ثقافة السرد

أضواء المدينة

بول بيتي  ترجمة: عزة حسون

لم أفهم يوماً فكرة المدن الشقيقة رغم افتتاني بها. تبدو الطريقة التي تُختار بها المدن التوائم، كما تسمى أحياناً، ويُخطب ود بعضها بعضاً، أقرب لسفاح قربى منه للتعايش. صممت بعض هذه الشراكات كشراكة تل أبيب وبرلين، باريس والجزائر، الهونولولو وهيروشيما لتكون علامة فارقة على نهاية عداوات وبداية السلام والرخاء بينها. الأمر أشبه بالزواج المدّبر حيث تتعلم المدن أن تحب بعضها مع الوقت. هناك مدن تتزوج قسراً لأنّ إحدى المدن حبّلت مدينة أخرى في موعدهما الأول بعد غزلٍ عنيف وخارج عن السيطرة لقرون عديدة كأتلانتا ولاغوس. بعض المدن تتزوج من أجل المال والحظوة بينما تتزوج أخرى من مدن أدنى منها لتهين بلدانها الأم. احذر من هي مدعوة إلى العشاء؟ إنها كابول! بين الفينة والأخرى تلتقي مدينتان وتقعان في الحب بدافع من الاحترام والحب المشترك للنزهات الطويلة والعواصف الرعدية وموسيقى الروك أند رول الكلاسيكية. فكّر بأمستردام واسطنبول، بوينس أيريس وسيؤول. ولكن في الوقت الراهن حيث المدن العادية تحاول جاهدة أن توازن ميزانيتها وتحمي بنيتها التحتية من الانهيار فإن معظم المدن تعاني في بحثها عن الشريك الروحي لذلك تأسست منظمة المدن الشقيقة العالمية التي ستتولى مهمة العثور على الشركاء المناسبين للبلديات الوحيدة.

حدث هذا بعد يومين من حفلة عيد ميلاد هومني. كنت أنا وبقية سكّان “ديكنز” لا نزال نتعافى من آثار الشراب عندما اتصلت بي مستشارة زواج المدن السيدة سوزان سيلفرمان بخصوص طلبي. لم أكن يوماً متحمساً كما كنت.

” مرحباً. أسعدنا الاطلاع على طلبك بخصوص أخوية المدن العالمية، إلا أننا فشلنا في العثور على مدينة “ديكنز” على الخريطة. هل هي قريبة من لوس أنجلس؟”

” كانت مدينة معروفة ولكنّها الآن منطقة محتلة مثلما هي “غوام” أو “ساموا الأمريكية” أو “سي أوف ترانكوليتي.) ساموا الأمريكية أو سي ها الآن أصبحت منطقة محتلة مثل غوام ة العالمية التي تعثر على الشريك المناسب للمدن الوحيدة. “؟

” هل هي قريبة من المحيط؟”

” أجل من محيط الأسى.”

” حسناً لا يهم إن كانت مدينتك معروفة لأنّ منظمة المدن الشقيقة العالمية تنجح دوماً في جمع المدن مع بعضها. على سبيل المثال المدينة الشقيقة ل(هارلم، نيويورك )هي (فلورنسا ،ايطاليا) بسبب نهضتهما. هل مرت “ديكنز” بفترة نهضة؟”

” لا، لم نشهد يوماً تنويرياً واحداً.”

“هذا سيء للغاية لكن أتمنى لو أنني عرفت مسبقاً أنها مدينة ساحلية لأنّ هذا كان سيحدث فرقاً. أدخلت بياناتكم الديموغرافية إلى كومبيوتر ( أوربانا) الذي سيحاول ايجاد مدن متوافقة والنتيجة ثلاث مدن ممكنة.”

أمسكت بالأطلس وحاولت التكهن بتلك المدن المحظوظة. كنت أعرف جيداً أنني لا أستطيع توقع روما أو نيروبي أو القاهرة أو كيوتو، ولكنني تخيلت مدناً بديلة وجميلة مثل نابلس أو لايبزغ أو كانبيرا.

” فلنرَ هذه المدن الشقيقة الثلاث وفق ترتيب التوافقية…خواريز وتشيرنوبل وكينشاسا.”

في الوقت الذي لم أفهم فيه كيف وصلت “تشيرنوبل” إلى القائمة، فهي ليس بمدينة، خاصة أنّ “خواريز” و”كينشاسا” تعتبران من المدن الكبيرة مع هوية عالمية ومن دون سمعة سيئة. ولكن المتسولين لا يسعهم الاختيار.

“سنقبل بالمدن الثلاثة!” صرخت عبر الهاتف.

“هذا جيد ولكن يؤسفني القول أنّ المدن الثلاثة رفضت ديكنز”

“ماذا؟ لمَ؟ على أي أساس؟”

” تشعر خواريز ( ويعني اسمها المدينة النازفة) بأنّ “ديكنز” عنيفة جداً. أمّا تشيرنوبل ورغم انجذابها للفكرة فقد شعرت بأنّ قرب ديكنز من نهر لوس أنجلس ومعمل معالجة مياه الصرف الصحي يخلق مشكلة، ولديها تساؤلات حول عدم تدخل السكان للحد من التلوث المتفشي. بينما كينشاسا من جمهورية الكونغو الديموقراطية…”

” لا تقولي لي أنّ كينشاسا أفقر المدن في العالم حيث مدخول الفرد الوسطي لا يتعدى ثمن جرس معزاة، سعر شريطي كاسيت مهربين لمايكل جاكسون، وحصة الفرد من الماء الصالح للشرب ثلاث جرعات سنوياً تعتقد بأننا فقراء جداً لترتبط بنا.”

“لا بل تعتقد أنّ (ديكنز) سوداء جداً. هؤلاء الزنوج الأمريكيين المتخلفين غير مستعدين!” هذا ما قالوه.

كنت محرجاً جداً أن أخبر هومني أنّ جهودي لايجاد مدينة شقيقة لـ “ديكنز” قد فشلت، وماطلته قليلاً ببعض الأكاذيب السوداء، “أظهرت مدينة “غدانسك” بعض الاهتمام وهناك بعض المشاعر من “مينسك” و “كركوك” و “نيوارك” و”نايك”.” بعد هذا نفدت من ذاكرتي المدن التي تنتهي بحرف الكاف أو أي حرف آخر. وفي استعراضٍ لخيبة الأمل وضع هومني صندوق عبوات حليب بلاستيكي في ممر السيارة وعرض نفسه للمزاد عاري الصدر بثديين متهدلين وهو يقف إلى جانب لافتة ثُبِتت على المرج تقول: للبيع- عبد زنجي سبق وأن استعبد- يُضرب أيام الخميس حصراً – متحدث جيد.

بقي على هذه الحالة لأكثر من أسبوع. ولم يتحرك من مكانه رغم صوت بوق سيارتي المتواصل، لذلك كلما أردت استخدام السيارة كان يتوجب علي الصراخ : ” انتبه يا رجل، انتبه أيها الكويكر*!” أو “ها قد أتى فريدريك دوغلاس** ودعاة إلغاء العبودية اللعينين. انجُ بحياتك!” هذا كان يدفعه إلى الركض بحثاً عن ملجأ تحت سيقان الذرة. ولكن في أحد الأيام احتجت الخروج بسيارتي في موعد غرامي لكنه أبدى عناداً خاصاً.

“هومني، حرّك طيزك عن الطريق”

“أرفض أن أتحرك من أجل شخص لا يمكنه القيام بمهمة صغيرة كإيجاد مدينة شقيقة. زنجي الحقل هذا يرفض التحرك اليوم.”

” زنجي حقل؟ ليس الأمر أنني أريدك أن تتحرك ولكنك لا تقوم بأي عمل هنا. تمضي معظم وقتك في “الجاكوزي”. زنجي حقل يا طيزي! يا أيها الزنجي السكير المتبطل في حمام الساونا والجاكوزي تحرّك الآن!”

وقع اختياري في النهاية على ثلاث مدن كل واحدة منها تشبه “ديكنز” مع بلديات حقيقية اختفت في ظروف مريبة. المدينة الأولى “طيبة”، ولا أعني بها المدينة المصرية القديمة بل موقع تصوير الفيلم الصامت العظيم “الوصايا العشرة” للمخرج سيسيل بي دي ميلز. بُنيت عام 1923 ودُفِنت تحت كثباننيبومو على طول سواحل غوادالوبي في كاليفورنيا وكانت بواباتها الخشبية العظيمة ومعابدها ذات الأعمدة وأبو هول المصنوع من الورق منزلاً لرمسيس وكتائب الرومان وملحقات جحافل الجيوش. ربما في أحد الأيام ستقوم عاصفة بكشف النقاب عنها ونفض الغبار عنها، حينها سيتمكن موسى من قيادة الإسرائيليين إلى مصر و”ديكنز” إلى المستقبل.

أمّا المدينتان المزدهرتان التاليتين اللتان ستتآخيان مع “ديكنز” فهما “دولرشايم” في النمسا و “لوست سيتي أوف وايت ميل بريفيليج”***. “دولرشايم ” مدينة منسية في شمال النمسا وهي أشبه بقذيفة مرمية عبر الحدود التشيكية. إنّها المدينة التي ولد فيها جد هتلر من جهة أمّه، وتقول الأسطورة أنّه قبل الحرب وفي محاولة من قبل الفوهرر لمحو تاريخه الطبي (خصية واحدة وعملية تجميل للأنف واصابته بالزهري وصورة بشعة له كطفل) وكنيته الأصلية (شيكلغرابر- بوش) وسلالة يهودية، طلب من جيشه المجنون اثباتاً على جنونه fقصف البلدة أثناء حكم الرايخ الأول. وتبين أنّ هذا الطمس التاريخي حركة تكتيكية ناجحة، إذ ما من أحد عرف أي شيء أكيد عن هتلر ما عدا أنه سافل حقيقي خال من الفكاهة وفنان محبط، إلا أنه بالإمكان قول ذلك عن أي أحد آخر.

كانت هناك حرب مزايدة بين المدن المهجورة حول العالم للحصول على شرف التآخي مع شقيقة “ديكنز” الثالثة: فاروشا. وليست فاروشا إلا منطقة مهجورة، وقد كانت يوماً منطقة حيوية وناهضة في مقاطعة فاماغوستا في قبرص التي أخليت خلال الاجتياح التركي ولم يتم تدميرها أو اعادة توطينها ولها أن تشكل عرضاً مثيراً. وقد تلقينا عرضاً من محطة “بوكر هيل” المنتجع الفرنسي غير المأهول الذي تستمر آثاره المبهرجة حتى اليوم بالتحلل في عمق الأدغال الكومبودية.

بعد عرض مذهل حلّت “كاراكاتوا” الواقعة شرق جزيرة جاوا في الطليعة بينما قدمت مدن أخرى مزقتها الحروب مثل “أورادور- سور- فاريس” في فرنساو “باوا” و “غورومو” في جمهورية افريقيا الوسطى عروضاً قوية من أجل أخوية مدنية. لكننا في النهاية وجدنا أنّه من المستحيل تجاهل الالتماس الحار من مدينة “لوست سيتي أوف وايت ميل بريفليج” المدينة الاشكالية التي يشكك العديد (معظمهم من الذكور البيض) بوجودها، بينما يجزم آخرون بأنّ جدران المكان تصدعت دون مجال لإعادة البناء تحت تأثير موسيقا الهيب هوب وأدب روبرتو بالينو، وحيث تعني شعبية لفائف التونا الحارة ورئيس أمريكي أسود للغالبية البيضاء ما تعنيه بطانيات الجدري للأمريكيين الأصليين. ويجادل من يميلون للإيمان بالإرادة الحرة والسوق الحرة أن “لوست سيتي أوف وايت ميل بريفليج” مسؤولة عن أفولها الذي يعود إلى سلسلة المراسيم الدينية والعلمانية المتناقضة الآتية من السلطة العليا ما أربك الذكر الأبيض سريع التأثر، وجعلته فريسة لقلق نفسي واجتماعي شديد منعه من ممارسة الجنس والتصويت والقراءة. والأهم حرمته من التفكير بأنّه الأهم والوحيد أو على الأقل حرمته من التظاهر بأنّه كذلك في العلن. ولكن على أي حال أصبح من الصعب بمكان المشي في شوارع “لوست سيتي أوف وايت ميل بريفليج” وأنتم تغذون غروركم بترديد بديهيات خرافية مثل “نحن من بنى هذا البلد!” بينما حولكم الملونون يعملون ويطبخون وجبات فرنسية فاخرة ويصلحون سيارتكم. لا يمكنك الصراخ ” هذه أمريكا أحبوها أو اتركوها!” بينما في أعماقكم تريدون العيش في “تورنتو”، المدينة التي قلتم للجميع إنها “عالمية جداً” بينما كنتم تقصدون بكلامكم “ليست عالمية جداً”. كيف يمكنكم أن تنادوا أو تفكروا أنّ أحدهم “زنجي” بينما أطفالكم المهذبون البيض كالزنابق ينادوكم بـ”زنجي” عندما ترفضون اعطائهم مفاتيح السيارة؟ وحين يقوم “الزنوج” يومياً بأمور من المفترض أنهم لا يجيدونها كالسباحة في الأولمبياد أو تصميم فناء منازلهم. يا إلهي إن استمر هذا الهراء فسيقوم أحد الزنوج في يومٍ ما، لا سمح الله، بإخراج فيلم جيد. ولكن لا تقلقي يا مدينة “لوست سيتي أو وايت ميل بريفليج” فأنا وهومني سنحميك وكلنا فخر بأن تصبحي شقيقة “ديكنز” المعروفة بكونها معقل السود الأخير.

فصل من رواية “الخيانة” The Sellout الفائزة بجائزة “البوكر” لعام 2016. يمكنكم أيضاً قراءة مقابلة مع الكاتب بول بيتي ضمن مواد هذا العدد وهي بعنوان ” بعد رفضها 18 مرة.. “الخيانة” تحصد البوكر”

*كويكر: عضو في “جماعة الأصدقاء” وهي جماعة دينية تعود لطائفة دينية تأسست في بريطانيا عام 1652 من قبل جورج فوكس. ترفض هذه الجماعة الطقوس المقدسة أو الترهب وتعارض العنف، و محور الايمان في هذه الجماعة يدور حول فكرة أنّ الوحي الإلهي لحظي وفردي.

** فردريك دوغلاس (1818 – 1895) كان عبداً وتحرر فأصبح كاتباً وواحداً من أكبر دعاة التحرر من العبودية في أميركا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق