قراءات ودراسات

الرواية الفرنسية من أصول عربية

هادي يحمد
مثل حصول الروائية “ماري نداي” (من أب سنغالي وأم فرنسية) على جائزة “كنكور”Goncourt الروائية الفرنسية الشهيرة سنة 2009 تأكيدا جديدا على ولادة جيل جديد في الأدب الفرنسي من أصول مهاجرة، مثلها مثل “نينا بوراوي” الجزائرية الأصل، و”فائزة قنة”، و”عزوز بقاق”؛ حيث أصبحوا يمثلون جيلا جديدا من أبناء المهاجرين، يطرق أبواب لغة فولتير غير عابئ بكل ما تعيشه فرنسا هذه الأيام من جدل حول تحديد من هو الفرنسي! هذا الجيل الثاني من أبناء المهاجرين في فرنسا لم يعد يقبل أن تنقل صورته، أو أن يكون حاضرا في “كومبارس” الراويات وتفاصيل تفاصيلها، بل إنه حمل القلم ليكون هو منتج هذه الراويات وبطلها في الآن ذاته. 
الطريف.. فالمخيف ..

ولكن قبل أن يصعد إلى الواجهة وإلى وقت قريب كان “المهاجر” و”العربي” أو “المسلم” شخصية هامشية جدا في الأدب الفرنسي المعاصر فعادة ما يصور العربي -المسلم- المهاجر بكونه “صاحب دكان صغير للمواد الغذائية” في أحد شوارع المدن الفرنسية كما يصور “بالمضحك” و”المهرج”، كما في سنوات الستينيات والسبعينيات مع رواية “الحياة أمامنا” La Viedevant soi (صدرت سنة 1975) للروائي “اميل اجار”، والتي يحكي فيها لقاء “روزا” العجوز اليهودية الناجية من “الهولوكست” مع “مومو” الصبي العربي المضحك والطريف. 

وإذا عدنا إلى رواية “الغريب” l’etranger لـ”البار كامي”، والتي تعد أحد أعمدة الأدب الفرنسي المعاصر (صدرت سنة 1942) على سبيل المثال فإنه رغم أن الرواية تدور أحداثها في العاصمة الجزائرية زمن الاستعمار الفرنسي، فإن حضور العربي يبدو هامشيا جدا، والذي يذكره “كامي” في حادثة السكين على شاطئ البحر والخصومة التي نشبت بين الراوي وبين العربي، وهذا الحضور العربي -المهمش في روايات “كامي” بالذات- يعد بالنسبة للبعض أمرا مفهوما لاندراج الرواية في “التيار العبثي- الوجودي” الذي لا يعطي أهمية كبرى لمسألة الانتماء الجماعي وإعطاء المكانة للإنسان على أنه فرد. 

وفي الروايات الفرنسية الحديثة لا نجد للعربي -ابن المهاجر- المسلم أثرا كبيرا في الراويات الفرنسية الأكثر مبيعا مثل: روايات “اميلي نوتومب” التي تسرح قصصها في عالم الفانتازيا والخيال أو روايات “فريديرك بيبداير” أو “فيليب بيسون” أو “مارك ليفي” وغيرهم من الأسماء المعروفة في عالم الرواية الفرنسية الحديثة. 

ولا شك أن الإشارات القليلة التي نجدها هنا وهناك في الرواية الفرنسية الحديثة قد نقلت صورة “العربي – الطريف” في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث تحولت تدريجيا إلى صورة “العربي – الشرير – الإرهابي”، أو الغامض المخيف كما نجدها في رواية “العربي” L ‘Arabe للروائي “ادوار انطوان” التي صدرت في السنة الماضية (2009)، والتي تروي حكاية العربي – الغامض الذي يحل بقرية في جنوب فرنسا للعمل، ويسكن في الطابق السفلي لإحدى العمارات، والذي يرتبط اختفاؤه المفاجئ من القريبة بحصول جريمة قتل غامضة. 

من الهامش إلى الندية

بالرغم من محاولات الكتاب الروائيين من المهاجرين الأوائل الذين يكتبون بالفرنسية من أمثال اللبناني “أمين معلوف” والمغربي “الطاهر بن جلون” في تقديم صورة جديدة للعربي – المسلم والمهاجر بشكل عام في صورة الإنسان الحامل لآمال وطموحات وأحزان وهموم اجتماعية وسياسية وإنسانية مثل غيره من أبناء القارة العجوز، فإن احتلال مكانة الندية في الرواية الفرنسية، والشعور بأن الفرنسيين من أبناء المهاجرين يمكنهم أن يكتبوا أدبا وهم الذين ولدوا في هذه البلاد، وتربوا في مدارسها ستنشأ مع الجيل الثاني والثالث من الفرنسيين من أصول مهاجرة، وهم الذين بقوا طويلا في أدنى السلم الاجتماعي والثقافي بالشكل الذي كانت تنسب إليهم في الحياة اليومية كل الأعمال الشاقة فيما يسمى في الثقافة الفرنسية الشعبية “بالأشغال التي يقوم بها العرب”. 

ليس هناك بداية زمنية محددة للبدايات الأولى لأدب الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين، ولكن يذهب العديد من النقاد إلى أن المسيرة الشهيرة لأبناء المهاجرين سنة 1983 احتجاجا على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية أذنت لبروز هذا الجيل إلى العلن وبلوغه مرحلة الرغبة في التعبير عن طموحاته وآماله وأوجاعه، خاصة إحساسه بالتمييز. 

من جيل “مسيرة سنة 1983” برز جملة من الروائيين الشبان الأوائل، خاصة “رمضان إسعاد”، و”بول إسماعيل”، و”ثريا نيني”، و”كريم سروب”، و”مهدي لالاوي”.. وغيرهم. 

ومع المحاولات الأولى لاقتحام عالم الرواية الفرنسية بقيت الأكاديمية الفرنسية للتعليم تنتظر “عزوز بقاق” وروايته “ابن شعبا” Le Gone du Chaâba (صدرت سنة 1986) لكي تعتمد نصوصها في بعض أقسام الابتدائي، وهي الرواية التي يروي فيها “بقاق” طفولته وشبابه في أحياء الضواحي في مدينة “ليون” في وسط فرنسا، ولقيت هذه الرواية نجاحا كبيرا زمن صدورها، وهي التي تحولت فيما بعد إلى فيلم سينمائي. 

ثلاث نساء إفريقيات

ومن المفارقات أن محور معاناة الآباء بقي حاضرا في التناول الروائي للفرنسيين من أصول مهاجرة إلى اليوم فـ”ماري نداي” الحاصلة على جائزة “كونكور” هذه السنة تحكي في روايتها “ثلاث نساء قويات” Trois femmes puissantes وهي الرواية الفائزة بالجائزة عن قصة ثلاثة نساء إفريقيات هن: “فانتا”، و”نورة”، و”خادي دمبا”؛ حيث يتنقلن للعيش بين فرنسا وداكار في السنغال، ومن فرنسا إلى السنغال، وما يعنيه هذا الترحال من قصص القدوم وصعوبات الاستقرار والاندماج في مجتمع مغاير. 

ربما كانت رواية “أبي يعمل منظف منازل” ‘Mon père est femme de ménage -التي صدرت هذه السنة أيضا للروائية الشابة “صفية عز الدين”- تعبيرا عن هذا المحور الذي ظل قارا في الرواية الفرنسية من أصول مهاجرة بفرنسا، والذي يلحق بعنصر الشعور بالتمييز والعنصرية. 

من غير شك فإن هذا العنصر القار “أي معاناة الآباء الأولين” نجده في التجربة الروائية لـ”فايزة قنة” في روايتها “مثل الأمس” kiffe kiffe demain (صدرت سنة 2004) أيضا و”نينا بوراوي” مع ميل الثانية أكثر إلى معالجة القضايا النسوية بكل جرأة عبر تكسير التابوهات الاجتماعية، وهو الأمر الذي كشفته في روايتها “المشاهدة المحرمة” (صدرت سنة 1991) La Voyeuse interdite، وهي الرواية التي حصلت على جائزة “انتار” الفرنسية، والتي تكشف فيها بوراوي عن الصعوبات التي تواجهها المرأة العربية المسلمة في مجتمع رجالي مهيمن لا يتيح مجالا كبيرا لحرية المرأة. 

جزء من المشهد

لا شك أن الرواية الفرنسية من أصول مهاجرة تندرج حتما في المشهد الروائي الفرنسي العام، ولكنها تحمل الخصائص الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للفئة الجديدة من الفرنسيين من أصول مهاجرة، وهي بذلك تبقى معايشة ومعبرة عن الواقع الفرنسي بتفاصيله، بالرغم من كونها تحمل كل عبء الهجرة وصعوبات الآباء القادمين من بعيد بحثا عن الشغل والحرية.

فالروايات الفرنسية من أصول مهاجرة -والتي تعبر عن جيل جديد من الفرنسيين عبر نماذج فايزة قنة، ونينا بوراوي، وماري نداي، وغيرهن- ما تزال تجمل معاناة الآباء التي تحتل مكانة كبيرة من الكتابة، وهو هم أدبي، يضاف إليه شعور جيل كامل من الفرنسيين من أصول مهاجرة أن أمامهم وقتا طويلا من أجل اعتبارهم فرنسيين كاملي المواطنة على الصعيد الواقعي الرسمي، بعيدا عن القوانين المنصفة. 

غير أن تتويج رواية الفرنسية من أصول سنغالية “مري نداي” هذه السنة، وتوالي الإصدارات في السنوات الأخيرة لروايات تنتمي إلى هذا الجيل من أبناء المهاجرين أثبت -فضلا عن بداية تشكل نخبة أدبية من أصول مهاجرة- أن سؤال الهوية الوطنية الذي تطرحه الحكومة الفرنسية، والذي استهدف الفرنسيون من أصول مهاجرة في الأشهر الأخيرة، سؤال لا معنى له، أو هو نقاش غير ذي جدوى بالنسبة لجيل تمثل اللغة الفرنسية -والتي تمثل جوهر الهوية الفرنسية- لغته في التعبير عن أحلامه وآلامه. 

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق