ثقافة المقال

بين المجتمعات المستهلِكة …والأخرى المُنتِجة ؟ا

بقلم: جمال نصرالله

منحتني مؤخرا إحدى المؤسسات العربية التي تحوز على مقر لها في إحدى العواصم الأوروبية مجموعة من كتب القراء الخاصة بفصل الصيف.وجاء في الملصق الخارجي للغلاف البريدي بأن العملية شملت عددا كبيرا من أصدقاء المؤسسة من كتاب وشعراء..وأن الهدف منها هو تشجيع الناس على نمط معين من القراءات الخفيفة لموسم الصيف مراعية طبعا لنوعية هذه الكتب خفيفة الدسم؟ا
وقد تساءلت لحظتها بأن هذا السلوك الحضاري مفقود ببلادنا الجزائر إلى أقصى حد.ولم تقم به أية ومؤسسة أو دار نشرمن ذي قبل اللهم إلا تلك المكتبات المتنقلة العمومية التي من المؤكد بأنه وصلت حتى لا نقول صُدمت بحقيقة مُرة وهي أن غالبية المجتمع الجزائري لا يقرأ..ولا رغبة ملحة أو حاجة له في ذلك ؟ا لأن مبادرات من هذا القبيل تراها قد وصلت إلى قناعات بأن الفرد عندنا تملأ رأسه هموم وانشغالات أخرى أهمها التجارة والسفر والرياضة والملاعب الجوارية والاستجمام أو الركون أمام طاولات الدومينو… لن تتوفر لديه أدنى رغبة في التوجه نحو تزويد وإشباع شخصيته بكثير من المعارف والتجارب الحياتية للغير …الدراسات التي أجريت عبر حقب متتالية توصلت لنتيجة مفادها بأن القراءة هي سلوك حر ورغبة من صاحبها لا يمليها عليه أي أحد مهما كانت منزلته..وأنها لا تعني في الجوهر المسك بالكتب والبحلقة في صفحاتها لعدة ساعات …فالقراءة تتنوع جوانحها وجوانبحها فالذي يجلس قُبالة جهاز الكمبيوتر يعتبر قارئا مع التسليم بنوعية ما يتابعه..والذي يُحمّل المواضيع الهامة من غوغل واليوتوب على أساس نية الإطلاع عليها ومعرفتها والإستفادة من الجدالات كذلك قارئ من نوع خاص..ووصل هذا الفريق أو ذاك إلى علامة مسجلة في هذا الشأن وهي أن القراءة هي السبيل الأوحد نحو المعرفة.وهي كالحكمة من أتاها وقطفها فقد أوتي خيرا كثيرا.ومن تركها وأهملها فقد عاش بسيطا لا تغييرات جديدة تطرأ على ذاته.بل تظل شخصيته تراود نفسها وتجتر نفس الأفكار والتصورات غير القابلة للتجديد والقفز نحو الأفضل …المعرفة سلاح العصر الفتاك به تتنافس الأمم وإلا ما الذي يعنيه مصطلح سوق المعرفة.فمثلا ما كان يدور طيلة القرن الماضي بين القطبين(أمريكا والإتحاد السوفياتي) لم يكن في الأصل سباقا نحو التسلح قدرما كان سسباقا نحو المعرفة والتكنولوجيا . قلنا بأن القراءة هي محك حاد وهام لأجل تحذيق الذات وصقل مواهبها وقدراتها مهما كان نوعها.وأكيد بأن الله سبحانه وتعالى حينما أنزل أول كلمة وهي إقرأ..كان في ذلك اختبارا ودعوة للتأمل والتدبر وحث الناس على المضي قدما في شحذ الهمم والشد على السواعد من أجل بلوغ المراتب الأولى في التبصر والتنوير…(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )

لذلك فنحن نلوم هنا الكثير ممن يهملون هذا الجانب ويعتبرونه شيئا ثانويا وهو في الأصل الجوهر واللب..لأن المجتمعات الاستهلاكية ويجوز أن نقول المستهلِكة فقط وهي غير المنتجة تظل وتبقى دوما في ذيل الأمم.لأن الإنتاج يأتي بتكوين وتأهيل العقول حتى لا نقول تغذيتها بدل تغذية البطون وفقط ؟ا والانتاج المرجو هنا هو التحصيل المادي والفكري التربوي والتعليمي وكذلك ما يترتب عن مخابر البحث العلمي ؟ا
فالمجتمعات التي تعمل فقط على إشباع غرائزها ونزواتها دون بحث عن المعارف بشتى طرقها وأساليبها وقد قيل في هذا الشأن حكمة هي (شعب مثقف لا يجوع) لأن المجتمعات المثقفة تستطيع التعامل مع الأزمات وتجد وتبتكر لها من الحلول الكثير الكثير قصد الخروج من عنق الزجاجة….أما المجتمعات البسيطة المكتفية بمستوياتها العادية فإنها تعجز عن إيجاد الحلول الناجعة وابتكار الحيل والأفكار النيرة قصد تجاوز الأزمات ومعالجتها علاجا علميا دقيقا ومن ثمة توفير وصفات السلامة والحفاظ على التوازنات المُرادة….يبقى فقط بين هذا وذاك هو الإنسان الفرد الذي هو أصل كل المعادلة هذه..لأن الإنسان خُلق على أحسن تقويم..ولابد له من إتمام كل المهمات الملقاة على عاتقه كما جاء في معظم الأدبيات والعلوم والأديان…وإلا ظل في أسفل السافلين ؟ا

*شاعر وصحفي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق