في القصيدة هو النفي الصريح فتسبقه إحدى الأدوات :لا، لم وليس. “لا” ترد عشر مرات في المقطع الأول سبع مرات وتتكرر في المقطع الأخير ثلاث مرات، وقبل الأفعال ثمان مرات. “لم” ترد ثلاث مرات و”ليس” مرة واحدة.

• الاستفهام الإنكاري:
يتضمن الاستفهام الإنكاري النفي والإنكار والاستهجان؛ يعدُّ هذا الأسلوب واحدًا من الأساليب التي يقصد إليها المتكلم أو الشاعر أو القاص، للتعبير عمَّا يجول في نفسَه من مشاعِر الإنكار وعدم الرِّضا. وهو يطالب بأبطال الحالة أو تكذيبها وما شابه. وردت ثمانية أسئلة استفهام إنكارية:
“أتعلم يا أبي ما حل بي؟” تكرر مرتين في المقطع الأول وفي الأخير، إنه استفهام إنكاري ولكنه مع إجابة وهي “لا بابَ يُغْلقُهُ عَلَيَّ الْبحْرُ”. الشاعر يستنكر ولكنه يجيب على استفهامه لتوكيد الحالة، والإجابة مفاجئة وغير متوقعة.
ونجد أيضا في القصيدة ستة أسئلة استفهام إنكاري: هل من أحد؟ هل من بلد؟ قتْلاي أمْ رؤياي تَطْلُعُ منْ مَنامي?‏ أأتيْتَ… ثُمَّ قَتَلْتَ… ثُمَّ وَرِثْتَ، كَي‏ يَزْدادَ هذا البحْرُ مِلْحاً ؟ كم مرة سأموت؟ ما قيمةُ الْمرْآةِ لِلْمرْآةِ ؟

التصالب ( الخيازم Chiasmus)
وهو عبارة عن ترتيب مقلوب للتعابير بين جملتين أو بين صدر بيت الشعر وبين عجزه. هذه المقابلة تخلق ضدّيّة قويّة وكثيفة جدًّا وهي أسلوب درامي مثير للدهشة.
“غَدَه… فَينْأَى بي زَماني عَنْ مَكاني‏
حيناً، ويَنْأَى بي مكاني عَنْ زَماني”
في الشطر الأول كلمة ” زَماني ” وتنتهي بكلمة ” مَكاني ” والجملة الثانية عكسيّة، تبدأ بكلمة ” مَكاني ” وتنتهي بكلمة ” زَماني “.

• ألتَّنَاصُّ Intertextuality في الأدب هو مصطلح نقدي يقصد به وجود تشابه بين نص وآخر أو بين عدة نصوص[المعجم الغني]. وهو مصطلح صاغته جوليا كريستيفا للإشارة إلى العلاقات المتبادلة بين نص معين ونصوص أخرى، وهي لا تعني تأثير نص في آخر أو تتبع المصادر التي استقى منها نص تضميناته من نصوص سابقة ، بل تعني تفاعل أنظمة أُسلوبية . وتشمل العلاقات التناصية إعادة الترتيب ، والإيماء أو التلميح المتعلق بالموضوع أو البنية والتحويل والمحاكاة.
أمثلة مختارة:
– “لَمْ أَجدْ أَحَداً يَهُزُّ سَريرَها: هَدأتْ قَوافلُهُم فَنامي..‏.” تناص مع اليد التي تهز المهد… قادرة على هز العالم “نابليون”. تشير إلى الحاجة إلى الطمأنينة.
– “فشَقَّتني عَصاً سحْريةٌ، قتْلاي أمْ رؤياي تَطْلُعُ منْ مَنامي?‏”: تناص مع قصة النبي موسى عندما شق البحر “فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ” (سورة الشعراء الآية: 61-67). تشير إلى الحاجة إلى الخلاص.
– “وأتْرُك أَريحَا تحْت نَخلتها”: تناص مع سفر ميخا (4:4) “بَلْ يَجْلِسُونَ كُلُّ وَاحِدٍ تَحْتَ كَرْمَتِهِ وَتَحْتَ تِينَتِهِ، وَلاَ يَكُونُ مَنْ يُرْعِبُ، لأَنَّ فَمَ رَبِّ الْجُنُودِ تَكَلَّمَ”. في سفر ميخا يجلس تحت كرمته وتينته ولكن في القصيدة أريحا تجلس تحت نخلتها لأن النخيل هو الشجر المثمر في أريحا وليس التين والكرمة. وتحت نخلتها تعني أنها تجلس مطمئنة لتنام وتستريح وَلاَ يَكُونُ مَنْ يُرْعِبُ المدينة، الجلوس تحت الظل هو تعبير رمزي يُستخدم للإشارة إلى السلام الخاص والسعادة في المكان وسكانه.
– “والأَنْبَياءُ جَميعُهُمْ أَهْلي”: تناص مع الحديث الشريف ” أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ”. الكلمات أهلي وأخوة هي من نفس القل الدلالي. وهذا القول يشير إلى أن جميع الدياناتهي رسالات سماوية وغير منقطعة بعضها عن بعض.
– “هذا الْبَحْرُ، في مُتنَاوَل الأَيْدي. سَأَمْشي فَوْقَهُ”: “وَفِي الرُّبْعِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ جَاءَ يَسُوعُ إِلَى التَّلاَمِيذِ مَاشِياً عَلَى مَاءِ الْبُحَيْرَةِ” (انجيل متى 14:25) يسوع المسيح يمشي على وجه ماء البحيرة.
(نبيل طنوس n.tannus@gmail.com )

المراجع
1. بنكراد سعيد.(1994) .مدخل إلى السيميائيات السردية، دار النشر، تنمل، مراكش.
2. درويش، محمود.(1994).ديوان محمود درويش، المجلد الثاني، أحد عشر كوكبا، 1992. دار العودة بيروت.
3. حديدي، صبحي.(2015). مؤنث محمود درويش. القدس العربي 09.03.2015.
4. حمزة، حسين. (2012).معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش، الناشر: مجمع اللغة العربية، حيفا.
5. طنوس، نبيل.( 2014). معمودية الحجر في شعر محمود درويش.
5.1. جريدة “الاتحاد” الملحق الادبي، 13.6.2014 ص. 14-15 حيفا.
5.2. مجلة الاصلاح. العدد الثالث والعدد الرابع ( المجلد الثالث عشر حزيران وتموز 2014) عن دار “لأماني” للطباعة والنشر والتوزيع ” في عرعرة. المثلث.
5.3. مجلة شذى الكرمل من إصدار اتحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيين ، العدد الأول أذار 2015 حيفا.
5.4. مؤسسة محمود درويش للابداع- كفر ياسيف (23.5.2014) http://www.mahmoddarwish.com/?page=details&newsID=1234
5.5. موقع سبيل- المغار (4.6.2014) http://www.sabeel.co.il/cat-238.html

حجر كنعاني في البحر الميت/ محمود درويش
لا بابَ يَفْتَحُهُ أمامي البَحرُ…
قُلتُ: قَصيدتي‏
حَجَرٌ يَطيرُ إلى أبي حَجَلاً. أتَعْلَمُ يا أَبي‏
ماحَلَّ بي? لا بابَ يُغْلقُهُ عَلَيَّ الْبحْرُ، لا‏
مرْآة أكْسِرُها لِيْنتشرَ الطّريقُ حَصىً.. أَمامِي‏
أو زَبَدْ…‏
هل مِنْ أَحَدْ..‏
يبكي على أحَدٍ لأحْمِلَ نَايَهُ‏
عنْهُ، وأْظْهِرَ ما تَبطَّنَ مِنْ حُطَامِي?‏
أنا مِن رُعاة الْملح في الأَغْوَارِ. يَنْقُرُ طائرٌ‏
لُغتي، ويَبْني عُشَّ زُرْقَتِهِ المُبَعْثَرَ في خِيامي…‏
هل مِنْ بَلَدْ‏
يَنْسَلُّ منّي كي أراهُ، كما أُريدُ، وكَي يَراني‏
في الشاطئ الْغرْبيِّ من نَفْسي على حَجَرِ الأبَدْ?‏
هذا غيابُكَ كله شَجَرٌ، يُطلُّ عليكَ مَنك‏ ومِنْ دُخاني‏
نامَتْ أريحا تَحْتَ نَخْلَتها القديمةِ، لَمْ أَجدْ
أَحَداً يَهُزُّ سَريرَها: هَدأتْ قَوافلُهُم فَنامي..‏.
وَبَحثْتُ لاسْميْ عن أَبٍ لاسمي، فشَقَّتني عَصاً
سحْريةٌ، قتْلاي أمْ رؤياي تَطْلُعُ منْ مَنامي?‏
الأنْبياءُ جَميعُهُمْ أهْلي، ولكنَّ السَّماءَ بَعيدةٌ
عَنْ أرْضها، وأنا بعيدٌ عَنْ كَلَامي…
لا ريحَ تَرفَعُني إلى أعْلى من الماضي هُنَا‏
لا ريحَ تَرفعُ موْجةً عن ملْح هذا البحْر، لا‏
راياتِ للموْتى لكي يسْتسْلِمُوا فيها، ولا‏
أصْوات للأحْياء كي يَتبادلوا خُطُب السَّلامِ..‏.
والْبحْرُ يَحْمِلُ ظلِّي الفضّيَّ عِندَ الْفَجْرِ،‏ يُرْشدُني إلى
كلماتي الأَولى لثدْي المرْأة‏ الأُولى، ويَحْيا مَيِّتاً‏
في رَقْصة الوَثَنيِّ حول فَضائِهِ‏،
ويَموتُ حَيّاً في ثُنائِيِّ القَصيدةِ والحُسامِ،
ما بيْنَ مصرَ وبينَ آسيا والشَّمالِ… فَيا غَريبُ
أوقفْ حِصانَكَ تَحْتَ نَخْلَتِنا! على طُرُق الشَّآمِ
يَتَبادَلُ الغُرَباءُ في ما بَيْنَهم خُوَذاً سَيَنْبُتُ فَوْقَها
حَبَقٌ يُوَزِّعُهُ على الدُّنْيا حَمَامٌ قد يَهُبُّ من البُيُوت
والبحرُ مَات، من الرَّتابَة، في وصَايَا لا تَمُوت‏ْ
وأَنا أَنا، إنْ كنتَ أنتَ هُناك أنتَ، أنا الغَريبُ
عن نَخْلَةِ الصَّحْراءِ مُنْذُ وُلِدْتُ في هذا الزَّحَامِ‏
وأنا أنا، حَرْبٌ عليَّ وفيَّ حَرْبٌ… يا غريبُ
عَلِّقْ سِلاحَكَ فوقَ نَخلَتِنَا، لأزْرَعَ حِنْطَتِي‏
في حَقْل كَنْعانَ المُقْدِّس… خُذْ نبيذاً من جرَاري‏
خُذْ صفحةً من سِفْر آلهَتي… وقْسطاً من طَعَامِي‏
وخُذِ الغَزالةَ من فِخاخ غنائنا الرَّعويّ، خُذْ‏
صَلواتِ كنْعانيَّة في عيد كَرْمَتِهَا، وخُذْ عَادَاتِنَا‏
في الرِّيِّ، خُذْ منِّا دُرُوس البيْتِ. ضَعْ‏
حَجَراً من الآجُرِّ، وارْفع فَوقَهُ بُرْجَ الْحَمَام‏
لتكونَ منّا إن أرَدْتَ، وجارَ حِنْطتِنَا وخُذْ‏
منَّا نُجوم الأبْجديَّة، يا غَريبُ
واكتُبْ رسالاتِ السَّماء مَعي إلَى‏
خَوْفِ الشُّعوبِ من الطَّبيعَة والشَّعوب‏ْ،
وأتْرُك أَريحَا تحْت نَخلتها، ولا تَسْرقْ منامِي
وَحليبَ امرأتي، وقُوتَ النَّمْل في جُرْحِ الرُّخامِ!
أأتيْتَ… ثُمَّ قَتَلْتَ… ثُمَّ وَرِثْتَ، كَي‏
يَزْدادَ هذا البحْرُ مِلْحاً?‏
وأنا أنا أخضرُّ عاماً بعد عامٍ فوْقَ جِذْع السَّنديان‏ِ
هذا أنا، وأنا أنا، هنا مَكاني في مَكاني‏
والآن في الماضي أراكَ، كما أتيْتَ، ولا تَرَانِي‏
والآن في الماضي أُضيءُ لحاضِرِي‏
غَدَه… فَينْأَى بي زَماني عَنْ مَكاني‏
حيناً، ويَنْأَى بي مكاني عَنْ زَماني
‏والأَنْبَياءُ جَميعُهُمْ أَهْلي، ولكِنَّ السَّماءَ بَعيدَةٌ
عَنْ أَرْضِها، وأَنا بَعيدٌ عن كَلامي
والبَحْرُ يَنْزِلُ تَحْتَ سَطْحِ الْبحْر كَيْ تَطْفُو عِظامي
شَجَراً. غيابي كُلُّهُ شَجرٌ. وبابي ظِلُّهُ
قَمَرٌ. وكَنْعانيَّةٌ أُمِّي. وهَذا البَحْرُ جِسْرٌ ثابِتٌ
لِعُبورِ أَيَّامِ القيامَةِ. يا أبي، كَمْ مَرَّةً
سَأَموتُ فوْقَ فِراش إِمْرَأَةِ الأَساطيرِ الَّتي
تَختَارُهَا “آناثُ” لي، فَتَشُبُّ نارٌ في الْغَمامِ
كَمْ مَرَّةً سَأَموتُ في نَعْناعِ أَحْواضي القَديمَةِ كُلَّمَا
فَرَكَتْهُ رِيحُ شَمالِكَ الْعالي رَسائِلَ من يمامِ؟
هَذَا غَيابي سَيِّدٌ يَتْلُو شَرائِعَهَ على
أحْفادِ لُوطَ, ولا يَرى لِسَدومَ مَغْفِرَةً سِوَايْ
هذا غِيابي سَيِّدٌ يَتْلو شَرائِعَهُ ويَسْخَرُ من رُؤايْ
ما قيمةُ الْمرْآةِ لِلْمرْآةِ ؟ لي وَجْهٌ عَليكَ, وأَنتَ لا
تَصْحو منَ التَّاريخِ، لا تَمْحو بُخارَ الْبَحْرِ عَنْكْ
والْبَحْرُ، هذا الْبَحْرُ، أَصْغَرُ من خُرافَتِهِ وأَصْغَرُ مِنْ يَدَيْكْ
هو بَرْزَخُ البلُّورِ، أَوَّلُهُ كآخِرِهِ، وَلاَ مَعْنًى هُنا
لِدخولِكَ اُلعبثِيِّ في أْسْطورَةٍ تَرَكَتْ جُيوشاً للرُّكَامِ
لِيَمُرَّ جَيْشٌ آخَرٌ يَرْوي رِوايَتَهُ وَيَحْفِرَ لاِسْمِهِ
جَبَلاً، ويَأْتي ثالِثٌ ويَخُطُّ سِيْرَةَ زَوْجَةٍ خَانَتْ، ويَمْحُو رابعٌ
أَسْماءَ مَنْ سَبَقوا هُنَاك لِكُلِّ جَيْشٍ شاعِرٌ
ومُؤَرِّخٌ، ورَبابَةٌ لِلرَّاقصاتِ السَّاخِراتِ مِنَ الْبِدايَةِ والخِتامِ…
وسُدىً أُفَتِّشُ عَن غِيابي، فهو أَبْسَطُ من حَمِيرِ
الأَنْبِياء تَمُرُّ فَوقَ السَّفْحِ حامِلَةً سَماءً للأنامِ…
والْبَحْرُ، هذا الْبَحْرُ، في مُتنَاوَل الأَيْدي. سَأَمْشي فَوْقَهُ
وأَسُكُّ فِضَّتَهُ، وأَطْحَنُ مِلْحَهُ بِيَدَيَّ. هَذا الْبَحْرُ لا
يَحْتَلُّهُ أَحَدٌ. أَتى كِسْرَى وَفرْعَوْنٌ وقَيْصَرُ والنَّجاشيّ
والآخَرُونَ، لِيَكْتُبُوا أَسْماءَهم، بيديْ، على ألْواحِهِ
فَكَتَبْتُ: لاِسْمي الأَرْضُ، واُسْمُ الأرضِ آلِهةٌ تُشاركُني مَقَامِي
في الْمَقْعَدِ الْحَجَريِّ. لَمْ أَذَهَبْ ولَمْ أَرْجِعْ مَعَ الزَّمَنِ الهُلامي
وأَنا أَنا، ولو انْكَسَرْتُ… رَأَيْتُ أَيَّامي أَمَامي
ذَهَباً على أَشْجاريَ الأْولَى، رَأَيْتُ رَبيعَ أْمِّي، يا أبي
وَرَأَيْتُ رِيشَتَها تُطَرِّزُ طائِريْنِ: لِشالِها، وَلشالِ أَخْتي
وفَراشَةً لَمْ تَحْتَرِقْ بِفَراشَةٍ مِنْ أَجْلِنا، وَرَأَيْتُ لاسْمِي
جَسَداً: أَنا ذَكَرُ الْحَمامِ يَئنُّ في أُنْثَى الْحَمامِ.
ورَأَيْتُ مَنْزلَنا المُؤثَّثَ بِالنَّباتِ، رَأَيْتُ باباً للِدُّخولْ
ورأيتُ باباً للخرُوج، رأيتُ باباً للخُروجِ وللدُّخولْ..
هَلْ مَرَّ نوحٌ مِنْ هُناكَ إلى هُناكَ لِكيْ يَقُولْ
ما قال في الدُّنْيا: لَها بابانِ مُخْتَلِفان، لكنَّ الْحِصانَ يَطيرُ بي
ويَطيرُ بي أَعْلى وأسْقُطُ مَوْجَةً جَرَحَتْ سُفوحاً، يا أبي
وأنا أَنا وَلَوِ اُنْكَسَرْتُ، رَأَيْتُ أَيَّامي أَمامِي
ورَأَيْتُ بين وثائقي قمرًا يُطِلُّ على ظلامي
ورَأَيْتُ هاويَةً، رَأَيْتُ الْحَرْبَ بَعْدَ الْحَرْبِ، تِلْكَ قَبيلَةٌ
دالَتْ، وتِلْكَ قَبيلَةٌ قَالَتْ لِهولاكو الْمُعاصِر: نَحْنُ لَكْ
وأَقُولُ: لَسنا أْمَّةً أَمَةً، وأَبْعَثُ لاِبْنِ خَلْدونَ احْتِرامِي
وأَنَا أَنَا وَلَوِ اُنْكَسَرْتُ على الْهَواءِ المَعْدِنِيِّ.. وأَسْلَمَتْنِي
حَرْبُ الصَّليبِيِّ الجَديدَ إلى إلهِ الانْتِقامِ
وإلى المَغوليِّ المُرابِطِ خَلْفَ أقنِعَةِ الإمامِ
وإلى نِساءِ المِلْحَ في أُسْطورَةٍ نَخَرَتْ عِظامِي..
وأَنا أنا، إن كُنْتَ أنتَ أبي، ولكنِّي غَريبْ
عَنْ نَخْلَةِ الصَّحْراءِ مُنْذُ وُلِدْتُ في هذا الزِّحامِ
وأَنا أنا، لا بابَ يَفْتَحُهُ أمامي الْبَحْرُ
قُلتُ قَصيدَتي
حّجّرٌ يَطيرُ إلى أبي حَجَلًا. أتَعْلَمُ يا أبي
ما حَلَّ بي؟ لا بابَ يُغْلقُهُ عَليَّ الْبَحْرُ. لا
مِرْآةَ أَكْسرُها لِتَنْتَشِر الطَّريقُ رُؤىً.. أَمامي
والأِنْبِياءُ جَمِيعُهُمْ أهْلي، ولكنَّ السَّماءَ بَعيدَةٌ
عن أَرْضِها، وأَنَا بَعيدٌ عَنْ كَلامي..
(أحد عشر كوكبًا، 1992)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق