الموقع

حين يُنصِفون

إبراهيم الباش

فعلى الرغم من مطاعن الكافرين، زمن النبوة، بالإسلام إلا أنه وجِد من الكافرين من أقرّ بهذا الدين وعظمته على الرغم من كفرهم، فها هو المقوقس يقول كلمته بتجرّد وإنصاف بعدما سمع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم التي حملها حاطبٌ الصحابي «إني نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهودٍ منه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب، وجدت معه آية النبوة». وأما هرقل فقد قال عندما سمع كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدميّ هاتين»، وها هو الوليد بن المغيرة يقول كلمته في القرآن على الرغم من كفره «فو الله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذْي، وإن فيه لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يُعلى»… وفي هذا العصر ظهر فريقٌ من المستشرقين وقفوا وقفة إنصافٍ وموضوعية في بعض ما كتبوا، فكان هذا جانباً مضيئاً في نتاج هؤلاء على الرغم من أنهم جانبوا الصواب في مواقف أخرى، وأما الفريق الآخر من المستشرقين فهو الفريق الذي لا يهمه سوى الطعن والتشويه بعيداً عن الموضوعية والبحث العلمي المنصف وكانت نظرة هؤلاء إلى العرب المسلمين نظرة استعلاء فالعرب والمسلمون في نظرهم من الضعف بحيث لا يستطيعون تمثيل أنفسهم إنما ينبغي أن يُمثَّلوا، فكانت غاية هذا الفريق من المستشرقين ليس الفكر وإنما الهيمنة والسيطرة.

المستشرقون بين العمى والعمَه

لا يغيب عن بالنا كيف كان عمل المستشرقين وسعيهم دؤوباً في القرن الثالث عشر حيث همّوا بإنشاء المدارس الاستشراقية التي راحت تُهيّأ لدراسة القرآن وترجمته ودراسة الحديث النبوي والتاريخ الإسلامي، وكان لهم من الطعن والتعصّب ضد المسلمين الأثر البالغ في خلق مشاعر الحقد والكراهية عند أبنائهم لهذا الدين، كما عمل رجال الكنيسة آنذاك على اتساع الهوة بين المسيحية والإسلام، فراح أبناؤهم يطعنون بالقرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، ويزيّفون الحقائق ويبحثون في التاريخ بعين حاقدة، وقلوب أكلها البغض، وفي القرن العشرين جاءت هذه المطاعن لتلبس لباساً جديداً من الغزو الفكري، وراحوا يدسون السم في الدسم، وهذا الغزو الفكري القائم على إتيان الإسلام من داخله وإن اختلفت أشكاله في زماننا، إلا أن له بواكير وأشكالاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم فالمنافقون ابتنوا مسجداً (مسجد الضرار) في ظاهر المدينة لغرضٍ دنيء هو التشويش على النبي صلى الله عليه وسلّم وعلى المسلمين وبثّ الفتنة في الصف المسلم، ثم دعوا النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه، فنزل الوحي مخبراً بنواياهم الخبيثة، وأهدافهم الهدامة، وكذلك فعل المستشرقون اليوم حيث سعوا لفتح المدارس والجامعات من أجل السير بهذه الشعوب الشرقية والإسلامية كما زعموا نحو الحضارة والرقي.

وقد تفننوا في كيفية تشويه الإسلام والقرآن وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق جملة من المزاعم والافتراءات المفتعلة التي لا تتطابق مع العقول ولا تتلاقى مع المناهج العلمية التي ادعاها هؤلاء، والملاحظ أن هؤلاء المستشرقين من أمثال بروكلمان وويلز، ونولدكه لم يتوجهوا إلى تلك الدراسات إلا بعد أن رأوا الشعوب بدأت تصحو من سكرة التنصير والثالوث حيث لم تعد سوقهم تروج إلا على البسطاء السذّج، ورأوا بأم أعينهم كيف أن الإسلام لا يزال يجتذب بنقائه وصفائه الآلاف من الداخلين في دين الله أفواجاً. هذا وقد هبّ عددٌ كبيرٌ من الباحثين المسلمين للرد على افتراءات المستشرقين وتفنيدها وعرضها على ميزان البحث العلمي، فألفوا في ذلك المؤلفات الضخمة، وليس هذا مجال عرضٍ للرد على هذه الافترءات التي أشبعت بحثاً واستقصاءً ورداً علمياً مفحماً قام به الباحثون المسلمون المخلصون.

شهادات منصفة

كان كلام كثيرٍ من المستشرقين حجّة عليهم، وشهادة يشهد بها هؤلاء على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم بعظمة هذا الإسلام وقرآنه ونبيّه صلى الله عليه وسلم، وبين أيدينا آراء كثيرٍ منهم أنصفوا فيما قالوا، فمنهم من قال كلمته ملتزماً الموضوعية في الغالب، ومنهم من جاء قوله بعد دراسة وتمحيص فكان لدراستهم قيمة علمية رفيعة، فهي شهادات صادرة عن علماء غربيين جانبوا الصواب أحياناً والتزموه حيناً، وهم ليسوا بمسلمين، وربما كان منهم حديث عهد بالإسلام لذا لا يمكن أن يتّهم أحدٌ منهم بالتعصب للمسلمين.

أولاً: في الإسلام:

إذا كانت  عقائد الديانات السابقة عند اليهود والنصارى، قد انحرفت عن توحيدها الخالص لله عز وجل، ومن ثم شابتها شوائب الشرك والإلحاد، فإن الإسلام وبعقيدة التوحيد استطاع أن يثبت ذاتيته ونقاء عقيدته وبذلك صحّح مسار الانحراف في عقيدة أتباع موسى وعيسى عليهما السلام، وتابع رفع لواء التوحيد والأخلاق والقيم العالمية مما جعله ديناً عالمياً موجّهاً للإنسانية جمعاء «إن الدين عند الله الإسلام» (آل عمران 19). وإذا كان الإسلام في نظر بروكلمان هو المبدأ الذي أبلته الأيام وطرحته وراءها فنقول له: ما الذي بلي في الإسلام. هل هو التوحيد أم الأخلاق أم التشريع؟ كيف بلي الإسلام وهذا المستشرق الإنكليزي روم لاند يقول: «إن الإسلام لم يعمّر حتى الآن ما ينوف على 1300 عام فحسب، بل هو لا يزال يكتسب في كل يوم أتباعاً جدداً». كيف يفنى الإسلام ويبلى وهو دين الفطرة، وها هو الكونت دي كاسترو يرى فيه دين الفطرة السليمة، فيقول: «إنني تبينت أنني أدين بالإسلام دون شعورٍ مني». ثم بعد دراسته للإسلام قال: «إذا كان الإسلام هو هذا أفلا نكون جميعاً مسلمين». وإذا كان بروكلمان يرى أن الإسلام قد أبلته الأيام وانقضى إلى غير رجعة، فكيف يعلن الفيلسوف الإنكليزي برنارد شو عن تعشّق أوروبا لدين محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «إن أوروبا الآن بدأت تحسّ بحكمة محمد وتعشّق دينه كما أنها ستبرّئ العقيدة الإسلامية مما اتهمتها به من أراجيف رجال أوروبا في العصور الوسطى».

وعن تصحيح مواقف أوروبا والمسيحيين تجاه المسلمين فقد كان موريس بوكاي منصفاً حين تكلّم على وثيقة صادرة عن سكرتاريا الفاتيكان لشؤون غير المسيحيين عام 1970 تطالب بمراجعة مواقف المسيحيين إزاء الإسلام ونقد أحكامهم السابقة وتقول الوثيقة: «علينا أن نهتمّ أولاً بأن نغيّر تدريجياً من عقلية إخواننا المسيحيين ويجب التخلي عن الصورة البالية التي ورثنا الماضي إياها أو شوهتها الفريات والأحكام المسبقة، كما يجب الاعتراف بالمظالم التي ارتكبها الغرب المسيحي في حق المسلمين».

ورسالة الإسلام هي الرسالة العالمية في نظر آرنولد توينبي حيث قال: «لم تكن رسالة الإسلام مقصورة على بلاد العرب بل إن للعالم أجمع نصيباً منها، ولما لم يكن هناك غير إله واحد كذلك لا يكون هناك غير دين واحد يُدعى إليه الناس كافة» وكأن قول توينبي هو تفسير واضح لقوله تعالى: «إن الدين عند الله الإسلام». الإسلام هو سر سعادة أوروبا في نظر البروفيسور شيريل، عميد كلية الحقوق بجامعة فيينّا حيث قال: بعد دراسة الإسلام بموضوعية «إن البشر لتفتخر بانتساب محمد إليها ذلك الأمي الذي استطاع أن يأتي بشريعة سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمتها بعد ألفي عام». وعند برنارد شو نرى مصطلحاً جديداً هو (العصر الإسلامي الأوروبي) حيث يقول في إحدى نبوءاته عهد مستقبل الإسلام «سيكون دين محمد هو النظام الذي يؤسس دعائم السلام والسعادة ويمكنني أن أؤكد فأقول: إن بوادر العصر الإسلامي الأوروبي قريبةٌ لا محالة».

وأما غولد تسهير الذي شوّه التاريخ الإسلامي عامةً يعترف بالإسلام ويقول: «إن تعاليم الإسلام تتطابق مطابقة تامة مع مقتضيات الطبيعة البشرية وفي كل زمان». إن الإسلام دين الفطرة، وقد لاقى اتهامات عظيمة من قبل مفكري أوروبا وكنائسها، وآن الوقت كي تغيّر أوروبا نظرتها تجاه الإسلام، ورسالة الإسلام هي رسالة العالم أجمع، وهو سرّ سعادة البشرية، وسيكون المستقبل لهذا الدين لأنه ينسجم مع مقتضيات الواقع والطبيعة البشرية وفي كل زمان، كل هذه اعترافات صدرت عن مفكرين وفلاسفة ومستشرقين غربيين، وهذه الاعترافات هي شهادات تدل دلالة قاطعة على أن هؤلاء يقرّون في أعماق نفوسهم أن الإسلام هو الدين الحق وأنه الدين الوحيد الذي سيخلّص الإنسان في هذا العصر من أزماته النفسية والروحية والأخلاقية والعقيدية، وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: في القرآن الكريم:

على الرغم من المطاعن والافتراءات الكثيرة التي حمل لواءها المستشرقون تجاه النص القرآني، وأنه سجع كهّان، أو أنه من وضع محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنه أخذه من أهل الكتاب فضلاً عن التشكيك بظاهرة الوحي إلى غير ذلك من المطاعن  التي هي أوهى من بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون، على الرغم من ذلك كله ظهر فريقٌ من المستشرقين رجعوا عن بعض آرائهم أو قالوا كلمتهم في بعض المواضع والمواقف ملتزمين بالموضوعية أمام القرآن الكريم، وجاء كلام الكثيرين منهم على شكل ردّ على مستشرقين آخرين طعنوا في القرآن الكريم، فها هو هنري دي كاستري الفرنسي، ردّ في كلمته على من ادعوا أن القرآن من كلام محمّد صلى الله عليه وسلم، فقال: «كيف يتأتى أن تصدر تلك السور والآيات عن رجل أمي وقد اعترف الشرق بأنها آيات يعجز فكر نبي من البشر عن الإتيان بمثلها لفظاً ومعنىً»، إنه إقرار من هذا المفكر الفرنسي بإعجاز القرآن الكريم وإقرارٌ بظاهرة الوحي.

أما المستشرق المسلم إتيين دينيه، فقد ردّ كثيراً من الشبه الاستشراقية التي أثارها نولدكه وويلز حول ظاهرة الوحي، كما أعلن روسو خضوعه التام لسلطان القرآن وتأثيره، ولو قدّر أن يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم على الأسماع لكان له ذلك التأثير البليغ في النفوس، وفي ذلك يقول: «من الأوروبيين من يقرأ القرآن ويضحك منه، ولو أنه سمع محمداً يمليه عليه بتلك اللغة الفصحى وبصوته المشع المقنع لخرّ ساجداً على الأرض وناداه قائلاً: أيها النبي يا رسول الله خذ بيدنا إلى مواقف الشرف والفخار فنحن من أجلك نودّ الموت أو الانتصار». إنها شهادات صريحة على عظمة هذا الكتاب المبين، معجزة الإسلام الكبرى، وثمة شهادات أخرى لغربيين منصفين تقرّ أنه الكتاب الذي لم يبلغه أي كتاب آخر ديني أو دنيوي في حقائق الإعجاز العلمي والبياني والبلاغي والتشريعي.

ثالثاً: في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم

لا يخفى أن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تشكّل الركيزة الأساسية لحركة التاريخ الإسلامي العظيم الذي يعتزّ به المسلمون على اختلاف ألسنتهم وألوانهم. ولا شك أن عدداً من المستشرقين درس حياة محمد صلى الله عليه وسلم مبتعداً عن المنهج العلمي وبعضهم كان مستجيباً لنزوات صليبية حاقدة فطعن في كل شيء، وبعضهم وقف بين مادحٍ وقادحٍ مستجيباً لمنهجيته مرّة ولمدرسته الاستشراقية مرّة أخرى، إلا أن عدداً من المستشرقين درسوا السيرة دراسة موضوعية علمية فكان أن أنصفوا النبي صلى الله عليه وسلم في وصف جوانب من شخصيته، ومنهم برنارد شو وتوماس كارليل وغيرهما، حيث محّص هؤلاء في دراسة البيئة العربية في مهدها مكة والمدينة والطائف وما ساد فيها من أحداث وقيم معتمدين على الأخبار الصحيحة التي رواها المسلمون الثقات أول عهد التدوين، والمصادر الموثوقة التي تُعنى بهذا الشأن، فكان كلام كثير منهم قريباً من الموضوعية والإنصاف، فتوماس كارليل رأى أن النبي كانت شخصيته متكاملة بجوانبها الثلاثة: الجانب الخَلقي والجانب الخُلقي والجانب العقلي، كما أن غوستاف لوبون رأى أنه «إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل الأعمال كان محمدٌ من أعظم من عرفهم التاريخ». وقد عاب كارليل على الذين يزعمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم مزوّرٌ أو مخادع فيقول: «لقد أصبح من أكبر العار على كل فردٍ متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يدعيه المغرضون، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج ويصادفان مثل هذا التصديق والقبول، فما الناس إلا حمقى مجانين، هل رأيتم معشر الناس أن رجلاً كاذباً بستطيع أن يوجد ديناً وينشره»، وهذا ما دفع القس لوزون إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «إن محمداً صلى الله عليه وسلم وبلا التباس ولا نكران من النبيين الصديقين، بل إنه نبي عظيم جليل القدرة والشأن»، وقد ركّز السيد فلكد الأمريكي كلمته على عقل النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «كان عقل محمد من العقول الكبيرة التي قلّما يجود بها الزمان».

رابعاً: في الفتوحات الإسلامية:

لقد علم الاستعمار قديماً والصهيونية العالمية حديثاً علماً أن تاريخ هذه الأمة فيه من روح الأمجاد ما يجعل الأحفاد كأجدادهم فيه ما يجعل الخلف كالسلف، فما سبيلهما لطمس هذه الروح كي لا تصل إلى الخلف؟ فكّروا وقدّروا بأنه يجب أن يعلو غبار النسيان على صفحات هذا التاريخ الناصع، وأن ننسى أسماء أبطالنا الذين وسّعوا رقعة الإسلام شرقاً وغرباً، فإنه ما اطلع مسلمٌ على فتوحات النبي والصحابة من بعده كفتح مكة والقادسية واليرموك والأندلس وذات الصواري وبلاط الشهداء، إلا كانت حافزاً له على التمسك بأمجاده والدفاع عن أمته. وقد نظر فريقٌ من المستشرقين المنصفين بعد دراستهم الموضوعية لهذه الفتوحات، فوجدوا تاريخاً مجيداً وفتوحات عظيمة الغايات والمقاصد، وقادةً عظاماً وقف التاريخ مشدوهاً أمام أخلاقهم وبطولاتهم ومعاملتهم لأعدائهم، فراح هؤلاء يردون على افتراءاتٍ صادرة من مستشرقين آخرين زوروا الحقائق وصاغوها بقوالب علمية ودراسات أكاديمية وخلطوها بمناهج استشراقية، وقد وجد هؤلاء المستشرقون الحاقدون أنفسهم وجهاً لوجه مع التاريخ الإسلامي بصفائه ونقائه، فالتاريخ الإسلامي عرّاهم من فضائلهم إذا ما قورن بتاريخهم، وجاءت أصوات المنصفين لتقرّر الحقيقة الساطعة في فتوحات العرب، فإذا كان غولد تسهير وبروكلمان لا يريان في العرب الفاتحين إلا غزاة مخربين وأن الفتوحات ما هي إلا تمكين لجنس بربري اعتاد سفك الدماء، فإن غوستاف لوبون أعلنها صريحةً تدفع كل افتراء حتى صارت كلمةً خالدة: «ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب»، وأكّد آخر أن الدعوة هي سبيل دخول الآلاف في دين الله لا القوة والقهر، فقال لوبون بهذا الشأن: «إنه بالدعوة وحدها اعتنقت الإسلام الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول»، وها هو ول ديورانت يعلن في كتابه قصة الحضارة أن بلاد الأندلس لم تشهد في تاريخها حكماً أكثر حزماً وعدالةً وحريةً كما شهدته أيام فاتحيها العرب». ومن هنا فإن العرب إذا كانوا غزاةً في نظر بروكلمان فنحن نقول نعم إنه غزو لجهل أوروبا وهمجيتها كي تستضيء بنور الإسلام، وإذا كان عددٌ من المستشرقين قد طعن في غايات الفتح الإسلامي وأنها مجرّد ثورة يسار اقتصادي لأناس فقراء بدو يبتغون غنائم ومالاً من وراء هذه الفتوح، فإن من يدرس مواقف الصحابة ومعاناتهم في سبيل الدعوة يدرك أن هذا الكلام هراء، ثم إن الغنائم والمال هي نتيجةٌ لهذه الفتوح وليست سبباً، وها هم قادة الفتح ومجاهدوه يعلنوها صريحةً: جئناكم لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

وهكذا فإن الحقيقة يمكن أن تشوّه زمناً ولكن لا يمكن طمسها إلى الأبد وكذلك حقائق الإسلام، فلئن حاول عددٌ من المستشرقين الحاقدين طمسها وتشويهها بما ادعوا من كذب وافتراء وتأويل فقد ظهر من أبناء جلدتهم مستشرقون منصفون ردّوا هذه الافتراءات بشهادات علمية صريحة حول الإسلام ونبيه وقرآنه وتاريخه، وهذا بلا شك يدل على عظمة الإسلام وأنّ المستقبل له وهو الدين الوحيد الكفيل بهداية البشرية وتخليصها من مآسيها: «فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق