ثقافة السرد

عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- جزء 28

صبحي فحماوي*

قطعت قلوبنا أخبار الباخرة اليونانية التي سافر بها ثلاثة شبان فلسطينين، بلا جوازات سفر، فلم يجدوا مرفأً يقبل دخولهم إلى دولته. تدخل السفينة شاطىء دولة، فينزل ركابها. يراقبون جوازات سفر الأيتام الثلاثة، فلا يجدون معهم غير شهادة أن لا.. فيرفضونهم ويعيدونهم مُحبطين مُهانين إلى الباخرة. وفي الميناء الثاني يبرزون وثيقة سفر فلسطينية، صادرة من دولة لا تعترف هي نفسها بتلك الوثيقة، ولا تسمح لهم هي نفسها بالدخول إلى أراضيها، فيحضرون كلاب الشم البوليسية، ويفتحون لها حقائب المسافرين الثلاثة، فتتقدم الكلاب، وتشم ملابسهم وصررهم، ويرفع كلب رجله اليمنى فيبول على حقيبة أحدهم، فيجر الضابط الكلب بلطف، كي لا يجرح شعور الكلب، ثم يقفلون حقائبهم، ويولجونهم مرّةً أخرى مع الداخلين إلى سطح السفينة، لتعوم بهم، وتشرِّبهم البحر، ثم تنزلهم على شاطىء دولة عربية شعبية اشتراكية ديمقراطية رأسمالية وطنية رجعية تآمرية متحدة ضد الفلسطينيين، فتمنع دخولهم إلى بلادها، بحجة أنهم يجب أن يعودوا إلى فلسطينهم.. هكذا يتنطع الضابط قائلاً: ” إذا سمحنا لهم بالدخول إلى بلادنا، فسوف يتحوّلون للتفكير بالبترودولار، فينسون فلسطين وقضية فلسطين ونضال فلسطين وينسون أننا كلنا إلى فلسطين، وكلنا إليها راجعون”! فيقول له أحد الركاب المطّلعين على المأساة:” ولكن يا حضرة الضابط، العدو الإسرائيلي أخذ منهم هذه الفلسطين، وأغلق أبوابها، ولم يعد هذا التائه قادراً على العودة إلى مغارة الذئب، ولا قادراً على الوصول إلى أي بلد مجاور، لممارسة البقاء، مجرد البقاء! لحين أن يجدوا له صِرفةً ما، في بلد ما، مادام طلبه بالعودة إلى وطنه مرفوضا”! ويستمر الفلسطينيون على سطح السفينة محاصرين كالجرذان ، وحتى الجرذان باستطاعتها الهروب من السفينة إلى الميناء، وأن تعيش في بلد جديد، ولكن أولئك الفلسطينيون- يا حرام – لم يكن يقبلهم ميناء، فبقوا يتنقلون من ميناء إلى ميناء آخر . كان ربان السفينة متضايقاً أكثر منهم، لأنهم وجدوا أن إقامة دولة فلسطين فوق باخرة، هو أمر قابل للبحث، ولكن من سيعطيهم تلك السفينة، وهل سُمِح لغير نوح بأن يُكِّون دولة داخل سفينته، إذا ما غمر الموج أعالي الجبال.. لقد غمر الموج أعالي الجبال يا عذبة، وغرق الفلسطينيون في ماء مالح! غرقوا في بحر ميت! غرقوا في الماء وهم عطشى! فأين المفر؟
أعود إلى غرفتي، فأجد أن سقف الغرفة قد صار خاليا من الذباب، كل الذباب مات، وسقط على الأرض، أشاهد أرض الغرفة، وفراش السرير، كله قد شكَّلَ طبقة سوداء من الذباب الميت، ملاية الذباب النسائية السوداء التي كانت على سقف الغرفة، سقطت وتعرّت صاحبتها، تماماًَ كما تعرّى النصف الأسفل لجارتي المتشمسة فوق السطح ! وصارت طبقة الذباب ملاية سوداء ملقاة على أرض الغرفة، أكنسها وأفتح الغرفة للتهوية، ثم أنام. وفي الغد أعود إلى نفس المشهد، وأعيد رش الغرفة من جديد، أعيد تمثيل المشهد من جديد، وكأن المخرج يطرق لي الخشبة ويقول: “تمثيل ثاني مرة (أكشن)”! فيبدأ رش الذباب من جديد! والجمهور يصفق لي بهياج شديد، ويقول:”عيدها! عيدها! عيدها”! وهكذا يستمر الصراع اليومي مع الذباب! وأما عن البيئة وصحة الإنسان، فلم يكن هناك أحد يسال عن ذلك! كانت الأشباح والأرواح تسكن بيتنا، فمقبرة الحي ليست إلى جوارنا فحسب، بل إن بيتنا الطيني هو نفسه سور المقبرة، وفي الليل كانوا “يسحبون عليّ أفلاماً”، تتعلق بالأرواح والأشباح، فيقول عاطف الساحلي: ابن مطرف، صاحب البيت، أجّرَهُ لنا، واحتفظ لنفسه بإحدى الغرف مغلقة، وقال: إن بها أثاثه الخاص، والغرفة ليس لها شباك، والباب مغلق، والمفتاح مع ابن مطرف، ولكننا في الليل، نسمع أصوات أناس داخل الغرفة، يرفعون الأثاث ويتهامسون، ونحن نسمع أصواتهم المرعبة:” ارفع الثلاجة ! ارفع الغسالة ! ارفع الغاز! ارفع الطاولة! اسحب من عندك. اسحب اسحب. اسحب السجاد!” آ آ آ آ آ آخ قتلتني!” أصوات كهذه، تُسمع من داخل غرفة مغلقة ليس لها شباك، وسورها هو نفسه سور المقبرة! مامعنى ذلك يا عماد” ؟
كنت أصغر شاب بين الزملاء، الذين يسكنون ذلك المنزل التعس، وآخر من التحق بهم. كنت الساكن الجديد، ولذلك كانوا يشرحون لي عن الأرواح والأشباح التي تسكن البيت. وتدخّلَ مجاهد أبو فروة بكرشه الكبير، وصدره الذي يشبه صدر البغل – ولكن هذا البغل العجيب، شعر صدره أشيب، وصدور البغال لا تشيب، وقال بهدوء وهو يؤكد الأحداث المرعبة:” معنى ذلك؛ إن في المنزل قتلى ! وإنهم يترددون مابين المقبرة والغرفة، ورغم عدم وجود شباك أو أي منفذ، إلا أن الأرواح تخترق الجدران في الليل، فينامون في الغرفة، وفي النهار، يعودون ، وأنا أسمع في الليل وقع أشياء ثقيلة، تدب فوق السطوح، فأعرف أنهم يمرون من سطوح إلى سطوح، وأتأكد أن باب غرفتي مغلق، فألبد تحت اللحاف، وأقرأ آية الكرسي وأنام! لم أسأل أبو فروة عن ماهية الأرواح التي تدب ثقيلة فوق السطوح، وهل هي أرواح موتى، أم إنها أرواح أحياء ينطون من سطوح إلى سطوح كي يلتحموا بالمركبة الأرضية لجارتي ؟
وأما الزميل الثالث محمود البقجة، فكان يجلس جاحظ العينين! ومقرفصاً، وكأنه بقجة فعلية ممتلئة من معطيات وكالة الغوث، وكان لتلك البقجة عينان سوداوان ضيقتان مثل بعرتي ماعز، وأذنان عريضتان، كأذني جرة الزيت العتيقة، تستمعان إلى ما يقال، فيرتعب مما يسمع، ويمد أصابع يده لتغلق فمه، كى لا يصرخ من الخوف ! واصل عاطف الساحلي حديثه قائلا:
” الآن فهمت لماذا لم يسكن ابن مطرف في البيت، بل هجره، وأجَّره لأغراب، وقال لنفسه: هؤلاء الفلسطينيون قرود، لا يفهمون أشباحاً ولا أرواحاً! ولا يهمهم شيء، ولا يقدر عليهم أحد، حتى الأشباح تخاف منهم “!
كانت الخرافة تملأ الحارة، ولكنها لم تكن تشكل لديّ أي معنى، سوى أنها وسيلة للتسلية، وقتل الوقت، حتى يأتي آخر الشهر، فنقبض رواتبنا الشحيحة !
تأتي نهاية السنة الدراسية، فنعود إلى معسكرات وقرى ومدن أنصار القريبة من الأراضي المحتلة، نطوف حول فلسطين كما يطوف الحُجّاج حول الكعبة، نشم هواءها، ونبكي إلى جوارها، على أمل أن نعود…” إلى فلسطين خذوني معكم ” هكذا قال نزار قباني:”طريق واحد إلى فلسطين، يمر من فوهة بندقية”! ولكنهم قاموا وعادوا ليخترقوا حدود فلسطين، فمنعوهم من المرور عبر الحدود المدججة بالحراسة! فزحفوا، ومرّوا من داخل فوهات البنادق . ولكن الأعداء أدخلوا بينهم جواسيس وعملاء ،على هيئة مقاتلين يتقنون دورهم في التمثيل، فكانوا كالسوس ينخرون شجرة الثورة..! شاهدتهم في مدينة أنصار 35، في سيارة مرسيدس نوع 180 القديمة، كانت يومها سيارة فخمة حديثة، لا يركبها سوى الأغنياء المرفّهون! كانوا خمسة شباب، بملابس الفدائيين المبرقشة، وعندما وصلوا منتصف المدينة، توقفوا، فتنادى رجال السوق، والناس مستبشرون بهم:” فدائية! فدائيين” !ويقول صاحب دكان:” يا ألهي انظر! انظر! إنهم أناس عظماء “! ويصيح بائع خضار: ” هؤلاء رجال تحرير فلسطين “! كان الناس منبهرين بهم، يستبشرون الغد القادم على أيديهم بعد انتكاسة 67 ! نزل سائقهم من السيارة الواقفة، مستعرضاً عضلاته في منتصف الشارع، وعارضاً ملابسه المبقّعَة بألوان النمر، وكأنه عارض أزياء، وهجم صاحب مقهى مجاور في السوق، فاحضر لهم طبقاً فوقه خمس زجاجات كولا، فشرب الملثمون الكولا، ثم رمى سائقهم الطبق في الهواء، ورمى كل منهم زجاجته الفارغة في الهواء، وللأمانة، فان أحدهم خبطها بأرض الشارع، فتناثر الزجاج شظايا قطع مهشمة ناتئة! واندهش الناس من ذلك التصرف! وكانوا كمن أُسقط في أيديهم! ولم يشكر مبرقعو الثياب من قدّم لهم الضيافة، بل انطلقت السيارة بالرجال المتنمِّرين! قلت في نفسي: “مستحيل أن يكون هؤلاء فدائيين! أكيد إنهم مندسون بين الفدائيين، لتشويه صورتهم “.
وهكذا ازداد تلويث صورة الفدائي، يوماً بعد يوم، من كثرة ما حشروا بينهم من جواسيس، فكلّ ولاية جعلت لها منظمة فدائية تنطق باسمها، وتكون قوةً لها، تأتمر بأمرها، وتنفِّذ دهاءها في المنطقة، ونقلت الولايات العربية خلافاتها مع بعضها، ومع شعوبها إلى داخل العمل الفدائي، حتى أضعفوا كثرتهم، وتضايق الناس منهم، فكان شباب الثورة المجاهدون العاشقون للعودة إلى وطنهم، لا يعرفون، هل يوجِّهون أسلحتهم ضد العدو الإسرائيلي، أم ضد التناقض البريء، أو غير البريء بين منظماتهم، مختلفة المبادئ والانتماءات والأهداف، أم ضد الجواسيس الذين كانوا مزروعين داخل كل منظمة، يحضرون اجتماعاتها، ويزاودون بثوريتهم على الثوريين، ولكنهم يرسلون تقاريرهم كل ليلة إلى أعداء الثورة.
وبعد أن درس الأعداء جينات الخارطة الوراثية للمقاومة، وخارطة الطريق الخاصة بها، وخارطة فلسطين التي يريدون إعادتها، وخارطة الوجوه المشوهة التي دسوها لتفكك براغي الثورة وصواميلها ومفاصلها، انقضوا عليها، فأفنوها عن بكرة أبيها.
وبعد أن تم إتلاف المقاومة العربية خارج فلسطين، اندلعت الانتفاضة في الداخل، ولقنت الإسرائيليين درساً لن ينسوه طوال حياتهم، فاسرائيل لم تعرف لها قتلى بمثل هذه الأعداد في كل معاركها السابقة لاحتلال الأراضي العربية، مثل قتلاها بالانتفاضة. صار مجندوها وأفراد أسرهم، يعرفون طعم الموت، وعذابات الجرحى، وعذابات أهالي الموتى، كما يشعر بها الفلسطينيون، ولكل فعل رد فعل. أليس للمقتول روح، أو شبح يطارد قاتله؟
وفي أحد الأيام زارنا شاب فلسطيني اسمه نايف المبسَّط، قال إنه جاء منذ يومين، خريجاً جامعياً جديداً، وتعاقد للعمل معلماً في مدينة أنصار 330. كان موعد قدومه على الغذاء، وكان المدرس مجاهد أبو فروة، قد أعد لنا طبقاً من البطاطا، مع لحم الدجاج بالفرن، فتجمّعنا حول الطاولة الخشبية الكبيرة، في صحن الدار، نلتهم الطعام، وكان الذباب يهاجم طبق البطاطا، بأعداد لا يمكن حصرها، أو مراقبة حركاتها، مثل حركة طرد النحل! نظر نايف المبسَّط إلى طبق الطعام، والى الشهيّة الانتقامية من طرفنا، نحن الملتهمون، فقال عاطف الساحلي لنايف المبسط:” تفضل معنا إلى الغذاء يا نايف، يا الله، مد يدك!” كان نايف جائعاً، ولكنه قال وهو ينظر إلى الذباب المغُير بشراسة، على قواعده الأرضية: ” مليش نِفْس” فقال له أبو فروة: “إذا كان ملكش نِفْس، قم ونشّ الذباب عنا، خلينا نعرف ناكل.” كانت أسنان أبو فروة تعلو وتهبط، طاحنةً الطعام، سواء أكل نايف أم لم يأكل، فلا شيء يهم أسنانه التي تطحن كل شيء! البطاطا مع الدجاج مع الذباب!
وكان يزور عاطف الساحلي من الحارة المجاورة ، مدرِّس نحيل الجسم، قليل الكلام، لا يتفوه إلا بما قلّ ودلّ، اسمه موسى الكحتوت، وهو يمط لهجته بالحديث مطّاً: “كييف حاالك عاطيف”؟ وفي نفس الوقت تكون يده قد امتدت تحت سرير عاطف، حيث علبة دهان الأحذية، وفرشة الدهان، وبسرعة يلمِّع حذاءه مجاناً وهو يسأله عن أخباره التي لا يهمه منها سوى تلميع حذائه، ثم يقوم ويغادر فوراً!
وفي إجازة عيد الفطر، زارنا يوسف عبد الحميد ابن عم أبو فروة، قادماً من قرية أنصار 888 النائية في قلب الصحراء، وعندما سألته، أشاد بالحياة في تلك القرية، وقال إنهم هناك يخبزون الخبز، بأن يضعوا رقائق العجين بطريقة معينة داخل رمل الصحراء الملتهب الحرارة، فيخرج العجين خبزاً ساخناً، يأكلونه هنيئاً مريئاً. وتباهى أمامي بأنه يذبح في كل يوم دجاجة على الغداء. استغربت الأمر! فمن أين يأتي الدجاج كل يوم إلى تلك الصحاري النائية؟ وعندما (فسّر الماء بعد الجهد بالماء.) فهمت أنه يذبح كل يوم على الغداء ظرفاً مختوماً من شوربة دجاج “ماجي”! فضحكت كثيراً! ولكن الولد، الخريج الجديد، المدني المدلل؛ نايف المبسّط شعر بخوف، وبدا مرعوباً بهذه الغربة المهنية في الصحاري العربية !

*روائي فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق