قراءات ودراسات

مصر وبلاد الحجاز: في ضوء تداعيات إعلان الخلافة الحفصية

رؤية مغايرة

بقلم: أحمد عبد الفتاح أبو هشيمة* 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. الحَفْصِيُّون أو بنو حَفْص : هم عبارة عن سلالة أمازيغية مصمودية حكمت تونس وإفريقية ، المنطقة الممتدة بين (طرابلس الليبية وشرق الجزائر) في الفترة الممتدة بين عامي (1229-1574م) . وينتمي الحفصيون إلى قبيلة هنتاتة الأمازيغية وموطنها في جبال الأطلس. وقد استمدت تسميتها من أبي حفص عمر (1174-1195م) الذي يعد أحد أبرز أجداد الأسرة الحفصية ، وكان من أهم رجال المهدي ابن تومرت الأوفياء.

النسب الحفصي:
تعددت الرويات التاريخية وتضاربت الأقوال بشأن نسب أمراء بني حفص؛ فمن المؤرخين من أرجعهم إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ؛ كابن نخيل الذي يعد أول كاتب لديوان الدولة الحفصية . والبعض الأخر قد أرجعهم إلى قبيلة هنتاتة البربرية، التي تعتبر من أهم قبائل المصامدة على وجه الخصوص، ومن أكبر قبائل البربر في المغرب على وجه العموم، وموطنها بجبال درن القريبة من مدينة مراكش المغربية ، ويعتبر أبو حفص من زعماء المصامدة ، و كان له نفوذ ومكانة بين قبائل المصامدة.

الحفصيون وانفصالهم عن دولة الموحدين
وعندما تولى الخلافة الموحدية الناصر بن يعقوب المنصور أسند إلى أبي محمد بن عبد الواحد أبي حفص الهنتاني أمر إفريقية، وأعطاه مطلق التصرف في إدارتها؛ كي يستطيع القيام بأعبائها ويقضي على الفتن والثورات المستمرة هناك بزعامة بني غانية وأحلافهم من العرب.
وكان من شروط أبي محمد الحفصي على الخليفة الموحدي: أن يقيم ثلاث سنين ريثما تترتب الأحوال، وتنقطع أطماع بني غانية عنها، وأن يحكمه الناصر فيمن يبقيه معه من الجند ويرضاه من أهل الكفاية، ولا يتعقب أمره في ولاية ولا عزل، فقبل الناصر شروطه، وهنا ورث الملوك الحفصيون سلطنة تونس وإفريقية.

احتضار الدولة الموحدية
وقد احتضرت دولة الموحدين بالغرب الإسلامي عندما انتشرت الفتن والفوضى في بلاد المغرب والأندلس، حيث انقسم ملك الموحدين إلى ثلاث دول مستقلة؛ فقد استغل بنو حفص المصامدة وولاة إفريقية في عصر الموحدين فرصة احتضار هذه الدولة، وأعلنوا استقلالهم عنها، ودامت لهم السيطرة على طنجة وسبتة وبعض مدن الأندلس، بينما اقتسم بنو مرين وبنو عبد الواد الزنانتيين بقية بلاد المغرب فيما بينهم، فاختص بنو مرين بالمغرب الأقصى، بينما استقل بنو عبد الواد بالمغرب الأوسط، في حين تمكن بنو حفص من توطيد نفوذهم في المغرب الأدنى، وقد تأثروا كثيرًا بكل هذه الاضطرابات والفوضى التي أصابت المغرب، وتمكنوا من إعلاء كلمتهم على معظم أنحاء شمال إفريقيا إلى أن ستقر بهم الحال في تونس.

الحفصيون واعلان الإستقلال الرسمي
ويعتبر الانفصال الرسمي عن الدولة الموحدية بالنسبة للحفصيين على يد أبي زكريا بن عبد الواحد الحفصي سنة (626هـ/1229م)، لقد كانت مناورة أبي زكريا عبد الواحد السياسية قد حققت أهدافها؛ حيث استطاع أن يمكن لبني حفص الحكم في إفريقية، وتوسع نفوذه في أحواز طرابلس شرقًا إلى مدينة الجزائر غربا، وبدا كأنه سيعيد الوحدة إلى أقطار المغرب.
وعندما تولى أبو زكريا بن عبد الواحد حكم الحفصيين، نقم بنو عبد المؤمن على أبي زكريا ذلك، فأسقط أبو زكريا اسم عبد المؤمن من الخطبة، وبقي اسم المهدي، وخلع طاعة بني عبد المؤمن وتملك إفريقية، وخطب لنفسه بالأمير المرتضى، واتسعت مملكته وفتح تلمسان والمغرب الأوسط وبلاد الجريد والزاب، وبقي كذلك حتى توفي سنة (647هـ/1249م)، وأنشأ في تونس بنايات عظيمة شامخة، وكان عالمًا بالأدب، وخلف أربعة بنين، وهم: أبو عبد الله محمد، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو حفص عمر، وأبو بكر وكنيته أبو يحيى.
لذا فيعتبر « أبو زكريا الحفصي » المؤسس الحقيقي لدولة الحفصيين بتونس، فبعد أن ضعفت الدولة الموحدية ، أعلن أبو زكريا استقلاله بإمارة البلاد التونسية. وقد امتدت دولته من طرابلس (ليبيا) شرقا إلى «سبتة» و«طنجة» غربا. وكان حينئذ أقوى حاكم في أفريقية، لكنه ظل يلقب بالأمير.

المستنصر بالله خلفًا لأبيه أبي زكريا الحفصي
وسلك الحفصيون في ولاية العهد مسلك تعيين الأفراد من الأسرة الحاكمة، وبعد موت أبي زكريا تولى زعامة الحفصيين ابنه أبو عبد الله محمد، الذي تسمى (بالمستنصر بالله)، الذي أعلن نفسه أمير المؤمنين بعد سقوط بغداد بيد التتار عام (656هـ)، وكان إعلانه نفسه أميرا للمؤمنين سنة (657هـ/1259م)، وبايعه شريف مكة بالخلافة.
ويعد عهد «أبو عبدالله المستنصر» (647-675هـ : 1249 _ 1277م) من أزهى عصور الدولة الحفصية ، فلم يكن عهده لم يكن أقل من عصر أبيه ازدهارا . حيث ذاعت شهرته في الآفاق واجتمع في بلاطه رسل وسفراء الممالك المجاورة. ولم يقنع بلقب الأمير فلقب نفسه بالخليفة، وحصل على وثيقة من شريف مكة تجعله وارثا للخلفاء العباسيين الذين قضى عليهم المغول . وهكذا صارت الخلافة الحفصية خلافة قوية امتد سلطانها الروحي على الحجاز شرقا وعلى المغرب والأندلس غربا.
تجدر الإشارة هنا إلى الصراع الداخلي وانقسام البيت الحفصي عقب تولية المستنصر بالله الحفصي زمام الأمور ، حيث واجهت بعض العقبات من أجل إقرار الأمن العام وأهمها سعى عمه أبو إبراهيم في خلعه، فخلع وبايع لأخيه محمد اللحياني – وكان طويل اللحية – الزاهد على كره منه لذلك؛ فجمع أبو عبد الله محمد المخلوع أصحابه في يوم خلعه وشد على عميه فقهرهما، وقتلهما، واستقر في ملكه، وتلقب وخطب لنفسه بالمستنصر بالله أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد ابن الأمراء الراشدين.
وبويع الأمير أبا عبد الله بن أبي زكريا (المستنصر) في مدينة بونة البيعة الأولى سنة (647هـ/1249م) بعد وفاة أبيه مباشرة، ثم بويع البيعة الثانية بعد وصوله إلى تونس الحاضرة الحفصية، في شهر رجب نم نفس السنة، واحتفظ أيضا بنفس لقب أمير المؤمنين الذي أخذ به أبوه، وكان ذلك في شهر ذي الحجة من عام (650هـ/1252م).

شرعية الخلافة الحفصية
وحاول الحفصيين أن يستندوا إلى الأسس الشرعية اللازمة في باب الخلافة، كالأصل العربي، والنسب النبوي، إلى جانب قرابتهم للموحدين؛ فزعموا أنهم من سلالة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، ولكن عمر (رضي الله عنه) كان من أشراف قريش، وكانت إليه السفارة في الجاهلية، وقد تزوج النبي (صلي الله عليه وسلم) ابنته حفصة، فالحفصيين بحكم هذا الأصل القرشي، وهذا النسب النبوي، وبحكم قرابتهم للموحدين، وجدوا في أنفسهم الشرعية الكافية لأن يرثوا خلافة الموحدين المنهارة .
ويقول ابن خلدون (ت808هـ /1405م) في هذا الشأن: “ولما انتفض الأمر بالمغرب وانتزعه زناتة ذهب أولهم مذهب البداوة والسذاجة واتباع لمتونة في انتحال اللقب بأمير المؤمنين أدبا مع رتبة الخلافة التي كانوا على طاعتها لبني عبد المؤمن أولا، ولبني حفص من بعدهم، ثم نزع المتأخرون منهم إلى اللقب بأمير المؤمنين وانتحلوه لهذا العهد استبلاغًا في منازعة الملك وتتميما لمذاهبه وسماته”.

مبايعة أمير مكة للمستنصر الحفصي
واحتفل المستنصر على الفور بمبايعة البلاد الإسلامية له، خاصة حين أرسل له أمير الحجاز وأهلها مبايعتهم له بالخلافة عام (657هـ/1259م)؛ فاحتفل بالمستنصر بهذا، ولقب نفسه يومئذٍ بأمير المؤمنين، وقد بايعته قبائل بني مرين، وقدم إليه ملوك برنو بالسودان هدايا نفيسة، كما كان يتلقى السفارات من المدن الإيطالية وبعض دول البحر المتوسط، وعدد من دول أوروبا النائية التي كان ملوكها يقدمون إليه الهدايا.
وفي عام (650هـ/1252م) أصبحت علامة الدولة الحفصية بنفس اللقب الخلافي (أمير المؤمنين)، ولم تمضِ على ذلك ستة أعوام حتى سقطت الخلافة العباسية في بغداد على أيدي المغول، وقُتل الخليفة العباسي المستعصم بالله، وخلا المشرق الإسلامي من وجود خليفة عباسي مدة ثلاث سنوات (656-659هـ/1258-1261م)، وهذا يعني أن الخلافة الإسلامية صارت خلافة واحدة، وهي خلافة الموحدين، وهو ما تأكد بالفعل عندما أتت البيعة من مكة عام (657هـ/1258م) إلى الخليفة الحفصي أبي عبد الله بن محمد الملقب بالمستنصر.
ويبين برنشيفك حاجة العالم الإسلامي لخلافة سنية جامعة عقب سقوط خلافة بغداد ، وخاصة إذا علمنا أنه في ذلك الوقت كانت دولة الموحدين تلفظ أنفاسها الأخيرة في المغرب الأقصى ، وقد أصبح العالم الإسلامي ، علاوة ، يشكو فقدان أية خلافة سنية . وكان افتقار الأمة الإسلامية إلى رئيس أعلى روحي يمثل في نظر المؤمنين حالة غير طبيعية لا تطاق .
وفي خضم تلك الأحداث العصيبة التي عاشها العالم الإسلامي ، فالمشرق لم تكن لديه أية وسيلة لوضع حل للخروج من هذا المأزق الخطير . وبالرغم من أن مصر وبلاد الحجاز قد نجوا من الاستيلاء المغولي إلا أنهم لم يسلما من آثار الهجمة المغولية ، فقد كانت تعيش مصر في اضطرابات سياسية مستمرة في ظل عدم ظهور القيادة الموحدة والسلطة المركزية، حيث كان السلطان آنذاك هو نور الدين على بن أيبك ، وهو أبعد من أن يشكل سلطة قوية .
وكان هذا الأمر هو المحرك الأساسي والدافع لتوجه شريف مكة ابن نمى إلى المستنصر الحفصي الذي كانت سلطته العليا تشع على جزء كبير من بلاد المغرب . فقرر الاعتراف به كخليفة للمسلمين ، وذلك حسب الإخباريين ، بإيعاز من شخص لا يتضح تماما دوره في هذه القضية ، وهو الفيلسوف الصوفي ابن سبعين ، من مواليد مدينة مرسية .
ويبدو أن هذا الأندلسي ، الذي كان قد أقام بتونس ، كالكثير من أهل بلاده ، قد اضطر إلى مغادرة تلك المدينة ، بسبب مناهضة رجال الدين الذين أزعجهم نظرياته الصوفية المتطرفة . فارتحل إلى الجزيرة العربية . ويدعي ابن خلدون أنه قد أوحى إلى شريف مكة بسلوكه السالف الذكر ، على سبيل الانتقام . وإن هذا لموقف غريب ! .
وحررت رسالة البيعة بقلم الفيلسوف نفسه ، بأسلوب مسهب ومتأثر بالمذهب الباطني ، ونقلت إلى تونس في غضون سنة 657هـ/ 1259م بواسطة العالم التقليدي عبد الله بن برطلة ، وهو أندلسي مثله وأصيل مدينة مرسية أيضا . وفي موكب رسمي وعام ، تليت تلك الرسالة من طرف قاضي القضاة أبي القاسم بن البراء الذي علق عليها وأشاد بزعيم الإسلام الجديد .

مصر ما بين إعلان التبعية وإحياء الخلافة العباسية
وكان لانتصار المماليك في معركة عين جالوت دور كبير في إضعاف بقايا الوجود الصليبي على ساحل بلاد الشام، فالذي لا شك فيه أن الصليبيين أصيبوا بخيبة أمل كبيرة بعد ذلك النصر العظيم الذي حققه المسلمون ضد المغول في هذه المعركة.
وغريب الأمر أنه في أوائل سنة 659هـ/ أواخر 1260م ، تلقى المستنصر بكل اعتزاز وسرور رسالة رسمية من مصر تخبره بالانتصار العظيم الذي احرزه المماليك على المغول في فلسطين (رمضان 658هـ/ سبتمبر 1260م) وتلقبه بأمير المؤمنين ، ويتساءل برنشفيك قائلا : هل كان بإمكانه أن يظن ، وهو يتلقى تلك الرسالة ، أن السياسة المصرية التي أبدت استعدادها برهة من الزمن للاعتراف بسلطته الروحية ، قد اصبحت خاضعة لقادة آخرين قبل ذلك بقليل ؟
وقد تفرد بذكر هذه الرسالة ابن القنفذ القسنطيني (ت 810هـ / 1407م) قائلا : ” وفي سنة تسع المذكورة قرئ كتاب هزيمة المغول على المستنصر وخططه أهل الديار المصرية في الكتاب المذكور بأمير المؤمنين . وكان هذا من أكبر آمال المستنصر وأحبها إليه .” ولكن سرعان ما أن تغيرت سياسة الدولة المملوكية تجاه الحفصيين وخاصة بعد أن استولى السلطان بيبرس الأول على الحكم عن طريق الاغتيال ، في شهر ذي القعدة 658هـ/ أكتوبر 1260م.
ويفهم من ظاهر سياق الرواية السابقة أن السلطان المملوكي سيف الدين قظز (657-658هـ/ 1259-1260م) هو الذى أرسل تلك الرسالة قبل حادث اغتياله على يد بيبرس البندقداري، وهذا يتنافى اطلاقا مع ما ورد في المصادر المملوكية بشأن إحياء الخلافة العباسية ، وأن أول من فكر في إحيائها هو السلطان المظفر قطز عقب انتصاره على المغول بعين جالوت .
والراجح في رأيي أن تلك الرواية لم تخرج عن سياق ما اعتاد عليه كتاب ديوان الإنشاء بخصوص إبراز شخصية المكتوب إليه ، وتوضيح رتبته ، من حيث مكانته علوا وانخفاضًا ، أو مكانة دولته من حيث قوة هذه الدولة أو ضعفها ، أو من حيث كبر هذه الدولة أو صغرها . أو من حيث قوة العلاقة التي تربط البلدين أو ضعفها ، أو متانة الصداقة التي تربط بين سلطان دولة ما ، مع السلطان المملوكي أو فتورها . ولذا كانت رتبة المكاتبة تعلو وتنخفض على أساس مكانة المكتوب إليه ، أو قوة نفوذ دولته ، أو ارتباطه بصداقة متينة مع سلطان مصر.
وصفوة القول أن مفاد تلك الرسالة هو احترام المظفر قطز وإجلاله للسلطان المستنصر بالله الحفصي – إن صحت هذه الرواية – ، ورغبة كلاهما في استمرار أواصر التعاون والمحبة بين البلدين ، وخاصة إن الأمور لم تكن قد استقرت بالشكل الأمثل في مصر والحجاز والشام ، وقد جمع كلاهما نفس الدافع وهو درء الأخطار الخارجية ، سلطة مركزية تجمع العالم الإسلامي .
وسرعان ما تغيرت الأمور عندما رأى السلطان بيبرس الأول أن سياسة الدولة الحفصية تتعارض مع أهداف دولته، فعمد إلى إحياء الخلافة العباسية في القاهرة سنة (659هـ/1261م)، فاستقدم أحد أمراء بني العباس وهو (أحمد بن الظاهر بن الناصر العباسي) من دمشق لهذا الغرض، وأقر القضاة وجماعة العرب اتصال نسبه بنسب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه؛ فبويع بالخلافة ولقب بالمستنصر بالله.
ويبدو أن الموقف البطولي أمام المغول من بيبرس جعله محط آمال ذلك الطريد العباسي (أحمد ابن الخليفة الظاهر)، فغادر بادية العراق واتجه إلى الشام في طريقه إلى مصر، وعندما سمع السلطان بيبرس الأول بقدومه ركب للقائه، ومعه القضاة ورجال الدولة، فشق مدينة القاهرة، ثم أثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز، ثم بويع في الثالث من شهر رجب سنة 659هـ/ 1261م.
وقد تلقب ذلك الطريد العباسي بلقب المستنصر بالله – فهل كان ذلك حقًا من باب الصدفة ؟ – وبهذه الطريقة سيحاول السلطان المملوكي بسط الحماية المصرية على البقاع المقدسة في الجزيرة العربية . ولكن ذلك سوف لا يمنع الأمير الحفصي الجالس على العرش ومعظم الذين سيخلفونه من بعده ، من حمل لقب خليفة والتصرف بصفتهم تلك .
وكانت إحياء الخلافة العباسية في القاهرة سنة 659هـ /1261م كان بمثابة الحل السعيد الذي وجده السلطان الظاهر بيبرس لإضفاء الشرعية على دولته العسكرية التي قامت بدور هائل في تصفية الوجود الصليبي، وقد أثبتت الأحداث طوال عصر سلاطين المماليك أن الخلفاء العباسيين في القاهرة لم يكن لهم من الخلافة سوى اسمها، كما تحددت إقامة معظمهم بحيث كانت أقرب إلى الاعتقال.
ولم تغفل مصر دورها الريادي عبر تاريخها الطويل ؛ فنري التحرك المصري السريع لنجدة تونس من الغزو الصليبي سنة (668-669هـ/1270م) ، وخاصة عندما علم السلطان الظاهر بيبرس الأول بموقف الخليفة الحفصي المتخاذل تجاه مواجهة الغزو الصليبي .

وقد أكد ذلك المقريزي بقوله : ” أن المستنصر بالله الحفصي بعث سنة (670هـ/ 1271م) بهدية إلى السلطان المملوكي الظاهر بيبرس صحبة رسالة اعتبرت في أسلوبها مقصرة في مخاطبة السلطان، فلم يتقبل بيبرس شخصيا تلك الهدية، بل وزعت على الأمراء ، ووجهت رسالة استنكارية إلى المستنصر الحفصي في التظاهر بالمنكرات، واستخدام الإفرنج، وأنه لم يخرج إلى مجابهة الصليبيين عندما نزلوا في قرطاجنة، وكان مستخفيًا، وأنه قال له: إن مثلك لا يصلح أن يلي أمور المسلمين، وأنه يجب عليك أن تتحلى بالشجاعة والآباء، وبذل كل الجهد للدفاع عن بلادك.
ويتضح أن الهدية التي أرسلها المستنصر إلى الظاهر بيبرس كانت خمسة وعشرين جوادا، وأنه قبل هذه الخيول ووزعها على الأمراء ولم يأخذ لنفسه منها شيئًا، وكانت هذه الهدية ردا على رسالته السابقة في محاولة لاستمالته وتغيير موقفه تجاه المستنصر، ولكن الظاهر بيبرس أرسل إليه ردًّا أشد قسوة من المرة الأولى، وأنكر عليه التظاهر بالمنكر، واستخدام الفرنج عونا على المسلمين، كما استنكر عليه ما دفعه من أموال طائلة للويس في وقت كانت فيه بلاده في أمس الحاجة إليه، ومن بين العبارات التي وجهها إليه قوله: “لقد كان من واجبك ضرورة الخروج للدفاع عن بلدك حتى ولو متخفيا، وكيف تخاف وأنت في عساكرك؟”.
وكل ذلك يدل على أن الظاهر بيبرس قد أصيب بخيبة أمل من موقف المستنصر الحفصي في مجابهة الحملة، وكان يؤمل منه أن تكون مجابهته لهم لا تقل عن مجابهة المماليك للصليبيين، سواء في صد هجماتهم أو في استرجاع الأراضي التي استولوا عليها، ونتيجة لذلك الأمل الذي كان يخامر فكر بيبرس بعث هذا الأخير إلى المستنصر الحفصي برسالة يخبره فيها بأنه سيبعث له بنجدة عسكرية تساعده على مجابهة الغزاة الإفرنج، وكتب إلى أعراب برقة وبلاد الغرب يأمرهم بالمسير إلى تونس لنجدة صاحبها، وأن يحفروا آبار المياة في الطرقات التي سوف تسلكها النجدة العسكرية في مسيرتها صوب تونس، وقد شرع فعلا في تعبئة النجدة العسكرية لولا وصول الأخبار عن رحيل الصليبيين عن تونس.
ومهما يكن فإن تجديد الخلافة العباسية في القاهرة جعل لقب الخليفة يتلقب به – على الأقل- ثلاثة أقطار في العالم الإسلامي: الموحدية في المغرب الأقصى، والحفصية في إفريقية (تونس) ، والعباسية في مصر والشام، وكان كلها أبعد ما تكون عما تعنيه الخلافة الإسلامية من المناعة والقوة؛ إذ الخلافة الموحدية كانت تعاني من سكرات الموت؛ لانقضاض بني مرين عليها، وإنهائها سنة 668هـ/ 1270م ، وإذا كانت الخلافة العباسية في القاهرة صورة باهتة وألعوبة بيد سلاطين المماليك، فإن الخلافة الحفصية قد تبدو أقرب وأشد التصاقًا بشبح ذلك اللقب؛ لأن الخليفة الحفصي كان صاحب السلطة والنفوذ رغم الاعتبارات الأخرى.
ونتيجة لذلك صارت تونس مركزا سياسيا وثقافيا هاما جذب السفراء والعلماء من جميع بقاع العالم الإسلامي، ولا سيما الأندلس . كذلك تأثرت حضارتهم – في عهده وعهد أبيه – بالحضارة الأندلسية، فكان بلاط الدولة الحفصية يزخر بأهل الأندلس الذين هاجروا إلى تونس. وأقيمت قصور وبساتين ومساجد تأثرت بالأسلوب الأندلسي في البناء. وأعقبت هذه الفترة المزدهرة فترة ساد فيها الاضطراب والاختلال والحروب القبلية مما أدى إلى انقسام إمبارطورية الحفصيين إلى مملكتين: مملكة «تونس» ومملكة «بجاية» (الجزائر).
وفي النهاية ليست العبرة بالتحلي بلقب الخلافة وإمارة المؤمنين، والسعي لاكتساب الفخر الزائل والألقاب الجوفاء، بل العبرة بأن تكون للدولة حرمتها وهيبتها؛ مما يجعلها في مناعة حقيقية تبعدها عن مظاهر التدلي والخنوع أمام المعتدين.

المصادر والمراجع للاستزادة :

المصادر والمراجع للاستزادة :
– ابن الشماع (ت بعد 861هـ/ 1457م) : الأدلة البينة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية ، تحقيق د. الطاهر بن محمد المعموري ، الدار العربية للكتاب 1984م .
– ابن القنفذ القسنطيني (ت 810هـ / 1407م) : الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية ، تقديم وتحقيق : محمد الشاذلي النيفر ، عبد المجيد التركي ، الدار التونسية للنشر 1968م.
– ابن تغري بردي الأتابكي (ت874هـ/ 1469م): المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي ، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب ، تحقيق د/ نبيل محمد عبد العزيز ، القاهرة، 1988م
– ابن عبد الظاهر (ت692هـ/1292م) : الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر بيبرس ، تحقيق ونشر: عبد العزيز الخويطر ، الرياض ، الطبعة الأولي ، 1976م
– أبو الفدا عماد الدين إسماعيل (ت 732هـ / 1331م) : المختصر في أخبار البشر، مكتبة المتنبي، القاهرة، بدون تاريخ .
– جلال الدين السيوطي (ت911هـ) : تاريخ الخلفاء، تحقيق: محمد أحمد عيسى، نشر دار الغد الجديد، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007م
– الزركشي (ت ق9هـ /15م) : تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ، تحقيق محمد ماضور ، المكتبة العتيقة ، تونس ، 1966م .
– المقريزي (ت845هـ/1442م) تقي الدين أبو العباس أحمد: السلوك لمعرفة دول الملوك ، نشره وعلق عليه: محمد مصطفى زيادة، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، (1934-1942م)
– ابتسام مرعي خلف الله (دكتور) : العلاقات بين الخلافة الموحدية والمشرق الإسلامي ، نشر دار المعارف، القاهرة، 1405هـ/1985م.
– أحمد حطيط (دكتور) : السلطتان الروحية و الزمنية في الإسلام : الخلافة و السلطنة في عصر المماليك ، الكراسات التونسية ، مجلة العلوم الإنسانية ، كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية ، تونس , ع 178 ، لسنة 1997م .
– أحمد حطيط (دكتور) : في الشرعيتين الروحية و الزمنية في الإسلام الوسيط الخلافة العباسية و السلطنة المملوكية ، مجلة الفكر العربي المعاصر ، مركز الإنماء القومي ، لبنان , ع 72-73 ، لسنة 1990م .
– أحمد مختار العبادي (دكتور) : في تاريخ المغرب والأندلس ، نشر دار النهضة العربية، بيروت، لبنان.
– أسامة نجيب علقم : تطور السلطنة وعلاقتها بالخلافة خلال العصر المملوكي ، رسالة ماجستير ، كلية الآداب ، جامعة آل البيت ، 2005م .
– أنوار جاسم حسن العنبكي : العلاقات الخارجية لدولة المماليك مع بلاد المغرب (660-923هـ/ 1262- 1516م) ، رسالة دكتوراه ، كلية التربية ، الجامعة المستنصرية ، 1428هـ / 2007م.
– بثينة رشيد الدباغ : الخلافة العباسية في عصر دولة المماليك ، رسالة ماجستير ، كلية الآداب جامعة بغداد 1971م .
– حامد زيان غانم (دكتور) : صفحة من تاريخ الخلافة العباسية في ظل دولة المماليك (الخليفة المستعين بالله سلطان الديار المصرية) ، دار الثقافة للطباعة والنشر ، القاهرة 1978م.
– خالد الطريق : العلاقة بين الحفصيين في المغرب والمماليك في مصر والشام (648-923هـ / 1250-1517م) ، رسالة دكتوراه ، كلية الآداب جامعة القاهرة ، 2013م .
– روبار برنشفيك : تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى القرن 15م ، ترجمة حمادي الساحلي، ، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1988م.
– زبير سالمي : العلاقات السياسية والفكرية بين الدولة المرينية ودولة المماليك خلال القرنين 7-8 هـ/13-14م ، رسالة ماجستير ، جامعة أبو القاسم سعد الدين ، الجزائر ، 2013م
– زكي محمد جميل عبد الله : مؤسسة الخلافة في العهد المملوكي ، رسالة ماجستير ، كلية الدراسات العليا ، جامعة النجاح 2004م .
– سامية عامر(دكتورة): الصليبيون في شمال إفريقيا ، نشر عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الطبعة الأولى، 2002م.
– صبري عبد اللطيف سليم (دكتور) : تاريخ دولة المماليك في مصر والشام ، مكتبة الفتح ، حي الجامعة ، الفيوم ، 2010م
– صفوان طه حسن (دكتور) : سياسة الملك الظاهر بيبرس (658 – 676 هـ 1259 – 1277م) تجاه امير الحجاز ، مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية ، كلية التربية الأساسية ، جامعة الموصل ، العراق ، مج9 ، ع1 ، لسنة 2009م.
– عبد الرحمن بالأعرج (دكتور) : العلاقات السياسية بين الدولة الحفصية والمماليك البحرية بين القرنين (7-8هـ / 13-14م) ، دورية كان التاريخية ، دار ناشري للنشر الالكتروني ، الكويت ، س8 ، ع29 ، لسنة 2015م .
– عبد الرحمن بالأعرج : العلاقات الثقافية بين دولة بني زيان و دولة المماليك القرن 7-10هـ / 13/16 م​، رسالة ماجستير ، جامعة ابي بكر بلقايد ، الجزائر ، 2008م.
– عبد الرحمن بالأعرج : علاقات دول المغرب الإسلامي بدولة المماليك سياسيا وثقافيا بين القرنين السابع والتاسع الهجريين ، رسالة دكتوراه ، جامعة ابي بكر بلقايد ، الجزائر 2013م.
– عبد المجيد بدوي (دكتور) : الخلفاء العباسيون في ظل دولة المماليك ، حوليات كلية دار العلوم ، جامعة القاهرة 1977-1978م
– علي حيدر (دكتور) : الخلافة ( في العصر المملوكي ) بين الفقه و الواقع ، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية ( سلسلة الآداب والعلوم الانسانية ) – سوريا , مج 15, ع 4 ، 1994م .
– عوض عبد الرحمن عبد المغيث مسعود : دور المغرب والأندلس فى الجهاد ضد الصليبيين فى الفترة من(490-691هـ/ 1097-1291م) ، رسالة دكتوراه ، كلية دار العلوم ، جامعة الفيوم 2007م
– قاسم عبده قاسم : ماهية الحروب الصليبية ، نشر ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الثانية، 1993م
– لطفي بن ميلاد (دكتور) : إفريقية وشرق البحر المتوسط من أواسط القرن 5هـ / 11م إلى مطلع القرن 10هـ/ 16م ، رسالة دكتوراه ، جامعة تونس ، 2008م .
– مبارك عشوي فلاح جازع (دكتور) : الخلافة العباسية في القاهرة (648-923هـ/ 1250-1517م) ، رسالة دكتوراه ، قسم التاريخ ، كلية دار العلوم ، جامعة المنيا 2017م .
– محمد العروسي المطوي : السلطنة الحفصية وتاريخها السياسي ودورها في المغرب الإسلامي ، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1406هـ/1986م
– مريم بو عامر : العلاقات الثقافية بين الدولة الحفصية و مصر المملوكية ( ق 7ـ10هـ) ، رسالة ماجستير ، جامعة الجزائر3 ، 2008م.
– ممدوح حسين (دكتور) ، شاكر مصطفى (دكتور) : الحروب الصليبية في شمال إفريقية وأثرها الحضاري ، نشر دار عمار للنشر ، الطبعة الأولي ، الأردن 1419هـ/1998م
– نجلاء محمد رحومة حماد : العلاقات بين مصر والمغرب فى عهد سلاطين المماليك ، رسالة ماجستير ، كلية الآداب ، جامعة الاسكندرية 2011م .
– نجيب زبيب : الموسوعة العامة لتاريخ المغرب والأندلس ، نشر دار الأمير، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م
– يوسف عابد : العلاقات بين الدولتين الحفصية والمملوكية 648 / 694 هـ – 1250 / 1296 م ، رسالة ماجستير ، جامعة العلوم الإسلامية الأمير عبد القادر قسنطينة​ ، 1995م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “مصر وبلاد الحجاز: في ضوء تداعيات إعلان الخلافة الحفصية”

    1. دا من ذوق ورقي أخلاقك أختنا العزيزة ، وسعيد للغاية بمطالعة حضرتك للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق