ثقافة السرد

البياض الناصع

قصة قصيرة للكاتب الايراني علي مؤذني ترجمة: جمال كاظم

علي مؤذني 1958 Ali moazeni يكتب القصة، والمسرحية وسيناريوالأفلام. حصل على ليسانس في الأدب المسرحي ويعمل في حقل إنتاج الأفلام. له نتاجات عديدة في موضوع الأدب المقاوم ويكتب باسلوب خاص في هذا المجال. حصلت أعماله على جوائز قيمة واحتفى به النقاد والقراء. من أعماله المنشورة:…

 

* الظهور (رواية حصلت على جائزة أفضل رواية للعام 1999)

* الفصول الأربعة (ثلاث قصص طويلة)

* لقاء في ليلة مشمسة (حصلت على جائزة أفضل رواية للعام 1997)

* أكثر بهجة من الأخضر (اعتبرت أفضل القصص المختارة لعشرين عام)

* علاقة إيرانية (حصلت على جائزة تقديرية من لجنة الكتاب الروس)

* البشارة (رواية)

********

البياض الناصع

فوق التل أربعة ثعالب تتقافز بمرح. وفي وسط تلك الثلوج الشتائية، كم تمنيت أن تكون هنا ياسلطاني. ثم أنشد: (قلبي ممزق من الوحدة)

كلا لايمكن مواصلة الغناء بمثل هذه الأنفاس المتقطعة. حملقت الثعالب نحوه للحظة، وكأنها التفتت إليه لتوها، ومن شدة الذهول التبس الفضاء المحيط بهم إلى مايشبه الوهم.

قال السائق: هل معك سكيناً، أو ما يشبه ذلك؟

أجاب: كلا.

وبعد أن بدأوا بالقفز تلاشى الوهم. حان الوقت ليأخذ قسطاً من الراحة، كانت هناك شجرة لوز تبعد عدة اقدام عن الجادة الخاصة بالدواب، وقد غطى الثلج أغصانها تماماً. وبعد أن رفس جذعها وتراجع نحو الخلف تساقطت الثلوج كلها، الثعالب كانت تراقب عندما خيَّم الصمت، جلس على حقيبته واستند إلى الشجرة، الساعة كانت تشير إلى الخامسة، لقد استغرق ساعة ونصف للوصول إلى هنا، لولا الثلج لكنت قد وصلت حتى الآن.

قال السائق: يبدو أن هطول الثلج سيتواصل.

قال: إن شاء الله أن لا يهطل الثلج قبل أن أصل إلى القرية.

ومن قرص الشمس، كان هناك شعاع أحمر جميل يتسلل منها إلى الافق وتظل الشمس تشرق. رغم أنه لم يبق إلا القليل لغروب الشمس، عندها لاشيء سواك والثلج؛ بياض في بياض في بياض.

والثعالب كان منظرها جميلاً وهي تعيد تجمعها لتتناثر مجدداً في ذلك الافق الابيض الممتد فوق التل، إنها مشاهد تبدو رائعة من هذا البعد وعلى ذلك الارتفاع، حيث تتمدد الأجسام وتتطاول السيقان. بلاشك فإن الأقدام فوق ذلك التل، ستغوص في الثلج حتى الركبة، سوف أصل حتى الساعة الخامسة والنصف، كلا، لايمكن لكل هذا البياض أن يسمح لليل أن يكون حالكاً. شعاع الافق الأحمر بدأ يميل إلى الزرقة، والبياض بدأ يهبط تدريجياً منساباً من الغرب إلى الشرق.

لو كان سلطاني موجوداً، لشبه الجبال بشيء آخر، مثلاً بالسبابة، ولتحدّث عن كتلة الغيوم الحالكة المتداخلة مع بعضها البعض. إن تلك الزاوية من الغيم، تشبه قبضة يد مسدودة، وعندما تنبسط ستتساقط مسكوكات الثلج على الأرض. كلا، انها أشياء لاصلة لها بأناشيد سلطاني، يجب أن أنشد له. يا ليتك كنت هنا يا سلطاني. لقد غمرتني البهجة تماماً. السهل والثلج والبياض الناصع والغيوم وأشجار اللوز والثعالب. وقلبي يشتاق الى السماع، وكلامك موزون. لو كان سلطاني موجوداً لأزاح الغيوم جانباً وأراني السماء المرصعة بمليارات المجرات، حيث يحتضن كلّ منها مليارات من النجوم، التي تبعد عنا بمليارات السنين الضوئية… أرقام ليس بمقدورنا سوى المرور عليها من دون الولوج لغورها. ليعود ثانية إلى الأرض بعمر متوسط يتراوح بين 60-70عاماً، ويدور في  دورة الحياة، فيظهر الماء بتجلياته المتعددة؛ كبخار وغيوم ومطر وثلج، ويصبح كالهواء فيأخذ لنا الشهيق من الأشجار ويأخذ لها الزفير منّا… وبشعوذة دقيقة جداً؛ يقذف القمر والشمس بيد واحدة نحو الأعلى، ويتلقفها باليد الأخرى ليصير انساناً عموداً على الأرض، وابتسامته تندوعن غرور تفصح عن سعادته في مشاركته بكل هذه الأشياء التي خلقت من أجلي. وأنا أصفق له فخوراً.

مرة قال سلطاني: لقد قال كلمة واحدة فقط: كن، فصار كل ماهو موجود، كل هذا الذي تراه، كن فيكون الوجود كله.

قلت: لم لا يظهر نفسه؟

قال: وهل هناك ماهوأكثر حضوراً منه؟

قلت: هل هو موجود أصلاً؟

رأيت في نظراته، يقيناً لم أشاهده من قبل، ألواناً سطعت عن شعاع نور.

قال: هو أكثر حضوراً مني إليك ومنك إليَ.

قلت: أحب أن أراه، بهذا الوضوح الذي تمثله أنت إليَ. فانت ملأت لي فراغ؛ الأب والأم والأخ والأخت، عندها سيكون تصديقه سهلاً، وسأجد الطمأنينة.

قال: يراه؛ من يدعوه من القلب.

قلت: وحاجتي لرؤياه كانت دائماً من أعماق قلبي….ثم ابتسمت.

قال: إذن، كن مطمئناً ستراه.

والآن، أي مكان أفضل من هنا؟ أنا لوحدي، والثعالب لاتدرك من هذا الأمر شيئاً. أظهر نفسك لي ليقوى قلبي كقلوب الأنبياء، لأبلغ عبادتك.

قال: «لا تهدر هذه الفرصة، أظهر.» وضحك ثم التقط بعضاً من الثلج وصيّرها كرة وألقى بنظراته هنا وهناك ليرى إلى أين يرمي بها. شاهد أحد الثعالب جالساً نحوه وبعيداً عن مجموعته، فرمى كرة الثلج ورغم إن كرة الثلج لم تصل اليه، فقد هب واقفاً، كما انتصبت رقاب الثعالب الثلاثة ايضاً وذيل احداهما. أشار بيده للثعالب بما معناه؛ واصلوا اللعب ولاتخافوا. جلس ليحكم ربط حذائه. ثم قال: لأجلس قليلاً، كلا؛ قم.

وقف وبعد ان تمط قليلاً، قال: لابد من أن أرى مشهد القرية من فوق ذلك التل قبل حلول الظلام، سأقتفي خطى حلقات الدخان المتصاعد من مداخن القرية. وعندما تناول حقيبته انتبه إلى أن الثعالب الثلاثة مازالت متسمرة في مكانها والآخر كان جالساً أمامه تماماً…..لماذا؟ كان رأسه يدور مع كل حركة، فالوهم عمّ السهل والثلج، فجأة نمت الثعالب، تمددت أندامها أكثر وتوسعت أشداقها… إنها ذئاب! ذئاب!

ثم صرخ: «آه ذئب! » ضرب على رأسه صارخاً: «ياللهول ذئب! » وقف مبهوتاً أمام نظرات الذئب الحارس ووقفت بقية الذئاب في صف الذئب الحارس تحملق به.

لماذا لم افهم ذلك من قبل؟

عندما جثم على ركبتيه، شرعت الذئاب بالترقب والتجوال بالقرب منه.

إذن كانت تراقبني منذ اللحظات الأولى ومن بعيد، من بداية الطريق عندما ترجلت من الشاحنة، وكانوا يزدادون فرحاً كلما اقتربت منهم، ولم يكن مرحهم وتقافزهم احتفاءاً بالثلج، بل من رائحة لحمي، ودمي الذي سيلطعونه من على سطح الثلج. التفت إلى الخلف، ثم قال: حتى آثار أقدامي سيمحوها الثلج. ماالذي سيتبقى مني؛ غير أسمال من ملابسي، أو بعضاً من جلد أحذيتي، أو حقيبتي، وهي كل ماتبقى من جنود الكشافة الثلاثة. كلا، هذه القشعريرة ليست لشدة البرد. كيف ينظرون إليَّ بمتعة!

عبثاً حاول أن يشبك يديه، فصار كفاه شيئاً فشيئاً قبضتين. جلس الذئب الحارس على رجليه. عليَّ أن لا أقوم بأدنى حركة، يمكن أن تثير غريزتهم للهجوم. غير أن هذا يعني انتظار الموت، إنهم يدركون أن لاسبيل لي للفرار. أركض على الأقل… ولكن إلى أين؟ إلى الطريق العام، يحتاج ذلك إلى ساعة من الوقت، كما أنها لن تتركني أقطع أكثر من خمسين متراً ليكونوا حولي وقد قطعوا عني كل الجهات، ويتقدمون زاحفين. ألا يوجد بئر في هذه الأطراف؟ فإني أفضل أن أختنق فيه. نادى: « ياأمي…» ثم وضع رأسه على الحقيبة وقال: إن كان مصيري الموت ممزقاً بين أشداق الذئاب، لماذا لم تتركيني ألاقي حتفي في ذلك الحوض، في الحوض كانت سمكة كبيرة قد فتحت شدقيها لتبتلعني… كانت السمكة سوداء.

قالت الأم: لا أريد هذا الحوض، غيرّه الى حديقة.

قال الأب: هذا يعني أنه إذا سقط الطفل من السطح، علينا أن نخرب السطح أيضاً؟

لا تجادل يا أبي واسمع ما تقوله لك أمي، واجعل من الحوض حديقة مليئة بالورد الجوري. وأنت يا أمي قولي لهم؛ انني لم أنتشل ابني من الحوض لأقدمه لكم وجبة سهلة، ياذئاب انصرفوا عن ابني.

أسكتوا… هل تسمعون أصواتهم يا جماعة ؟

إنهم ينبحون كالكلاب. عليك يا حميد؛ الانتباه إلى هذا الذئب الحارس، فإنه كبّل يديّ ورجليّ، حاول أن تجذب اهتمامه، لأتمكن من الوصول إلى البئر الذي اكتشفه لي أبي. ألم تعثر عليه إلى الآن ياأبي؟ سألوذ به حتى لو كان عمقه مئة متر. وأنت يا زهراء يا أختي الحبيبة؛ إجمعي المزيد من الحطب، أريد أن أوقد ناراً كبيرة. وأنت يا أمي أمسكي بيدي ولا تبتعدي عني، آه كم هو رائع أن تكوني هنا. ليس في نيتي معاتبتك، غير اني كنت أرجح بأن لا تعتني بتسميني… لماذا كنت تصرين عليَّ لآكل العسل؟ عصارة أشعار بساتين سلطاني، ألتهم العسل؛ شطراً شطراً لأصبح غزلاً بديعاً، كما كنت تودين يا أمي… لماذا؟ هل عقدت اتفاقاً مع هذه الذئاب من أجل تسميني؟

أنشد ياسلطاني مرثيتي وأنا حيّ، أريد أن أبكي كل كلمة فيها، أريد أن تضمنها هذا الشطر: « أي موت هذا/ وكم هومفاجئ!» أما البيت الأول فخصصه إلى السيدة وكيلي، التي لم تكن تعرف أن بشرتي استمدت نظارتها من عصارة عسل زهور البستان. لذلك حفرت صفعتها عليه أثراً لايمكن أن يمحى بيسر. كان ذلك نهاية الدوام المدرسي، وكانت تدور حولي مرتبكة عسى ان تنسيني أثر الصفعة، وبعد أن قرع جرس نهاية الدوام. قالت لي: إبق هنا أحتاجك.

السيدة وكيلي ذهبت، وبقيت انتظرها لأكثر من ربع ساعة غير أنها لم تأتي فإنها كانت قد ذهبت. شاهدني السيد رحيم فقال ضاحكاً: لم لازلت هنا؟ وعبر ضحكته أدركت أن غاية السيدة وكيلي؛ هي أن أبقى أطول مدة ممكنة، لعل أثر صفعتها يزول عن خدي.

والآن ادخل البيت الثاني ياسلطاني، فموضوعه هو غضب الأم؛ وهي تبكي وتلعن، ولا تسأل عما فعلته وقد خطف لون وجه السيدة وكيلي ويداها ترتجفان. آه لوكنت أعلم انني سأكون وليمة سهلة للذئاب؛ لم أكن أدع أمي تندفع بهذا الشكل نحو السيدة وكيلي، والتي لم تصحومن غيبوبتها الا بعد أن شربت ماء القند.

والآن ما الذي بمقدورك فعله مع هذه الذئاب يا أمي؟

فالذئاب واثقون من أنهم سيلتهموني، وحركاتهم تشير إلى أنهم يريدون أن يرفعوا من شدة اشتهاءهم. قال: « يا أمي… يا أبي…» ومن شدة البكاء بدأ جسده يرتعش. احتضنت الأم رأسه وقالت: لا ياعزيزي؛ هل مت أنا حتى تبكي هكذا؟

قال: هل هذا هو تقديري؟

ضحك الأب وقال: كالنساء…

قالت الأم: البكاء أمر لايخص النساء فقط

قال: هذا هو تقصيري لأني أردت أن أثبت لكم مقدرتي على إدارة الحياة انخرطت في الخدمة العسكرية

بكت الأم وقالت: أنا التي تحملت أتعابك، إلا أنك لبيت طلب أبيك ورغبته؟ هل هذا جزاء محبتي؟

تقدم الأب منهما واحتضنهما معاً وقال: وانا أيضاً اعتذر عما بدر مني وعما فعلت، لقد أثبت ياعزيزي كمال أنك رجل عن حق. الآن قم لنرجع إلى المنزل حيث الدفء والراحة، لنذهب بعد ذلك إلى الصيد معاً، اترك هذا المكان الذي ليس هوبارداً وحسب، بل على تلّة أربعة ذئاب تترقب أيضاً.

ساروا باتجاه المنزل. كلا، لاتطفئي النار يا زهراء الحبيبة، أتركيها متوقدة لعل عابراً يمر من هنا، ولنرم جميعنا الذئب الحارس بعدة كراة من الثلج ، لقد عذبني كثيراً يا أمي.

قالت الأم: دعني أدهن وجهك يا عزيزي، فالبرد جفّف بشرتك بشدة، وتشعّثت خصلات شعرك تحت القبعة، هل تود أن أعمل في شعرك فرقاً كما في السابق؟

ثم انهمرت دموعها كسحب الربيع. التفتت إلى نساء الأقارب والجيران وقالت: لقد أعاد الله لي إبني، كانت الذئاب على وشك…..

صرخ أبي غاضباً: ناوليني بندقيتي كي ألقن تلك الذئاب درساً لن تنساه، كانت تريد أن تأكل إبني؟ صوب بندقيته باتجاه الذئاب، يا أبي إضرب الذئب الحارس أولاً، إرتفع عواءه بعد سماعه صوت الإطلاقة، فاختفت الذئاب.

قال: عاشت يداك يا أبي لقد أرحتني. أنشد بيتاً يا سلطاني في وصف أبي.

ورفع رأسه عن حقيبته، رأى الذئاب على التل تتقافز. قال: مازالت هناك؟

فاجهش بالبكاء، حاول الوقوف لكن يداه كانتا قد تخدّرتا. عليَّ التحرك. نعم! تعِّب أطرافك قبل أن تفقد السيطرة عليها ، دع دمك يتسمم كي يصبح لحمك مرّاً بمذاق الذئاب، وعندما نهض بمساعدة جذع الشجرة، نهضت الذئاب الثلاثة أيضاً، والذئب الحارس لا يدع أيّ حركة منه إلا ورصدها. فبدأ يقفز في مكانه ويفرك يداه. هل لك أن تتسلق الشجرة؟ صحيح انها قصيرة، نحيفة، إلا أنها أفضل من لاشيء، هجمت الذئاب فجأة. فصفع على رأسه وقال: يا إلهي…

لكن الأمر لم يكن سوى وهم سببه اهتزاز الدمع في عينيه. فما زالت الذئاب تقفز وتمرح، سوى الذئب الحارس. ولكن ان رميت لها معلبات اللحوم هل كانت ستتركني لحال سبيلي؟ كلا، فهي تعشق لحم البشر. ولحمك مذاقه شهياً إلى الحد الذي ان نمت خارج الناموسية فستكون مركزاً لاستقطاب البعوض والتي تمتص دمك إلى الحد الذي لا تقدر على الطيران، والذئاب تلتهم اللحم وتلعق الدماء، ستكون يداي نصيب اثنين منهما وقدماي من نصيب الآخرين وستتقاسم جسدي، لكنك انت الذي تفكر هكذا، أما الذئاب فهمّها ابتلاع أكبر حصة ممكنة منك. ولكن ما مصير وجهي؟

اكتب عن تفاصيل وجهي بيتاً يا سلطاني، وهل سيكون وجهي بحجم فم أحداهما. غطى وجه بكفيه وانتابته قشعريرة ثم صرخ باكياً: «يا الهي… أدركني… “

ما دمت قادراً على الحركة فتسلق الشجرة ولا تدع أن تفلت هذه الفرصة من يدك. بقفزة واحدة منها سوف أخرّ ساقطاً. نهض وضع قدمه على حقيبته، لم يلتفت إلى الذئاب وهي تقف متوثبة، قفز متسلقاً الشجرة. ولكن الشجرة أضعف من أن تتحمل وزنه، وفعلاً تكسرت أغصانها المدببة بهزة واحدة، وعندما ألقى نظرة إلى الأسفل كان قد ارتفع متراً واحداً عن الأرض،هل هذا يكفي؟ حاول أن لا ينظر صوب الذئاب، غير أن أصواتهم كانت قريبة جداً، ويبدوأنها كانت تضحك مندفعة وقد التحق بها الذئب الحارس. كانت الذئاب تتلاعب وتضحك.

شهق باكياً: ياالهي….يا إلهي العظيم… وصرخ يا الله.

كفّت الذئاب للحظة عن الضحك وحملقت به ثم استأنفت ضحكها

قال: أدركني….ساعدني يا إلهي وصرخ يا الله؛ من اسمك استمد القوة والأمل، وأنا على يقين من أن الذئاب أيضاً تدرك معنى اسمك، لأنه صلة الوصل بيننا جميعاً؛ أنا والذئب والثلج والسهل والغيوم وشجرة اللوز هذه. فيا عائلتي الكبيرة لا ترتضي لي مثل هذا الموت. ثم صرخ: ياالله… ووسط نشيجه هذا شاهد الذئاب وهي تلتفت فجأة إليه مندفعة بقوة. إنكمش جسده وتمدد جلده وانتصب شعر بدنه، أحس بكل مسامات جسمه وهي تنضح عرقاً. ووسط بكاءه المتقطع شعر أن جلد أحد الذئاب يمس معطفه حينما وثب نحوه، بدأت الشجرة بالتمايل وأحس بمقدمة جزمته اليمنى عالقة بين فكي ذئب آخر للحظات ثم تركه، اما معطفه الجلدي فقد تمزق بضربة مخلب ذئب آخر، وأمامه كان فم ذئب فاغراً وعيونه المشتعلة بلون الدم؛ تحدق فيه وأنيابه الحادة كان بمقدورها تمزيق النظرة ذاتها… ولكن أين كان هذا الذئب؟ لقد التقط بأنيابه الجزمة اليسرى ثم أفلتها، وذئب آخر كان يصدم الشجرة بجسده بشدة لتتأرج إلى الأمام والخلف وذئبان آخران كانا واقفين خلفه ويقذفان الثلج عليه باقدامهما بقوة. أغلق عينيه وأشاح برأسه بعيداً، تاركاً كرات الثلج تتساقط على ظهره، أما الذئب الخامس فقد ظل فاغراً فمه؛ انها صورة الموت؟

ها أنا على وشك السقوط. صرخ: ياالهي…

أحس بأن قدمه اليمنى أصبحت أخف من اليسرى، الرؤية أصبحت عسيرة عليه من شدة عصف الثلج الموجه إليه من قبل الذئاب، سحب رجله اليمنى وسقطت جزمته وفم الذئب المفتوح أصبح قريباً جداً وشعر بانفاسه الكريهة وهي تلطم وجهه، حتى يداي… ولكن لماذا صرت أدور؟

من بعيد سمع هاتفاً وعندما توقف رشق الثلج عليه مِن قِبل الذئاب. شاهد شخصين ينحدران راكضَين من فوق التلّ وسمعهم يقولون: قاوم…

هكذا إذن، يبدوأن الذئاب شاهدت قدوم هؤلاء الأشخاص فسارعت بالهجوم. أحس بنفسه معلقاً في الهواء وشعر بارتطامه بالأرض… إلى أن يصلوا سأكون ممزقاً.

قال: سامحوني… أغلق عينيه بشدة كي لايرى فم الذئب المفتوح، رأى أن وجهه قد غاص في ذلك الفم. تسارعت ضربات قلبه، سمع أصواتاً من بعيد: (كان بإمكاننا أن نأخذ بطاقات العرس غداً إلى قرية نصرآباد، لسنا في عجلة من أمرنا..) فتح عينيه. شاهد ضوء فانوس وظلال السقف المتداخلة…(عندما رأيت حركات الذئاب، قلت لكريم لابد من وجود أمر ما…) عرف صوت كريم، حرك قدميه ويديه، إنه لم يفقدهم. انه حي. لقد رميناها بالفؤوس. يكفي ان ينبح أحدها حتى يفر الباقين.

– ملاعين الوالدين

– ياللعجب…ياللعجب

كان ذلك صوت عمدة القرية (يبدوأنه قد استعاد وعيه) انتبه إلى صوت سلطاني الذي قال: لقد مَنَّ الله على أمه وتلطف عليها.

ضغط على جفنيه؛ أنشد للحياة ياسلطاني. فهمس: (لقد شعرت به) واستمر في ذهنه يقول: ولكن كيف لي أن أشرح لك هذا؟

ماالذي تقوله….ياسيدي؟

واصل نجواه قائلاً: أدركته… واستمر في ذهنه؛ إلى الحد الذي يمكن لمسه؟ ألمسه؟

قال سلطاني: ياعزيزي كمال؛ هل تحتاج شيئاً؟

واصل همسه: لقد رأيته، وقد ابتسم لي بلطافة مرئية.

ثم قال: يا أسرتنا……وأجهش بالبكاء.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق