قراءات ودراسات

قراءة في رواية القرد الليبرالي للكاتب التونسي سفيان رجب

سهام حمودة*

عندما سمعت للمرّة الأولى عن «القرد اللّيبرالي ” قلت في نفسي : ” كتاب آخر عن السّياسة ” لٲن أوّل فكرة قدحها عنوان الكتاب في ذهني هي السياسة و السّياسيون، الشغل الشاغل للمواطن التّونسي بعد حلول الرّبيع العربي و رغم كراهيتي للسّياسة فقد حرّك عنوان الكتاب فيّ رغبة جامحة لمعرفة من يكون “القرد الليبرالي” وكنت محظوظة بالعثور على نسخة ورقية من الكتاب للٳقبال الكبير عليه .
لقد قرٲت الكتاب مرتين لأني لم ٲستطع التعرف جيدا على “القرد الليبرالي” في ومن القراءة الأولى لاكتشف بعد ذلك جوانب آسرة و ساحرة من شخصيته وٳن بدت معقّدة جدّا: فهل ٲنا إنسان يحلم ٲنه قرد أم ٲنه قرد يحلم ٲنه إنسان ؟
ٲستطيع القول أن هذه الرّواية تنحو بك مناحي مختلفة عند التدبّر فيها فهناك الكثير من الأفكار المختبئة في أدراجها الخفيّة و لقد حاولت أن ٲفرغ بعضها ما فيها ليس كناقدة بل كقارئة شغوفة بسبر أغوار الكتب.
“القرد الليبرالي” رواية للكاتب التّونسي سفيان رجب تقع في 135 صفحة . في الحقيقة ٲجد صعوبة في تحديد الصنف الأدبي الذي تنتمي إليه هذه الرواية فلقد لوّنها صانعها بألوان عدّة إذ يمكن إدراجها ضمن الرّواية الاجتماعية كما الوجودية فهي وٳن تميط اللّثام عن مشاكل اجتماعية مثل النزوح من الرّيف إلى العاصمة و تهميش النازحين و الدّعارة والفقر تطرح أسئلة وجودية مِثل : ما سبب وجودنا في هذه الحياة هل لٳعمار الأرض الذي يرتقي “إلى درجة الفن و الخلق ” أم “لتحويل الخبز برازا ؟ ما هو أفضل نظام أخلاقي ٲهو النظام الذي تحكمه طاقات الإنسان الحيوية أم النظام الذي يحتكم إلى العقل ؟ هل هناك حياة بعد الموت كٲن تسكن روح الجسد الميت جسدا آخر ؟ هل لدينا إرادة حرة أم نحن مّسيّرون ؟هل عالمنا حقيقي ؟

ولقد طرح سفيان رجب في “القرد الليبرالي ” مواضيع استقاها من واقع الحياة ولكنه اختار من حياة الإنسان مواضيع محرّمة و محظور ة من المجتمع العربي وهي الدّين و السّياسة و الجنس وفي طرحه لها كان جريئا جدا ومبتكرا فيمكن إذن تصنيف “القرد الليبرالي ” ضمن “الأدب الهامش ” فبالنسبة للمتزمتين لا يعدو سفيان رجب إلا أن يكون من “المارقين المهمّشين ” كٲبو نواس و الأصفهاني و بشار بن برد ومحمد شكري لأنه طرح في كتابه مواضيع تُعدّ ” تابو ” و لأنه تعمق في سرد الحياة الحميمة لشخصياته وتحدث عما هو مسكوت عنه جنسيا و دينيا و سياسيا وهو أمر يشيد به أرسطو في كتابه “فن الشعر ” إذ يقول :”الأخلاق و الفضيلة لا يصنعان أدبا راقيا ” . و رغم الجرأة في الطّرح و بعض المشاهد الحميمة فلقد حقّق سفيان رجب غايات الأدب الثلاثة حسب أرسطو و هي :
-الإقناع
-الإمتاع بجمالية و بلاغة الصور
-التأثر بدرامية المشاهد و عمقها في النفوس
وهي غايات لن تتحقق إلا بجعل القارئ يقرٲ ما لا يجب و ما لا يحبه في الواقع ولقد برع الكاتب في ذلك.
جاءت الرّواية على لسان البطل ” عبد الله ” الذي مثّل الصّوت المهيمن فيها فهو الرّاوي و الشخصية الرئيسية . وما لفت انتباهي في بداية الكتاب هو أن ” عبد الله ” من كان يرسم الأحداث ولم تكن الأحداث تدور بمعزل عنه فهيمن نص الشخصية على نص السّارد كٲن الكاتب أراد بذلك أن يجسّد مبدأ الحرية الذي تقوم عليه الليبرالية فيه فمنحه حرية الفعل و اتخاذ القرار فقرر النزوح عن بلدته إلى العاصمة هربا من الصّراعات العائلية على ميراث ” النخلتين و الجمل الأجرب” ليعمل بمطعم هناك ثم يقطع بعد ذلك الخيط الذي كان يربطه بعائلته في ابن خالته “لزهر” ويتحرر نهائيا من الوصي عليه وينتهي بذلك “الفصل القصير من مسرحية الظّل”ّ كما يمكن أن نفهم من خلال الٳسم الذي اختاره الكاتب لهذه الشّخصية ٲنه قد يكون الدرع الديني لعبد الله في العاصمة لٲن الٳسم شبيه باسم جامع الأزهر و ما يرمز إليه من تعاليم الدين الإسلامي كما أنّ انصرافه عن تمثال ٳبن خلدون رمز العلم و العقل لمرافقة “دلال ” بائعة الهوى يمثّل بداية رحلته إلى عالم الجسد الذي لا يعرف عنه “عبد الله الطفل ” إلا النزر اليسير لهذا عندما نادته “دلال” بكلمة “رجل ” استوقفته الكلمة إذ يصف شعوره قائلا “فمجرد خروجها من فم أنثوي ملاني بإحساس الرجولة (…) . أنا الآن رجل يرافق امرأة جميلة.”
صحيح أننا لا نعلم شيئا عن المستوى العلمي لعبد الله ولكننا نلمس من بداية الرواية حكمة و رونقا و فكرا ثاقبا في كلماته وذلك من خلال الحوارات التي دارت بينه و بين “دلال” كما أن رؤيته للعالم تختلف عن رؤية الآخرين إذ فيها من الشّاعرية و الطرافة ما يٲسر القارئ فهو كثيرا ما يشبه الأماكن بالأشخاص فيرى مثلا “محطة برشلونة ” امرأة مضطجعة خلف حديقتها الكئيبة تربي أفاعي خضراء وزرقاء أما شارع بورقيبة فكان يراه عجزوا يتوسد باب بحر يضع لحافا من الأشجار الخفيفة و المصابيح الحزينة الذابلة و البنايات البيضاء و ينام لا يوقظه شيء” وهو أمر تعجز دلال عن فهمه لٲن روحها الشاعرة قد أفسدتها الحياة حتى أنها تعتقد أن أفكاره الفلسفية “مواعظ رخيصة “.
وكلّما توغلنا في الرواية لمسنا نضجا وتطورا في شخصية “عبد الله ” فبعد أن طرده ٳبن خالته” لزهر” يمضي ليكتشف العالم الحسي برفقة “دلال” كأنها حواء أخرجت آدم من الجنة :جنة المعرفة فتأخذه لمعاقرة الخمر في مقهى ” لونيفار ” ثم إلى ماخور ليقيم فيه والمدهش هنا أن “عبد الله” يعي التغير الذي طرٲ على شخصيته و يرسم ذلك للقارئ قائلا : “الذّبابة التي كانت تطنّ داخلي كانت قد تحولت ذات ليلة صرصورا يستمني على جليز ٲصفر و الصرصور كان هو الآخر قد تحول إلى جرو ذئاب و الآن كبر الجرو و صار ذئبا شرسا يعوي …” وكلّ تطوّر عرفه “عبد الله ” كان نتاجا لظرف عاشه فحاجته إلى الطعام والى مكان ينام فيه حوّله إلى متملق في مدينة لا تعرف الله لا صاحب له فيها إلا قرد في حديقة البلفدير كان قد رأى فيه نفسه فكلاهما غريب في بر الأعراب كل “يؤدي دوره الهامش صامتا مقابل بقايا طعام رديء ” و لم يشعر بأهميته حتى التقى بالكاتب زاهي الذي أشاد بموهبته في الكتابة ووعده بنشر قصصه ولكن عبد الله اختار أن يستعيد قرديّته الضائعة وهو فعل إرادي أراد به أن يبلغ غابته الموعودة من خلال تحضير الروح و البدن عبر إلغاء صورته الآدمية و إيقاف زحف الرأسمالية على جسده .لقد جاء قرار عبد الله لما عاشه من معاناة بسبب “العالم الحقير” يتقاذفه في رحلته إلى الانعتاق اللٳفلاس و الفقر و الجوع و الوحدة و الرغبة “حتى قرر أن يتخذ من قفص قرد مقامه الأخير أنىّ يقوم بطقوس التحضير للعودة إلى موطنه الأصلي.
هناك في حديقة البلفدير و بتخفيه في جلد قرد يشرع عبد الله بتمزيق البدلات الأنيقة التي تخفي الحقيقة القبيحة للإنسان و نظامه الرأسمالي الوحشي الذي سرق بني البشر متعتهم بالحياة بعد أن ” نسوا أن الأكثر متعة من قضم الفاكهة هو التسلق إليها و قطفها ” فحوّلهم إلى ماكينات بعد مكننة أساليب حياتهم و وترويض طاقاتهم الحيوية فأورثهم ممارسات شاذة و طمر أجسادهم تحت قيم متطرفة ولّوها ظهورهم كلما جنّ الليل كالذين كان يراهم أول الليل في الماخور “يدخلون بربطات أعناق يعلقونها مع بدلاتهم الأنيقة على مزاليج النوافذ ويزحفون عراة (…) لا يعودون إلى عالمهم إلا حين تشتغل هواتفهم الشغالة و تردد لهم أغنيات عن رضاء الوالدين و محبة الرسول الكريم …”و المضحك في الأمر هو اكتشافه أن العديد من الحيوانات في الحديقة كانوا بشرا متنكرين في جلد حيوان مثله فروا من الإنسان ” الداهية الذي يظهر العسل في أقواله و يخفي سمّه في أفكاره “،المسؤول الأول في هذا الكون عن فساد الغابات و الينابيع و الأنهار والبحار” و ” أكل لحم متوحش “.
قد يعتقد البعض أن هناك مغالاة وسقوطا في الابتذال في تصوير الواقع أو تحاملا على الإنسان في الرّواية و لكن الكاتب نقل عالم البشر بحذافيره دون تشويه للحقيقة أو تعديل للصورة ونلمس في لوحته الواقعية قيما فكرية و جمالية. حتى في سرد المشاهد الحميمة للبطل لم يعلق سفيان رجب في شباك الابتذال إذ نلمس ابتكارا و شاعرية كتصويره لمشهد ” عبد الله” و ” حسناء ” .كما ٲنه وظّف معجما لغويا يناسب روح الأمكنة و الشخصيات فٳن تحدث عبد الله عن الجامعة تحدث بلغة الفيلسوف و إن تحدث عن دلال و الماخور استعمل المفردات التي تليق بذلك المكان وتلك الشخصية فكان الكاتب وفيا للأمكنة و الشخوص حتى انه كان هناك اعتماد للغة العامية وٳن لمسنا خدشا للحياء في استعمال بعض المفردات التي يصنفها عبد الله ضمن قاموس ” تحت الحزام ” فذلك الواقع الذي لا نحبه لهذا نستطيع القول ٲن الكاتب برع في استغلال اللغة و الصورة كأداتين جماليتين وفنيتين.
أرى أن القرد الليبرالي رواية تتحدث عن الإنسان أينما كان وليس فقط في تونس و ليس عن هذا الزمان بل عن كل زمان حتى الأزمنة الغابرة فهذا حال الإنسان بعد الثورة الصناعية وسيظل كذلك حتى يدرك الإنسان ضرورة التصالح مع ذاته ومع الطبيعة. قد تكون الرّواية دعوة طوباوية إلى العودة إلى الطبيعة ولكن لا يعني ذلك التخلي عن التطور التكنولوجي أو إتلاف العقد الاجتماعي بل عدم إنكار أنّ الإنسان عقل و جسد و روح.فيجب تنمية العقل دون اضطهاد الجسد بالحرمان خوفا من تهديد غرائز الإنسان للمجتمع و الاهتمام بمتطلبات الجسد دون إهمال ملكة العقل و تغذية الروح بالدّين ولكن دون أن يكون الدّين ملجما للعقل و الجسد ففي النهاية إن لم يستطع الإنسان خلق توازن بينهم سيثور الجسد فيفنى بالممارسات الشاذة عن فطرته أو يذهب عقله .
انتهى المطاف بعبد الله في مستشفى الرازي ليعالجوه من جنونه بعد أن وجدوه “ملتصقا بقفص قرد ويقوم بحركات غريبة ” رغم محاولات صديقه الكاتب زاهي بحمايته خوفا أن يصيبه ما أصاب الشاعر منور صمادح الذي تعرض لٲزمة نفسية من جراء المضايقات التي تعرض لها بسبب أشعاره الجريئة. و السؤال هل مصير المبدع الجنون فالموت أم أن الإبداع جنون يصيب المبدعين عندما يعجزون عن تجاوز واقعهم؟ ربما أصبح اكتشاف الحقيقة و الكشف عنها جنون يهدد نظام ماكينة الرأسمالية ؟ تساؤلات لا تنتهي تقدحها نهاية الرواية في ذهني و لا ٲحير جوابا .

*شاعرة وناقدة من تونس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق