ثقافة السرد

احتراق الوعي

عبد المنعم همت

صُنعت بيد أنيقة تعرف معنى الجمال وتتنفس من ذاكرة البوح الجميل ,, فأنا شمعة متداخلة الألوان والخيط بداخلي هو نخاعي الشوكي الذي يعصمني من الصمت الممل ,, وُضعت في سطح زجاجي مطل على واجهة المدينة .. أتفحص وجوه المارة ويتعبني الرهق المزروع في خلاياهم .. استدير حينا بزهو عندما تلامسني الأيدي الرقيقة ..أشعر بأنني شمعة من عمق الأصالة الشمعية .
في صباح يوم شتوي وأنا أتدثر برونقي وانتشي بعيون المعجبين تم بيعي لفتاة تتقطر أنوثة .. تتحدث برفق , عيناها تلال من ياسمين وعناق محب .. ملمس يديها يختلف عن الذين الفتهم .. ربما هي فتاة من كوكب الشمع النبيل أو أنها بحر ونخلة وتراب .
وضعتني في غرفتها المكونة من دولاب أنيق بنفسجي اللون مزدان بنقوش دقيقة و سرير واسع في طرفه تاج ضخم منحوت عليه زهور وشرشف بلون بنفسجي فيه لون ابيض وأسود خفيف لا يكأد يُرى .. الوسادة بيضاء وعليها زهرة بنفسجية كبيرة بها بروز طفيف . وفي مقابل السرير هناك التسريحة بمظهرها الملكي ورقة تصنيعها مزودة بخزانتين ودرج عريض في المنتصف ومرآة دائرية وعلى سطحها تم وضع العطور وأدوات التجميل . وأمام التسريحة كرسي صغير . جهاز التكييف يعطي المكان فخامة لا توصف . والسجاد يرتفع عن الارض بمقدار دهشتي ..هو أيضا بلون بنفسجي ورسومات بالأبيض والأسود . وعلى الركن الأيمن للغرفة هنالك مزهرية بيضاء عليها ازهار الياسمين وعلى الركن الأيسر للغرفة قطعة زجاجة مقطوعة على شكل كف انسان مكسوة بمخمل .. وُضعت هناك .. جلست كموناليزا .. وضعت كفا على كف وقدما فوق قدم .. فلقد كانت موسيقى زامفير هي سيدة المكان . هي المرة الأولى التي أتخذ من المكان قصرا ملكيا .. قضيت أياما وليالي لا أعرف الا طعم النقاء والهدوء .. في ذات مساء وأنا هائمة في حسني رأيت الفتاة تتقدم نحوي وتحملني برفق وهي تضع سماعة للأذن متصلة بهاتفها الجوال .. اوقدت ثقاب الكبريت ووضعته على رأسي.. مؤلم جدا والأكثر ايلاما أنني ظننتها من كوكب الشمع النبيل .. تحولت دواخلي الى محرقة .. فذاتي تضمحل فلقد أصابتني في عمق شعوري بالازدراء .. وظلت تتمايل حولي اثر الموسيقى الهادئة .. جسدي أصيب بالحروق والتشوهات ونفاق الانسان .. هي ترقص على فيوض دموعي .. المكان مضاء بآهاتي وأوجاعي .. ترقص الفتاة – التي انكشف عنها ما تتوهم من رقة – على احتراقي .. وظلت تطفي النار بعد مرور ساعات لتوقدها مرة اخرى مساء الغد .. هذه هي سادية البشر فهم يتلذذون بالعنف بينهم .. يزينون منازلهم وينسون أن يضعوا قطرة حب على أفئدتهم .. البشر يعطرون أجسادهم ويفضحهم الغائط والعرق المتصبب في لحظات انكشاف الحقيقة .. أنا أحترق لأنني أمثل اليقين بأن الفجر يأتي حتى مساء .. تلك الغرفة ذات اللون البنفسجي تعبر عن تناقض البشر في تنسيقها وفعلها .. أنا شمعة شارفت على الفناء ولكن ضوئي ما زال يعبر .. ويكبر .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

4 آراء على “احتراق الوعي”

  1. مقال ظاهره رومانسي ولكنه يحمل في طياته عتابها للإنسان الذي ابتعد عن الحب وسادت عليه الماديه وتفنن في تجميل نفسه وبينه وترك ماهو أسمى لإنعاش الحياه واسعدها والحب الصادق والتآلف بينهم ولكن رغم هذا العنفوان والغرور والتباهي نسي أن العرق وووو.. فضحته وبين حقيقة ماهي الإنسان الآدمي وليس ملائكي… وهذا ما عودتنا عليه ابو احمد من بوح وكتابه رائعه دائما…

  2. طبيعة النفس البشرية تشعر وكأنها تسمو فوق الثريا وتنسى أن رقدتها الأبدية تحت الثرى ..
    شكرا دكتور منعم على هذه القصة التي أبنت فيها التناقضات التي تكمن دوما في نفوسنا ..

  3. عبقرية التصوير خلقت من ( العادي ) دهشة
    لك التحية وانت تقدم لنا واقعنا كأننا نراه للمرة الاولى

    1. أحيانا التصوير يعطينا نصف الحقيقة أو أقل وانتم صديقي عرفتك معنى الإنسان وقيمته منذ وقت مبكر. .
      انت يا صديقي تملك قدرة المفكر الخلاق ولكن زحمة الحياة حرمتنا من انتاجك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق