ثقافة السرد

شكرا لك أيها الألم

هشام بن شاوي*

إلى : سعاد.. التي تركت في قلبي جرحا ربيعيا لا يندمل،، لأن فراقك كان في  مثل هذا التوقيت، كل ربيع تندلع أشواق القلب، بعد أن تركته نهبًا للضياع والتشرد، وكنت أظنك مرفأه الأخير، وسيتوب بعدك عن الهوى. وإلى : تلك التي تحملت “خياناتي” كل هذه السنوات بحبها الأمومي الغامر…  إلى العزيزين : إبراهيم الحجري، إبراهيم الحميد…

رنّ هاتفه المحمول.

إنه رئيس تحرير الجريدة. هذه أول مرة يفعلها، بيد أن المكالمة أنقذته من ورطته…

تمّ كل شيء بسرعة، وهو عائد من مدينة أزمور، التي  اعتاد التسكع فيها بحريّة، لأن لا أحد يعرفه فيها، واصطدمت عيناه بتلك البدوية. شمّ الذئب القابع في دواخله رائحة الفريسة. راح يلتهم بنظراته شموخ صدرها النافر المتصلب، وأصابعه تحترق شوقا إلى عصر فاكهته.. كانت امرأة تفتقر إلى لمسة  جمال وأناقة، تفتقد  ما يسرق القلب ويخطف البصر.

عند مغادرتهما حافلة أزمور، سألها : “كم الساعة؟”، وهو يدسّ هاتفه المحمول في جيبه، تبادلا بضع كلمات،  وفي انتظار الحافلة رقم 3، ضمّ ساعديه عند صدره، حاجبًا نهدها الأيمن، وتسللت أصابع يمناه، ممارسة طقس قرص نهدها خلسة.. وبعد دقائق غادرا الحافلة، وطلب منها أن تسبقه، وتدخل بيتا مهجورا…

***

في مقصورة قطار الجديدة، غاص قلبك في بحيرة شجن، وقد خدّر حواسك عطر المرأة المجاورة لك، والشمس تحنّ إلى معانقة سمرة المغيب الشاحبة. شرد لبك برهة، وأنت على شفير النشيج..

قبل ست سنوات، مدججا بالأشواق  كنت تنتظر  اللحظة، التي ترسم فيها الشمس تلويحة وداع على الجدران. تنتظر الساعة الخامسة والنصف، حيث تغادر  الورش، وكأن الريح تحتك، في اتجاه الملتقى، مختلسا لحظات بهجة في حضرتها.

في الطريق، فكرت في قرار ربّ الورش بأن تعودوا إلى التوقيت  العادي؛ لن تغادروا حتى الساعة السادسة مساءً، تلعن فصل الربيع، وتتمنى لو أن كل فصول السنة خريف وشتاء، حيث تداهم العتمة الورش مبكرا. لن تغادر إلا بعد وصولها إلى البيت، ولن يمكنها أن تخرج بعد ذلك.

في طريق عودتكما إلى بيتها، انتابك فرح غامر، وهي تلمّح- وبنبرة ملتاعة- إلى أنكم أوشكتم على الانتهاء  من البناء. أدركت أنها تحبك وستفتقدك.. حتى لو لم تنطق بهاتين الكلمتين العذبتين.

أهو الخوف من ألا تراك ثانية؟

في الصباح، بدوت حزينًا، عند نقلك إلى ورش آخر، بدون سابق إعلام، ومن مقر عملك الجديد، أرسلت إليها رسالة قصيرة ((sms تبلغها بذلك. مساء، عند وصولها إلى البيت، اختلست سعاد نظرة إلى الورش، ولاح لها  صديقك، الذي تمازحه بــ”خُو البْهَايْمْ” واقفا في الشرفة، ولأنه كان في مثل سنك، فوجئت بها تتهمك بأنك تتهرب منها.. رأيتُكَ، وكنتَ ترتدي “جاكيت الجينز”. وفي دقائق، وجدت نفسك  عند الورش، تصبّ جام غضبك على صديقك.

لا تنكر أنه من أهداك هذا الحب، حين أخبرك – لأنه كان يبيت في الورش- أنها تمرّ في هذا التوقيت. لكن، ليس معنى هذا أن يستمر في مراقبتها، وهو من رآها عند دكان بقال الحي، ولم تكن ترتدي الجلباب.. ثارت ثائرتك : لماذا تخرجين ليلا، وأنت تعرفين أن المكان مليء بالبنائين، وأغلبهم  بدو وأوباش؟ فليذهب غيرك للدكان. أنا جئت للاتصال بك. لا تتصلي بي، ولا تخرجي ليلا.. ثم ماذا كنت ترتدين؟ هل تظنين نفسك في البادية، حتى تخرجين بثياب البيت؟

قبل أيام، أخبرتك أن هناك من اتصل بصديقتها هاتفيا، وخمنتْ أن يكون ذلك الشاب، الذي كان يتلصص عليها، وهي تركب رقم صديقتها في مخدع الهاتف العمومي، المجاور للدكان،  فحفظ الرقم.. زفرت : هؤلاء الغوغاء، أولاد  القحاب.

أرسلت إليها رسالة قصيرة ورنة، تعلمها أنك قريب من البيت، وأنت تعرف أنك لن تراها، ولن تطل من الشباك في وجود أخيها، كئيب السحنة.. أف، لماذا خلق الله للحبيبات إخوة نتعذب بسببهم؟ نادية  هجرتها، وهي مغرمة بك، باحثا عن حب آخر، بسبب إخوتها البغال.

***

شكرا لك يا ذات العطر. ذكّرتني  بالمرأة، التي أدين لها بتحول مساري الأدبي، فخرجت من قفص الرومانسية البلهاء، وارتميت في حضن الواقعية النقدية، المغلفة بالسخرية السوداء. لو أنني  تزوجتها، وعشت سعيدا، هل  كنت سأحقق هذه القفزة في تجربتي القصصية المتواضعة؟

شكرا لك أيها الألم…

لولا جرح سعاد لما كتبت فاتحة كتاباتي الجريئة، قصة : “بيت لا تفتح نوافذه…”، أو رواية : “كائنات من غبار” التي غاب  فيها اسمها، لأن جرمي لا يغتفر حين كتبت  في رسالة قصيرة  لها أنني كنت مع عاهرة حائض، وتخيلتها محلها، وحتى أمعن في حيوانيتي  ودناءتي، حدث ذلك أمام عيني صغيرها.. كنت أبحث عن أية وسيلة حتى  تحتقرني وتكرهني، ولا نتعذب ببقايا الحب.

سعاد  تحضر في العديد من النصوص، هي  الحاضرة الغائبة في “بانت سعاد فقلبي اليوم متبول”، وفي قصة : “روتانا سينما و… هلوسات أخرى” (وهي القصة ذاتها، التي ستصدر في  مجموعتي القصصية الجديدة تحت اسم “نشيج الروح”). لكنني لا أكتب عن الجنس لمجرد الإثارة، وما أسهل مثل الكتابة، وفي حياة كل واحد منا تجارب مثيرة… ! لو كنت أتطلع إلى الكتابة الرخيصة،  فسأكتب عن تلك المرأة، التي طلبت مني أن أعتلي ابنتها، وأنا طفل غرّ، ينام  بينها وبين بناتها الثلاث… بيد أن هذا النص حافل بالقذارات الجنسية حد الغثيان، وهو ما قد يعطي انطباعا سيئا عني، ويفسر الأمر على أنه كبت جنسي.

حين كتبت إلى صديقي الشاعر الكهل أنني بصدد كتابة روايتي الثانية، طلب مني حشوها بالكثير من الجنس. فهل نقرأ الروايات من أجل الجنس؟..  شاعر كهل آخر اعترف لي بأنه غب قراءة قصة لإحداهن، وبسبب الوصف الحار للتفاصيل سارع إلى امتطاء صهوة زوجته.. فهل نكتب لنستمني؟

… يا للغثيان !!

***

أنقذته مكالمة رئيس التحرير من ورطته، وكان يمشي بجوار عانسه البدوية، وهو يلتفت يمينا ويسارا، مفكرا  في أنجع طريقة للتخلص من هذه البشعة، التي تبدو، وكأنها جدته.. تصر على أخذ رقم هاتفه المحمول، وهي تعبّر له عن  افتتانها بها من  أول نظرة… لم يحدث أن تغزلت به امرأة من قبل هكذا، لكنه لن يقع في  حبائل هذه البدوية. ناور، طلب منها رقم هاتفها، حتى يتصل بها حين تزور مدينته  في المرة القادمة. اعتذرت بأنها لا تملك هاتفا محمولا..

لم نبال بنبرة الحنين الفائض في صوت شابّ لا يزور قريته  إلا في الأعياد،  حين اتصل “أخو البهائم”  بأخيه الأصغر،  اندلعت عاصفة من الضحك، بعد أن سأل أخاه عن كل شيء، وقبل أن ينهي المكالمة، وكمَنْ تذكر شيئا.. بلهفة هتف : ” واشْ الحْمارة وِلْدت؟”، ثم استطرد بفرح متسائلا عن جنس مولود الأتان : ” آشْ ولدت؟”.

***

رنّ هاتف ذات العطر، وبدأت توشوش مغلفة بيدها الجهاز.

قبل قليل، كانت تتحدث مع المرأة المقابلة لنا في مقصورة هذا القطار- الخردة.

ذات رحلة بيضاوية، تعرفتُ على تلك الثلاثينية، التي لم تشأ أن تصارحني عن  وجهتها في مدينتي، أو عن صلتها بمن جاءت لزيارتهم. أيمكن أن يكون حبيبا تبيت في حضنه ليلة، وتعود إلى مدينتها؟  لم تكن جميلة بما يكفي، بيد أن جسمها أصابني بالدوار.

في ظهيرة اليوم التالي، أرسلت لي رسالة قصيرة تبلغني فيها أنها في محطة القطار، وطلبت مني إحضار سمك، وألا أتأخر.. أيعقل أن يتركها من كانت في ضيافتهم، تسافر بلا غداء، ودون أن يودعها أحد؟

صمّمت على أن أصطحبها حتى الدار البيضاء، ألفيت نفسي غارقا في التقاط صور لها بهاتفي الجوال، وهي ترشقني بابتساماتها. تحدثتْ عن صعوبة لقائنا، واقترحتْ أن نلتقي في الدار البيضاء، كل أحد. فكرت في  مشقة  وخسائر حب كهذا، وكل واحد منا قادم من مدينة، ونلتقي كغرباء في مدينة أخرى. أخبرتني أن هناك شابا خليجيا يزعجها بمكالماته الهاتفية.. (في ما بعد ستكون أنت المطارد باتصالات تلك الجدواية، غير العابئة بتكاليف مكالمات دولية تتعدى الخمس دقائق، يا لهذا القلب العابر للقارات !!).  نصحتها بأن تفتح الخط،  تبعد الجهاز عنها، وتتركه يتكلم كما يشاء.

لا أدري لماذا أحب أن أكون الوحيد في حياة كل امرأة؟

لسعتني الغيرة، وهي تحدثني عن أصدقائها الكثر، وإحساسها بالوحدة، وهي على مشارف الأربعين… أحتاج  إلى رجل. أف، إنها أسطوانة العوانس.

مابك؟ سألتني، وهي تزيح يدي، وأنا أطوق خصرها، فتشير إلى أنهم ينظرون إلينا. لا أحد يعبأ بنا، كل الموجودين بالمقصورة شباب مع صديقاتهم، ولن يهتموا…

تبا، هذه لا تصلح لأي شيء. ليس من المعقول أن  أسافر  كل مرة، ومن أجل لا شيء… وألفيت نفسي أدرب قلبي – مرة أخرى- على النسيان، المخضب بالألم. لا، لن أحب مرة أخرى من أجل الحب.

***

أنا لا أحب السفر في التاكسي، قالت ذات العطر.

فكرت في سائقي سيارات المرسيدس المجانين، الذين يخاطرون بأرواح المواطنين، والمرأة تسرد للسيدة، التي شاطرتها عدم حب السفر عبر سيارات الأجرة، وتتحدث بكثير من الغرور عن جعلها سائق حافلة يخرج قبل موعده، وتأنيبها للرجال على صمتهم وتغاضيهم  عن جشع السائق. قلت في سرك : أنت، فعلا، خلقت لكي تكوني رجلا. فلا أثر للأنوثة فيك، تماما مثل تلك العانس البنّورية. على الأقل، ما شدني في بدويتي نهداها المتصلبان. استرقت النظر إلى جارتك ولاح لك سروال الجينز، الذي يخنق تفاصيل جسدها الثر، وهي تتحدث عن نجاتها من الموت،  بعدما  انفتح الباب بغتة، والسيارة تمرق، وكاد جبينها يلمس الإسفلت، فسارع  الراكب المجاور لها بشدها من ذراعها… أخبرتُ زوجي وأسرتي،  وكانوا في انتظار السائق، لكنه  سلّمنا في محطة أزمور لسائق آخر. رن هاتفها مرة أخرى، وكل مرة،  كنت تتابع وشوشتها باهتمام… أيعقل أن هناك زوج يتصل بزوجته كل خمس دقائق، وتتحدث معه  بصوت خافت؟ إن من يتصل حبيب  يريد إطفاء نار أشواقه على السرير.

سيدتي المحترمة، لقد اعتدنا أن  نفعل مثله مع (…)،  نتصل كل دقيقة للسؤال عن سبب التأخير.

***

انتزع الشريحة المستعارة من جوف الجهاز، ضغط عليها بإصبعين فانشطرت جزأين، رماهما في بالوعة. وهمس لنفسه : الآن، يمكنك أن تتصلي بي، وعند سؤال شركة الاتصال، لن يُعرف صاحب الرقم، لأنه بلا عَقْد. أنا لست غبيا مثلك، يا عاهرة الفيسبوك.. تجودين بأرقام هواتفك على كل من هبّ ودبّ. هل تعتقدين أنني سأعطيك رقمي الحقيقي، مثلما أرسلته في رسائل خاصة لكل من عرفته؟

سألته  إن كان الرقم، الذي يتصل منه رقم هاتف البيت، رد بحزم :  لا. إنه هاتف عموميّ.

***

لا يرغب في إعطاء رقم هاتفه الجوال لأية امرأة، حتى لا يتألم مرة أخرى، وهو لا يرد على اتصالات  حبيبته السعودية.  ما جدوى حب امرأة لن تستطيع  مقابلتها، حتى لو كانت نبرات صوتها تفضح لوعة قلبها؟

أغلق هاتفه المحمول، لا يشغله إلا صباحا، ويقرأ عدد الرسائل، التي تحدد عدد الاتصالات وتوقيتها. تتصل به حتى في الوقت، الذي تعرف أنه يكون نائما. أي حظ عاثر هذا يورطه دوما مع نساء ليليّات؟ اعتصر قلبه ألما، فكّر في كتابة رسالة قصيرة من كلمة واحدة : “انسيني”، ثم بدا له أن ردّ فعله هذا قد يجعله يضعف، ويستسلم مرة أخرى، وهو لم يعد قادرا على تحمل آلام الحب والغيرة.

ما شده إلى فتاته الجداويّة أنها لم تكن كغيرها من النساء المطلقات، اللواتي لا يفكرن إلا في الجنس، حتى لو كان افتراضيّا، وأدهشته مفارقة أن يعتبر الشاب السعودي نفسه ” دون جوان” عصره، المستعد للسفر إلى أي  بلد عربي أو غربي من أجل امرأة، وكل من تعرف إليهن شابات سعوديات مطلقات، تتراوح أعمارهن بين الخامسة والعشرين والثلاثين، ويجنحن إلى التعرف إلى شباب عرب… غرباء.

حتما، هناك خلل ما.

***

لسعت قلبه نار الغيرة، فكتب في صفحتها بموقع التعارف الاجتماعي تعليقا معاتبا ذلك الشاب المصري، الذي كتب لمواطنته طالبا منها فتح المسنجر. وفي رسالة خاصة سألها : أية صداقة هاته؟ أيعقل أن شابا في مقتبل العمر  يسأل سيدة  محترمة أن تدخل المسنجر الساعة الثالثة صباحا.  تجاهلت الرد عليه، وانتبه إلى أن المصري حذف تعاليقه، فكتب لها رسالة خاصة أخرى :  حرقته وصمتك دليل على أنك تفتحين له الكميرة.

حينما اتصل بها هاتفيّا أخبرته أنه صديق قديم،  وسبق أن قابلته في مصر مع صديقاتها. يا سيدتي، مصر تمر بمرحلة انتقالية، وهذا كتب لك أكثر من مرة، وأمام الملأ يسألك عن عدم وجودك على المسنجر..

في صفحة شاعرة مغربية مغمورة لفت انتباهه  تعاليق الكثير من  المعجبين  بها (كامرأة وليس كشاعرة طبعا) تحت صورها الشخصية، بينما تجاهلوا التعليق على صور أخرى، فكتب بنزقه المعهود : يا عرب،  يا أولاد القحاب. المغرب ليس بلد العاهرات.. لا أحد علق على صورتها مع ابنها، لأنكم تنظرون إليها كامرأة وليس كأم…

كتب معذبا بنخوته كمغربي،  وهذا الاندفاع الأهوج كان سبب طرده من أكثر من منتدى بسبب عدم تقبله  مغازلة أي كاتب عربي بنات بلده، وهذه الشاعرة ليست بفتنة عاهرته الفيسبوكية، التي اندهش للأشواق المسفوحة تحت قدميها، ومن كل الجنسيات.. وفي آخر مكالمة هاتفية طلبت منه ألا يضايق أصدقائها إن كان يريد أن يبقى صديقا.

حين علم أنها مطلقة نصحها بأن تتزوج  بدل هذه الفضائح، بينما أختها، التي اندهشت لغيرته عاتبته بأن لا يفكر في ما لا يملكه، مؤكدة أن (…)  ليست صغيرة السن، وتعرف ماذا تفعل، وهي تتسلى فقط.

كان معذبا بتلك النظرة الدونية للمرأة المغربية، ولا ينكر أن أول ما شده إليها صورة لها في ملف تعريفها بالهوتميل، وثوبها يبرز كتفيها وذراعيها، وفحيح الشهوة يقفز من ثلثي ثدييها العاريين.

بدت له امرأة أخرى وصوتها يأتيه عبر الهاتف مزمجرا: أنا في سن أمك، أتعجب لحب كهذا، ماذا تريدين مني؟ أنا حرة،  أمنح جسدي لكل الرجال.. لا شأن لأحد بي. طليقي لم يكن يتحكم في، مثلما تفعل.. فمن تكون أنت؟

***

لعن  في سره العانس البدوية،  وهي تعرض عليه أن تتزوجه. هل أتزوج امرأة أكبر مني سنّا،  وهبتني جسدها في  دقائق، وفي مكان قذر… بائسة. لكنني عاطل عن العمل، ثم إنه في هذا المكان يعرفني كثيرون، وأخشى أن يرانا أحد. لا تقلق، أنا أعمل، وأنت اجلس في البيت ملكا.. أنا لا يهمني المال.

تفادى التعبير عن مشاعر كراهية مجانية اندلعت بين جوانحه، وبعد صمت : بصراحة،  لا أفكر في الزواج الآن. حين تأتين لزيارة أقاربك هنا، سأكون في لقائك…

***

طلب منه رئيس التحرير تحضير مقال على وجه السرعة، والجريدة  ماثلة للطباعة، في حدود ثلاثمائة كلمة عن الفنان المسرحي، الذي فارق الحياة، قبل لحظات،  وأذاعت خبر نعيه بعض الفضائيات. تفاجأ بالخبر. فكّر : هل يمكن أن يكتب أنه عند احتضار الفنان الراحل كان ينصب كمينا لفريسته البدوية.

لم يرفض الدعوة، فمادته – وهو الكاتب المتعاون مع الصحيفة-  ستنشر في صدر الصفحة الأولى، وسيستثمر غياب المحرر المسؤول عن الصفحة الثقافية والفنية لتغطية فعاليات مهرجان سينمائي بأحد البلدن  العربية.

***

كانت أول وآخر مرة تحدثك عبر المسنجر. رنّ هاتفها الجوال، وسَمعتها تتحدث إلى صديقتها : لم يلمسني أي رجل منذ ثلاث سنوات، فكيف أفعلها، كما يتهمني هذا المجنون؟ وضحكت في خبث أنثوي، وهي تمني النفس برجل يعتليها في الصباح وفي المساء…

نفس الضحكات الفاجرة اندلعت عندما أرسلت إليها صورة ذلك الشاب السعودي، ونصفه السفلي عاري. سألتك : كيف فعلتها، وصوّرته بهذا الشكل؟ لم تخبرها أنه يوجد برنامج لتسجيل الضحية بالفيديو. هذا مغفل.. لا أحد يفتح الكميرة على وجهه، وقد ضيّعت الصورة التي التقطتها له، وهو ينتظر بشوق فوق فراشه أن تشرق شمسك. مغفل محترم.

أشارت إلى أنها لم تعرف أين اختفت الصورة،  وهي تستغرب لإلحاحك على حذف الصورة، وبعد أن شرحت لها كيفية العثور عليها بسهولة  بين محتويات جهازها.. قلت : من أجل بناتك فقط.

***

تنفّس الصعداء، وهو يلج أحد مقاهي الإنترنت، فالوصول إلى البيت سيتطلب الكثير من الوقت. فتح علبة بريده الإلكترونية..  لماذا اختاره هو بالذات؟ ربما لأنه الأسرع في كتابة المراثي، وزميله يمازحه بأنه صديق عزرائيل، ويبلغه بأسماء من يقبض أرواحهم، قبل أن ينجز مهمته، وسيقطع صلته به، لأنه يتشاءم منه، ثم لمّح الصديق إلى أن مقالاته الرثائية  تعويض عن  فشله في كتابة الشعر، وأبدى استغرابه لعدم تحمسه للكتابة عن نتاج الكاتبات الواعدات، كما يفعل غيره، وابتسم في خبث…

لكن صديقه المقرب لا يعرف أنه يكتب مراثي لكل من يعرفهم؛ يضع  في حاسوبه ملفّا لكل كاتب، حتى لمن لا يحبهم..  كلما صدر له كتابا أو فاز بجائزة أضاف المعلومة  الجديدة إلى الملف.

فكّر في موته، وتساءل : ما جدوى الكتابة، فمن  أنجز شيئا لافتا، ومن لم يأت بأي جديد يتساويان أمام سطوة  الموت؟ ترى، هل سيهتم أحد بموتي؟ ماذا سيكتبون عني، أو بالأحرى، كم عدد من سيفرحون لغيابي؟..

***

بالتأكيد، أنتَ لست شخصا سويّا، وتتذرع بجنون المبدعين، وترتكب الكثير من الحماقات، وها أنت تغضب كالأطفال، وتلوذ بالصمت.

كتبت للحيزبون المراهقة أنك ذاهب عند صديقك لرؤية أخته الجميلة،  ولكي تقهر انجذابك لامرأة لا تعني لها أي شيء، اتصلت بأمل ظهرا، وجاءك صوتها ناعسا، سألتها : أمازلت تنامين نهارا، وتسهرين ليلا؟ معقول؟ مازلتَ تتذكرني؟ أنا لم أنساك يا أمولة، والله، أنت دوما في قلبي… وتمازحها : هل تزوجت؟ لا، مازلت أنتظرك. كيف هي أحوالكَ؟ أنا لست بخير حبّي.. أنا محتاج إليك.

معتوه أنت بالتأكيد، تتصل بامرأة هجرتها عاما كاملا، وتصارحها أنك معذب بحب امرأة أخرى.

في مثل هذا الشهر هجرتها، وأيضا بعد عام تعلق قلبك بمواطنتك الأربعينية، المزهوة بصدرها، والتي تتبجّح بأنه دوّخ كل الرجال.

طلبت من أمل كلمة السر الخاصة ببريدها الإلكتروني، واستحوذت عليه، بعد أن قمت بتغييرها، وتمكنت  بفضله من معرفة حساباتها المرتبطة به في السكايب، الفيسبوك، وبعض المنتديات… وبسهولة كنت تلجها، بعد طلب كلمة سر جديدة لتلك الحسابات. لامتك في ما بعد، ووصفت نفسها بالمغفلة لأنها صدقتك، راجية منك  إرجاع الإميل إليها لأنه لا يخصها وحدها، وكنت تعرف أن أختها الأصغر سنّا، من تحرّضها، وتدفعها إلى التعرف على شباب آخرين، وأن  تترك البنغالي   راجو، كما تسمّيك، إمعانا في ازدرائك.. لأنك تشبه  رجلا  بنغاليا ساذجا وفضوليا في حيهم.  تألمت عند اكتشاف رجال كثيرين، وعاتبتك : لمَ  تعرف بناتا كثيرات، ولا تريدني أن أفعل مثلك؟.. يا غبية، أنا أحبك، والأخريات مجرد “شراميط”، فهل تحبين أن تكونين مثلهن في نظر من تعرفينهم؟

***

لم تندهش وذلك الفتى المراكشي يحدثك عن صديقته الشابة البحرينية، التي تفتح له الكميرة، وهي مع زوجها  في غرفة النوم. دهشتك الكبيرة  كانت عند قراءة تبريرات نسوة متزوجات يمارسن الرذيلة الإلكترونية، لا يعتبرن ما يقمن به خيانة زوجية، مادام الرجال يرون أجسادهن العارية، ولا أحد يلمسهن، وأخريات لا يهمهن أن يرى أي رجل كل شبر في  الجسد، ويحرصن على ألا يرى وجوههن أحد.

***

ضحكت أخت صديقك، عندما قلت مازحا :  اليمني أخو صديقتها، والسعودي زوج صديقتها. ووجدت نفسك تسايرها، تبتسم رغما عنك، لأنك تورطت في حب امرأة لا تستحق أن تلتفت إليها. ووجدت كل خبرتك العاهرة تتبخر أمام  هذه العبقرية النسائية، التي تفوقت على خيال كل الروائيين. مرة أخرى، تكتشف أنك مغفل كبير في مملكة النساء، صدق أكذوبة المرأة الشريفة، وحتى عشيقها القديم، شتمك في صفحته بالموقع الاجتماعي، ناعتا إياها بأنها أشرف من أختك..

هل تعمدها وضعها كميرتها صوب الحائط، ستجعلك تصدق أنها امرأة شريفة؟ وضع الكميرة يدل على أنها تستخدم جهاز حاسوب عادي، وليس محمولا، أي بالإمكان فصلها عن الجهاز. هل نسيت أن أغلب النساء يقمن بوضع لصاق  داكن اللون على  كميرات الحواسيب المحمولة، حتى لا يراهن أحد؟

هل صدقت فعلا أنك نبي،  انتصر بحبه، وانتشلها من مستنقع الرذيلة، فأعلنت توبتها الفيسبوكية، وحذفت صفحتها؟

ألم تكتب لها ذات غيرة، وأنت غير قادر على تحمل غثيان كل معجبيها، وأغلبهم كهول (قد يكون بينهم من أصبح جدّا) : أنت مجرد قحبة وستبقين كذلك؟ لم تغضب، اكتفت برد مقتضب : هذا ليس شأنك.

***

في محادثتهما الوحيدة، وهي تسلمه كلمة  السر الخاصة بصفحتها المعطلة، عقدت الدهشة لسانه، وهو يقرأ رسائلها الخاصة.. رسائل كثيرة ولرجال كثيرين. بعضها يعود إلى سنة ونصف، كلها أشواق وحب.. نفس الصيغة. هل يعقل أن تكتب امرأة  لأكثر من خمسين رجلا أنها تحبه وحده… ابتسم وهو يقرأ رسالتها الركيكة، وهي تعلن لسوري كهل أنها ستنتحر، لأنه يتجاهل حبها له، وكهل آخر عاتبها على غيابها عن المسنجر ويسألها هل حذفته، فردت عليه متسائلة  كيف تحذفه، وهي تشتاق إليها، وتنتظره كل مساء، ولا يظهر..

تذكّر الحظر الذي أهدته إياه أكثر من مرة، كما يليق بامرأة لعوب، تجيد العبث بمشاعر الرجال. وتبخّر إطراءها المبالغ فيه لذلك الشاب اليمني الوسيم، معتبرة إياه بأنه  أفضل أصدقائها، لا وقت لديه لمثل هذه الأشياء، وحين يكون موجودا على المسنجر لا يكلّمها، لأنه مشغول بما يحدث في بلده الآن، وهو يقرأ ما كتبت له  قبل أقل من أسبوع بأسلوبها الركيك، وبلهجة مصرية تعج بالأخطاء أنها تبوسه و”تريد أن تنام معه” وتتمنى الزواج به. ولم يستغرب أنها كتبت لكثيرين تنبههم إلى أن  صفحة فلانة هي صفحتها الأخرى، (ولاحظ أنه لا يوجد فيها  أقاربها، وكأنها تخفيها عنهم). كان يشك فيها، لأن تعاليق  المرأتين، تتجاوران بأسلوب مكشوف  في صفحة عشيقها القديم. ونقر على الصفحة الرئيسة  للموقع، فقفزت إلى أعلى المتصفح  مستجدات بعض الخليجيين، وعند الضغط على أسمائهم، اكتشف أنها هي من  أرسلت تطلب إضافات. أمعقول امرأة رخيصة إلى هذه الدرجة.. هي من  تضيفهم ولا يقبلونها؟ وفي رسالة ركيكة أخرى،  كتبت لأحدهم أن لباسها عادي جدا، وخمّن أنه طلب منها – مثله- أن تحذف صورها المثيرة.

أرسل إليها رسالة خاصة، وقد أثار انتباهه وجود كهول عرب في صفحتها الجديدة/ القديمة،  ليس بينهم أي مغربي سوى عشيقها القديم، ولا يوجد بينهم أي شاب..   خاطبها باسمها الحقيقي، مهنئا إياها على تمثيليتها  وعشيقها. فردت مستنكرة : هل أنت مجنون؟ من (…) هذه؟.. يا سيدتي أنا لست مغفلا، إميلك هو من دلّني على صفحتك،  من خلال محرك البحث بالموقع، أنا من قمت بوضع بلوك عليه قبل لحظات، أعرف بأنك موجودة على المسنجر، وعشيقك  المغفل دخل قبل دقائق، وصلني إشعار بقبوله إضافتي.

***

أول مرة  أرى  شخصا  يحب عبر “الشات”.. على أرض الواقع،  قد تتعرف على شخص وتحتاج لمدة حتى تتعلق به. لم ترغب في مجادلة أخت صديقك، كنت مصمّما على معرفة رقم هاتفها، فاعتذرت بأنها ستغيّره، ولن تعط رقمها الجديد لأي أحد، فصديقاتها يعطين رقمها لأصحابهن، ولكي تبرهن لك أنها لا تملك هاتفا، أخرجت جهازين من درج المكتب، وأخبرتك أن أخاها  وعد بإصلاحهما.

المهم أن أعرف رقمك الحالي، وعند تغييره أخبريني بذلك. والمسنجر؟ أنا لا أفتحه ولا أحفظه، مرة واحدة  دردشت مع مصري، ولم أكلمه بعدها، بعد أن سألني ماذا أرتدي تحت… ولم تكلمين المصريين والخليجيين؟ إنهم ينظرون إلى المغربيات كعاهرات سهلات الصيد. أنت صديق أخي، وبصراحة، لا أستطيع أن أضع أخي في وضع محرج، لا أحب أن يتكلم عنه أي أحد. أنا أريد أن أتزوج، لا أرغب في علاقات كهذه،  ولو تعرفت على أي شخص  يجب ألا يعرفه أحد هنا. الآن، فهمت.. قوليها منذ البداية.

أشاح عنها بوجهه، كطفل غاضب، غادر المكتب في انتظار صديقه، ورفع يده طالبا منها التوقف عن الكلام.. لا تكلميني بعد الآن.  وواسى نفسه بأن وقوعه في غرام هذه الشيطانة اللعوب جعله يتصرف بغرابة، ومن قبل لم يكن يبالي بأية فتاة، كيفما كان جمالها، مادام قلبه موصودا : بسبب هذه العاهرة، أرتكب حماقات كثيرة. اللعنة على فصل الربيع، وعلى سعاد وأمل وكل النساء.. قريبات وبعيدات.

***

عنون الرسالة الالكترونية بــ “كمين للخروف السعودي يعترف فيه بأنه استمنى على صدرها”، ووجهها إلى عشيقها الوفي، بعد أن نسخ دردشتي الفيسبوك والمسنجر، والتقط له صورا مخلة بالآداب…

حين فطن إلى حيلته، لأنه غطى كميرته الخاصة، ولم يتحدث معه، مكتفيا بالكتابة، لمعرفة نوع علاقتها بزوج صديقتها… هل هناك من يكتب لصديقة زوجته  بعد إرسال قبلة افتراضية أنه (…) مرتين البارحة، بسبب صدرها، ويكتب عن اشتهائه رؤيته عاريا…؟  قام بوضع الصور الفاضحة للرجل على صفحتها الشخصية، فهدده بأنها ستتصل بالشرطة، لانتحاله شخصيتها، واستخدامه صورها، وطلب منه حذف الصور لأنه سيتزوجها.

***

كان يستمع إلى  أخت صديقه، وهي تنصح صديقتها الزّمّورية أن تنسى  حبيبها، الذي يصغرها بعامين، فالصيف على الأبواب، وسيكون هناك الكثير من الرجال في هذه المدينة الشاطئية، وتضع يدها عند كتفها ناطقة بعبارة : المهم اللباس القصير. أية نصيحة هاته؟ هل تتعرّى من أجل شباب يحضرون إلى المدينة صيفا، ليتسلون فقط، فتتحوّل المدينة إلى ما يشبه الماخور؟ هل نسيت تلك الورقة التي عثرت عليها، وكانت تضم أسماء بنات كثيرات، وأمام كل اسم واحدة رقم هاتفها المحمول؟ استغربتَ – يومها – احتفاظه بالأرقام في ورقة.. لكنك، من المحتمل أن يكون متزوجا، ويخشى أن ترى امرأته أرقامهن في مفكرة هاتفه؟

همس لنفسه:   هكذا تفكر البنات إذًا، وتذكر مشهدا عاينه مرتين، ومن بنات في مثل سن أخت صديقه، وهو يقف أمام البيت غارقا في تأمل ما حوله،   فتاتان، تتهامسان، وسائقة الدراجة النارية تبطئ السرعة، تلتفت إلى صديقتها، وعند اقترابهما من بنتين قامت الفتاة الخلفية بحركة بذيئة… بدس إصبعها في منطقة حساسة،  ومن قبل، رأيت ثلاث تلميذات مراهقات، عائدات إلى بيوتهن، وقبل أن يغيّبهن المنعطف عن بصره، التفت إحداهن لتتأكد أن لا أحد يراهن،  وقامت الفتاتان معا بــ (….) عجيزة الفتاة الوسطى، فانتفضت  كالملذوغة.

***

عند كشك صاحبة الجرائد،  وككل يوم جمعة اعتدت رؤية المتسولات عند رصيف المسجد، وعبّرت عن استيائك الشديد لمزاحمة أمّ ذلك المعتوه، حارس السيارات للمتسولات يوم الجمعة، وهي تعتقد أن لا أحد سيعرفها  حين تخفي وجهها بذلك اللثام، بينما جلبابها الذي لا تملك غيره يفضحها. وسبق أن رأيتهما  في الحديقة العمومية، القريبة من الكشك، وكان المعتوه يخرج كل محتويات جيوبه.

لا إنه ليس ابنها، وإنما (…). أمه طلبت منها الابتعاد عنه، ووصل الأمر إلى القضاء.. لكن لم  تنصفها العدالة. فالابن قال للقاضي أنه وجد عند هذه المرأة حنانا لم يجده عند أمه.. فأمرهم بمغادرة  القاعة.  ولأنك لم تعتد على التلفظ بكلام ناب مع بائعة الجرائد.. كتمت ضحكك، وأنت تفكر في ذلك الحنان المفقود  بين شاب ثلاثيني، شبه مختل عقليّا، وامرأة أربعينية تحترف التسول كل جمعة.

تصفحت الجريدة، عقدت الدهشة لسانك، وأنت ترى على صدر  الصفحة الأولى صورة الفنان الراحل، تحت عنوان بارز، ولم تجد أي تفسير لإرسالك مادة أخرى  من ملف “مراثي الزمن القادم”، الذي تحتفظ به في جهازك، وفي علبتك الإلكترونية أيضا، حتى تستخدمها عند الضرورة، أثناء وجودك بعيدا عن جهازك… كان مقالك مرثية مؤجلة  لشاعرة ثلاثينية، تدوّخ بجمالها الكتّاب، النقاد والقرّاء، الذين لا يجدون غضاضة في التغزل بها، ولعل بينهم كتاب يختبئون خلف أسماء مستعارة ليغازلونها.

مشدوهة رنت إليك بائعة الجرائد،  وأنت تمزق الجريدة بحركة سينمائية،  غير مصدق أنك ترثي  امرأة  مازالت على قيد الحياة، ولعنت العانس البدوية، وكل نساء الأرض…

*كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق