ثقافة السرد

النسبية

نجوى بن شتوان

يوم مولده قالت أمه لأبيه إذا ختناه وهو صغير لن يشعر بالألم، سيبرأ عاجلاً ببوله، ختنوه وشفاه بوله في اليوم التالي لأنه لم يعد يبكي، وليس لأن أخته تسللت ووضعت مرهماً مسكناً، أحدهم أتى وحشر الملائكة بين الجرح والشفاء، وروى مخيلته عن الملائكة التي تختن الأطفال سراً وتشفيهم علناً، فنالت الملائكة سمعة إبراء الجراح، لأن معظم الناس يريدون أن تحابي الملائكة أطفالهم وتصطفيهم، لذا تراجعت سمعة مفعول البول الشافي في الخضم، و غلبت نظرية الملائكة نظرية البول، كما غلبت نظرية الشفاء بالبول، نظرية التداوي بالعقاقير.

كبر الطفل وتعلم من رفاق السوء في المدرسة أشياء كثيرة، شرب مادة تزيد الحفظ وتطيل زمن المذاكرة وشحذ الذاكرة، خرجت به المادة عن المقصود قليلاً، فأراد إزالتها بشرب القهوة، شرب ولم يجد في جيبه نقوداً لتسديد الثمن، ماذا يفعل هل يصارح النادل ويتم القبض عليه أم يخلص نفسه من الفضيحة ويتسلل هارباً، غلبت نظرية الفضيحة، فخادع النادل وهرب، طارده من كانوا في المقهى وأقاربهم الذين كانوا في شوارع أخرى يتكلمون معهم على مواقع التواصل الإجتماعي، أقاربهم في الأزقة القريبة من اتجاهات الهارب، كانوا يتحينون سيلفي القبض عليه لتغيير مجرى ذلك النهار الممل جداً.

تغلبت نظرية السيلفي على نظرية ستر الله من ستر مؤمناً.

سلّموه للحاكم العادل، وكان نصف الشعب مثالياً يريد تطبيق العدالة وإن كان شاهداً على الهرب وليس على السرقة، حتى لا يفعلها غيره ممن يشحذون الذاكرة أو أعضاء أخرى، قطعوا يده، تلك التي كان يمسك بها الكتاب، ليست تلك التي شرب بها القهوة، لم يشفَ جرحه في اليوم الثالث ولا الرابع ولم تتدخل أي ملائكة، بل ترك الأمر للشياطين، كبر به الألم وأقسم أن تأخذ يده الثانية بثأر الأولى من نصف الشعب الذي طارده، ترك تعلم الأشياء الأولى وذهب ليتعلم القنص.

تغلبت نظرية، أغلبية تشهد على شيء لم تره، على نظرية شاهد لمسألة لم ترها الأغلبية.

عندما صارت يده جاهزة اشترى بندقية وقنص كل من رأى وجهه في الشهود والجمهور ، الهاتف بتحقيق العدالة، وربما حتى من خيل إليه أنه رآه، لم يكن لديه وقت للاستثناءات، كانت يده عاملة، قال الحاكم العادل هذا وباء يهدد البلاد، أمسكوه واقطعوا يده الأخرى، قالت دار الإفتاء التي أيقظ الفأس شهيتها، كلا بل نقطع له رجلاً لنترك له كيف يقضي حاجته وكيف يأكل ويشرب، فما نحن بأشرار.

تغلبت نظرية على أختها.

قطعوا الرِجل، ولم يبرأ جرحه في عامين أو عشرة، أقسم أن يثأر لرجله، قال الحاكم العادل اقطعوا الرجل الأخرى حتى يكون عبرة، قالت دار الافتاء بل نترك له ما يخدم به جسده فقط ولنفقأ له عيناً ولتكن اليسرى ، ولم تبرأ جراحه أبداً، أقسم نصف الإنسان الذي صار عليه أن يحرق البلاد بمن فيها، عاد لكتاب الفيزياء ومن تلك الذرة البسيطة التي تتناثر عنقودياً طور القنبلة وحرق نصف الإنسان، عالماً مهمته أن يشهد على ما لم يره أو يدركه.

تغلبت نظرية الإدراك على نظرية الاتباع. واستطاعت الذاكرة أن تدفع بغيرها من الأعضاء إلى البتر وتنجو هي لتنتقم.

تغلبت نظرية العبيد يشيدون الهرم والفرعون يحتكره باسمه مدى الحياة.

*كاتبة ليبية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق