ثقافة السرد

أوقات صالحة للتشاجر

عبد العزيز دياب

الظهيرة هي الوقت الأنسب للتشاجر، لكن المشاجرة كانت قد بدأت قبل الظهيرة بقليل: امرأتان بينهما أوجه شبه كثيرة، وبينهما طاولة عارية من مفرش يستر لونها الكالح، ويستر عنها بقايا أطعمة لشخص كان يأكل على عَجَلٍ. امرأتان في نفس السن تقريباً، السن الذي تفعل فيه المرأة كل شىء: تأكل وتشرب، تمارس الجنس والخديعة والمؤامرات، تزوج أبناءها وبناتها، نفس السن الذى تكون فيه المرأة نشطة وخاملة. حيية وفاجرة.
امرأتان كأنما خلقتا للتشاجر، كانت الأولى تجلس على كنبة عندما دخلت عليها الثانية دون سلام أو كلام، اختارت أن تجلس على كرسى الخيزران فى مواجهتها هناك فى آخر الحجرة، لتقوم وتقعد ثلاث مرات أو أكثر، تقترب بعدها وتجلس على حرف الطاولة، دون أن تتحسس متانتها، لكنها أزاحت بقايا الطعام إلى الطرف الآخر، هى بدأت الحديث العادى عندما كانت تجلس هناك على الكرسى الخيزران، وبدأت الكلام الجارح هنا على حرف الطاولة، كلاماً هشم أشياء كثيرة: أوانى فخارية. زجاجات. أكواب شاى…..، كلامها العادي كان محمل بدلالات وإيحاءات شرسة، قبو مظلم كان عليها عبوره ليرتفع صوتها، وتمثل بيديها حركات يَنْدَى لها الجبين، كانت قد انتقلت إلى الكنبة، جلست على الطرف الآخر منها، بعيداً عن المرأة الأولى، تاركة بينهما مساحة يتمدد فيها الغيظ، يتشكل جني بعيون تطق الشرر، على الجدار أمامهما صورة لهذه وصورة لتلك، لكن المرأة الثانية التي تعرف تفاصيل الحجرة جيداً أرخت جفنيها تغض من بصرها.
المرأة الأولى تعرف جيداً أصول الضيافة، بادلت الثانية الحديث بالحديث، والكلام الجارح بالكلام الجارح، وحركات الأيدى بحركات الأيدي.
تعملق الجني، حمى الوطيس وتأجج اللسانان والأذرع والأصابع وانفلتت الصرخة المناسبة. في المسافة التي ما بين الصورتين على الجدار ظهرت صورة لامرأة ثالثة، في نفس السن تقريباً، السن الذي تعرف فيه واحدة مثلها أن الظهيرة هي الوقت النسب للتشاجر، أو قبل الظهيرة بقليل، السن الذي تستطيع فيه واحدة مثلها أن تلعب بامرأتين في مثل سنها ، كما يلعب بالورق مقامر محترف.
غمزت المرأة الثالثة بعينها، طفح الخبث على وجهها، ضحكت، اتسعت ضحكتها، تقاذفت الجدران صهيلها، فيما بدأت صورتها تتلاشى تماماً.

 

*قاص وكاتب من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق