ثقافة المقال

جائزة عرب ال ..48

جَرْس: رجاء بكريّة

((.. فنحن لا نطالب أي جهة أن تُشَرّع تميّز أيّ قلم يكتب لمجرّد أنّه فلسطيني لا في الدّاخل ولا في الخارج. وكما حصل كتّاب فلسطينيّون كثر على جوائز عربيّة عالميّة يجب أن يحصل حاملو أقلامنا المبدعين على تلك الجوائز لتميّزها واختلافها وسَفرِ جِهاتِها لفضاءات عطر نافذ..))، رجاء.ب

المواقف بالعادة لا تشترى كما أفهمها أنا، بل يُحدِّدُ معايير الأخلاق الّتي لشُخوصها، بَخورُ نُبلِها.

ويضاف،، أنّ رأساً تجيدُ رسم فكرهِا تقفُ خلفها، دون أدنى شك. تجتهدُ في تقويم أبجديّتها كلّما مالت عن سطر قلبها، وبيكار خطواتها, تلك المواقف النّزيهة الّتي اعتدنا على دروبها التّرابيّة يجب أن تظلّ بوصلتنا في الدّاخل الفلسطيني أو العربي، سمّوه ما شئتم بعيدا عن فذلكات مخترعيهِ وموقظي فتنتهِ. ثمّ أضيفُ في معرض قولي هذا، أنّا ككلّ شعوب الأرض نملكُ كتّاباً ونقّاداً بوجهي العملة، المعتم والمضيء، لكنّ الأهم أنّ موهوبي الملَكَة حين يريدون على قلّتهم، يحضرون هنا، وأعني على صفحات مواقعنا ومطبوعاتنا، وواجبهم أن يدلوا بآرائهم ولا يتركوا الأدباء أنفسهم يقوّمون الطّريق لأدباء مثلهم لأنّهم يقرأون، ويسافرون. يرقصون ويخترعون دربكة اللّحن. باختصار يغرفون أكثر منهم من دهشةِ حياة لا تطالُهم ، أو يختلفون عنهم بسماكة الخطِّ الّذي يٌعرّفون بهِ مسالك الحكايا الصّحيحة أو الخاطئة، وأعني كتّابا باعهم بلا حدود في نقشِ الأدب، يعرفون أنفسهم جيّدا في النّقد الفكريّ والصّناعة الأدبيّة باختلاف مناحيها.

وضمن ما يقلقني هذه الأيّام مسألة استيقظت متأخّرة تتعلّق بجواز حصولنا على جوائز عربيّة أو عالميّة. ومع اتّفاقي مع القيّمين على هذه الجوائز بصحّة الإعتبارات الّتي قرّروها لمنح أدباء الدّاخل الفلسطيني مثل هذه الجوائز، غير أنّي أختلف معهم في منطق منحها. لا نريد بعد انتظار ما يزيد عن سبعين عاما من النّكبة القوميّة أن يخترع العالم لنا نكبة جديدة لا تحبّنا هي النّكبة الأدبيّة، وتحت ذرائع ومسمّيات باطلة، نريدها عن حق وشرعيّة كاملة غير منقوصة.

لقد حدث أن خصّص الإتّحاد العام للكتّاب العرب، ومنذ السّنة الفائتة 017 جائزة في الأدب لعرب ال 48. عرب ال 48 ، وليس فلسطينيّي ال 48. جائزة نوعيّة يحصل عليها للمرّة الثّانية شعراااء!

وكي لا يساء فهم مقالتي هذه يهمّني أن أسجّل هنا أنّي لستُ ممّن ينتظرون ولا يحتفون بجائزة يخصّصها أيّ اتّحاد عربي، خارجَ جوائزه المركزيّة، وأعني على هامش جوائزهِ وتحت اليافطة عرب 48. وعلينا أن ننتبه جميعا لمسألة هامّة كون الجوائز الّتي تمنح على الهوامش لا تمثّل بالضّرورة المستوى الإبداعي لصناعة الشّعر أو الرّواية، أو سواها من الألوان الأدبيّة. هي حقيقة مؤلمة، لكن علينا أن نكون واعين جدا لخطورة تخصيصها. هذا الأمر يعني أنّ المِنّة البحتة تقف خلف عنوان جائزة من هذا القبيل، وهي تهدّد حتما مستوى الإنتاج الأدبيّ، الّذي يزحف بمعظمهِ، عندنا سواء كانَ شعرا أم نثراً.

من المفروض لأيّ جائزة عربيّة أن تمنح الإنتاج الفلسطيني الإبداعي جواز امتياز وتفوّق ضمن خياراتها المركزيّة الّتي تبثّ في الإنتاجات العربيّة عامة وبضمنها نحن ((عرب الدّاخل))، هكذا يعني المنطق. فنحن لا نطالب أي جهة أن تشرّع تميّز أيّ قلم يكتب لمجرّد أنّه فلسطيني لا في الدّاخل ولا في الخارج. وكما حصل كتّاب فلسطينيّون كثر على جوائز عربيّة عالميّة يجب أن يحصل حاملو أقلامنا المبدعين على تلك الجوائز لتميّزها واختلافها وسَفرِ جِهاتِها لفضاءات عطر نافذ.

وبعينيّ ما يحدث الآن يعتبر إخلالا بشروط الإنتماء لحرف أمّننا على سرِّ حبرهِ حين ندوّرهُ أو نهندسُهُ بلهفِ أنفاسنا. نُطلقُهُ أو نسخطُهُ, نهذّبهُ أو نَحلُّ أخلاقَهُ. نرميهِ أو نحتضنهُ بعيوننا. فنحن لسنا كُشوفا على معايير الاختيار، شروطها، قوانينها. والأهمّ أنّ تمييز الشّعر الغثِّ السّمينِ من غريمِهِ الرّشيق، وفي (داخلنا) المشرّع لمهبّ الرّيح، كلّ ريح، يحتاج التّحكيم النّزيه بعض من يمثّلون النّقد هنا، فلا يجوز التفرّد بقرارات الإبداع لمجرّد أنّ الشّاعر أو الكاتب الفلاني صديق صفحة أو لفحة، أو نفخة عند أحد شيوخ الإتّحاد. ولا يُفهَم من كلامي أنّي أرفض العلاقة الرّوحيّة الفكريّة بيننا كمثقّفين وبين هيكلة الإتّحاد العام للأدباء العرب، إنّما أرفض منحى الاختيار في اختباراته الضّحلة، ودلالاتها. ولا يعجبني حتما الفرقعة الإعلاميّة الّتي تصدر فجأة عنهم عبر خياراتهم الغريبة، وغالبا أصحاب قلم لهم ممرّاتهم السريّة إلى أصحاب الاتحاد وأعوانهم.

صريحة أنا حين أقول، ولو أنّي لا أشكّ بإبداع الأديب زكي درويش، لكن الواضح ما كان لأحد أن يجيز تميّزه لولا قربه من شخص الأمين العام لاتّحاد كتّاب عرب ال 48 . وهو أبغض الحلال إلى الأدب، وثورة الكلمة. الكلمة لا تنتقى وتتفوّق، يا أصدقاء، إلا عبر ثورتها الدّاخليّة، وعليه أطالبكم الآن بأن تعدّوا على أصابعكم عدد الكلمات الّتي تُثوّر الحرف فتجعله نورسا يخرق فضاءات الرّوح بخلجةِ سقسقةٍ واحدة. وما أعنيهِ دون مواربة أنّها جائزة علاقات عامّة بامتياز، مخصخصة، مخضخضة، مستهلكة لازدحام مجوّدي السّور القرآنيّة القصيرة والطّويلة عليها وهذا الأمر مرفوض فكرة وعِبرة، ضحكة ودمعة. وأخجل حين أقول حصلنا على جوائز إبداع على هامش الإتّحاد. لماذا تعبّدون أدبنا المتميّز بالقار وتخلطون أوراقه دون وازعِ ضمير. من خوّلكم بجزّ كاحل الثّقافة الفلسطينيّة في الدّاخل في أطر تفيض أو تضيق عن حاجتها؟ والغريب أنّنا نتهافت على الجائزة ونقاتل حتّى أصابع أقدامنا على حقّنا فيها. قرأت لأحد الفلاسفة الّذي يظلّ حانقا على الشّعر والشَّعرِ معا حتّي تأتيهِ أمسية أو دعوة سطورا تخجل العَين كلّما شربت من رِمشِها. شاعر حانق على صفحتهِ، من صفحتهِ وعلى قرّائهِ لأنّهم لا يصفّقون له كلما تهاترَ، من يقرأه؟ وبالتّالي من توّجهُ؟ علاقاته الشّخصيّة. فلتذهب راضية في سبيل تصالحها مع أبجديّات عالمها أوّلا. نريد حالة صحيّة مع الحرف، حين يختارنا أمراء له.

لن أخذلكم، سأذكّركم بجائزة القصّة النّسائيّة لنساء حوض البحر المتوسّط الّتي حُزتُ عليها عام 1997، مارسيليا فرنسا، ولم أفهم قيمتها في حينه. كان محكّموها من الدّاخل والخارج على حدّ سواء، وترجمت لأربع لغات، ممّا يعني مقاما عاليا في تلك الأيّام، وكنت لا أزال طالبة للدّراسات العليا. ولا يهمّ عدد القصص الّتي ترجمت لعديد اللّغات في أعقابها، لكن اليهمُّ الآن أنّي زهُدتُ بها زُهدا أَحسد نفسي عليه وأنا ألاحظ الفُقُع، حتّى الفُقُع يحتفي، هذه الأيّام، بإطلالة رأسهِ من التّراب.

والإحتفاء بتلك الجائزة النّسائيّة حدث فوق العادة. استقبلنا في أكثر من بلد فرنسي وعلى مستوى رؤساء بلديّات وأنشودات وطنيّة وغداءات وعشاءات. وتكريمات مركزيّة في أكثر من مكان لعدد مختار من نساء الشّرق الأقصى والأوسط. والحقيقة لا أستوعب الآن لمَ خجلتُ يومها أن أصرّح بتفاصيل الزّيارة، ولا وافقتُ على تكريمي من قبل اتّحاد الأدباء الفلسطينيّين الّذي خوّلَ الشّاعرة الجميلة سعاد قرمان بمهاتفتي، وتهنئتي بالخبر. سعاد قرمان لم تستوعب رفضي، ولا سواها من الجمعيّات النّسائيّة الّتي بادرت ورفضت. وفي جلسة ناعمة لشخصي مع كبريائي عنّفتهُ جدّا على مسوّغاتِ تواضعه، لماذا لم أوافق أن يتوّجوني أميرة على تاج القصّة القصيرة الّتي سبقتُ جميع الكتّاب على استحدات طرائقها ولغتها، حتّى فوجئتُ بأحد النقّاد الأشاوش في مؤتمر أدبيّ ينسب تجنيد العاميّة في القصّة القصيرة والرّواية لكاتب، سرق كلّ ما اااستحدثْتهُ في الرّواية والقصّة ورشّه ملحا في نصوصه، وكلّ من يقرأ الآن ما كتب سيجدُ أظافري، وعِطري، وسُفني، وعكّايَ ونساء رواياتي تمرحُ في مروجِ غِزلانه السّابحة في ملكوت تاريخي الشّخصيّ. هل صرّحتُ بما أعنيهِ الآن؟ بعض ما يجدّلهُ كتّابنا في أعمالهم سرقة ملتوية لا نصرّحُ بها لخجلنا من دَرَجِ الثّقافة الواطي الّذي نصعدُ منهُ إلى أعمالنا القصصيّة والرّوائيّة، وأنا اعتدتُ الدّرج العالي، ولو أرهقني. احبّ أن ألهث وأنا أطارد بطل رواية ضاع منّي خيط عطرها، لأنّي أصلا متورّطة بالخيوط أكثر من الشّخوص، لأجد ما ألفّهُ حول ذراعي كلّما خذلني عشق الرّجال السّاحل من أزرارٍ ياقاتهم ولعلمكم، لن أقف في أيّ يوم كي أناقش أحدهم أو إحداهنّ على التمهّن المثير لغيرة الورق في تقنيّات السّرقة، أيّ سرقة، إلا مكرهة!

نعم، لماذا لم أحتفِ بجوائزي كما “يَعُرّونَ” إليها الآن؟، واسمحوا لي بهذا التّجاوز، الآن.

سأجيبكم أنا، لأنّ الجوائز لا يُحتَفَى بها، بل هي من تحتفي بحضورها بين مبتكري مراهم الفتنة للرّوحِ والعينين، لدى البَشَرِ والنّوَرِ على حدّ سواء، هكذا أراها أنا، وسأظلّ.

هل قلتُ قلبي، أم أنّ الرّغبة عَطِشة لا تزالُ، لماء وردِها؟ لا أجيدُ تحديد نسبة ماء الورد في الرّغبة كي تفزّ ثورة في أكوامِ القشّ الّتي تتهافتُ على ذهبٍ يسخرُ من زوغانِ عينيها.

هل فسّرتُ ما يكركبُ عالمي هذه الأيّام. هل استعرضتُ مشاهد الفلتان الأدبي الّذي يدفنُ ما هذّبناهُ على مدى عقود بكبريائنا وهويّتنا، وانتمائنا، وعصيدِ نكبتنا بالرّمل؟ تأمّلوا أكفكّم الآن، هل ميّزتم خطوط الوحلِ الّتي يحدّدها دمع الأقدامِ الّتي جُرّتِ إلى حتفِها، وتركت مذاهب الكرامة لحضراتنا المنشغلينَ بغرورنا المنقوعِ بأحقادنا على أنفسنا أوّلا، نعم من يعشق ذاته لأجلها، يظلّ يفوحُ دون مشيئته بالعطر. وأنا لم أرَ غير الفقراءِ هنا يفوحون بالعطر. جميع القامات الأعناقِ المزنبقة إلى أعلى كأوراقِ بصل يابسة تكفِتُ زجاجات فيرساتشي كاملة، فتشمّكَ بدل أن تشمّها. هذا يعني أنّ وجوهنا باتت صفائح عاكسة للمادّة، وفقدت خاصيّتها الأوليّة في استيعابِ المعادن الأساسيّة للكون. ما أوجع مصيبتنا. بحرقة وألم أعترف أنّي فقدت رغبتي بهذه الأشكال الّتي رأيتها تنشبُ أظافرها بحقّها الباطل في تميّز أرعن.

ولا أعترف بكم، لأنّ الشّعر أصلا عزّ منذ سنوات بعيدة على سطورهِ، مساحتهِ ومسافتهِ وأُناسِهِ. وشخصيّا منذ زمن بعيد لا أقرأ الشّعر، وأقلّ من أصابع يدّ واحدة تعترف بألحانِ شُعورِها المشعّثة ضياعا، حتّى الشّعراء الّذين استوردتموهم من اثر الظّلم الّذي لحق بلادهم، كَذِبا، تحت ملصق ((منكوبين)) يقلّدونكم ويتاجرون ببلادهم تحت مسميّات حريّة لقيطة كي ينشروا الخراب والفوضى. ابتسِموا الآن وأنتم تعانقون جوازات سفر تعترفون بفضائل ختمها عنوة، لا أعترف بكم! وأطالب القيّمين على جوائز ال 48 أن يتحيّزوا لتاريخنا قليلا، ولا يدوسوا ثقافتنا تحت نعلِ صداقاتهم وينشرونا ملاقط غسيل على حبال إنجازاتهم الجشعة..

6 يوليو، 017

حيفا….

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق