حوارات المجلة

الأديب الدكتور أحمد الخميسي للمجلة الثقافية

يضاف هذا الحوار إلى الحوارات التي أجريتها وسأظل أعتز كثيرا بها، لقيمتها الأدبية والفكرية، والحال أن حواري هذا مع واحد من أفضل كتاب القصة القصيرة في نظري، ربما لطريقته المدهشة في جعل القارئ يتمسك بالسطور إلى آخرها، بإحساس من المتعة، ولعلي هنا سأصف حالتي وأنا أنتهي من قراءة مجموعتيه القصصيتين ” قطعة ليل” التي صدرت عام 2004 عن دار ميريت، و”كناري” الصادرة عن سلسلة كتاب اليوم 2010، والتي أعتبرهما دون أدنى مجاملة من بين المجموعات القصصية الرائعة التي قرأتها. في هذا الحوار، تحدث الأديب الدكتور أحمد الخميسي عن جملة من المواضيع الثقافية والفكرية، كما تحدث عن الوعي الفكري والإنساني الذي لا بد أنه أسس لهذه الرغبة الشعبية في التغيير على مستوى الوطن العربي، لأجل أوطان حقيقية مبنية على العدالة الاجتماعية وعلى الوعي القومي والإنساني..

المجلة الثقافية: لو طلبت من الدكتور أحمد الخميسي أن يقدم نفسه ، ماذا سيقول؟

د. أحمد الخميسي: ولدت في أسرة من الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، كانت والدتي مدرسة، ووالدي شاعرا وكاتبا معروفا هو عبد الرحمن الخميسي، لكن ظروف القلق وعدم الاستقرار أحدقت طفولتي وأظن أنها تركت أثرا بالغا في نفسي. فقد فتحت عيني وأنا صبي في الخامسة على رجال الأمن يهاجمون بيتنا ليعتقلوا والدي عام 1953، ويفتشون مكتبته، ووارى المعتقل أبي، واضطرت أمي للعمل في مدينة بعيدة عن القاهرة، فعشنا وحدنا ظرفا قاسيا مع جدي وجدتي، وأصبح القلق وعدم الطمأنينة سمة ملازمة لنا. وربما كانت القراءة والانخراط في عالم القصص السحري مهربي أو مخرجي الوحيد من تلك السنوات، لهذا قرأت كثيرا، ونشرت أولى قصصي عام 1964 في مجلة صباح الخير، ثم قدمني يوسف إدريس في مجلة الكاتب عام 1967، إلي أن تم اعتقالي عام 1968 وأنا في العشرين في مظاهرات طلابية احتجاجا على أحكام هينة بحق قادة الطيران المسئولين عن نكسة 67، ورسخت تجربة الاعتقال الذي دام نحو ثلاث سنوات فكرة غريبة في نفسي أن الكتابة عمل بلا جدوى، وأن البطش والقوة هو العامل الحاسم. وساقتني هذه الفكرة الكئيبة لهجرة الكتابة الأدبية زمنا إلي أن عدت إليها بعد أن أدركت أنها الشيء الوحيد الذي أحسن القيام به. ماعدا ذلك، فإنني إذا أردت أن أقدم نفسي فسوف أقول باختصار إنني إنسان أتيحت له إمكانيات كثيرة لم يحسن استخدامها. في صباي كنت أنقش على أبواب حجرات بيتنا عبارة مكسيم جوركي” جئت إلي العالم لكي أختلف معه” ، ولكني بعد زمن طويل أميل للقول إني جئت إلي العالم لكي أفهمه، ولكي أدرج نغمة ما صادرة من نفسي في دفتر النغم الأدبي الضخم الذي يحلم بعالم أفضل .

المجلة الثقافية: سنوات من الإبداع والنضال بالكلمة، على مدى العديد من المجموعات القصصية، المقالات الأدبية والفكرية والسياسية، فأسألك: كيف ينظر الدكتور احمد الخميسي إلى هذا المشوار؟ وهل أنت راض عن نفسك كأديب/ إنسان/ مواطن؟

د. أحمد الخميسي: أنظر إلي مشواري من غير ندم. لأن الحقيقة الأساسية التي حكمت هذا المشوار لم تكن قط حجم الإبداع الأدبي ولا حجم ما أنجزته، الحقيقة الأساسية التي كنت ومازلت أحاكم على ضوئها نفسي هي أنني عشت حرا، لم يجبرني شيء على نفاق قوة أو سلطة أو مال أو مفهوم رائج، وكل ما كتبته موجود في الصحف المصرية والعربية، ولن تجد به حرفا واحدا تملقا لأحد أو لجهة. هذا الشعور بالحرية الباطنية هو الحقيقة التي حكمت مشواري، وكثيرا ما أتذكر عبارة الكاتب الروسي ” نيكراسوف “: ” لست ملزما أن تكون شاعرا عظيما، لكنك ملزم بأن تكون مواطنا عظيما”. وقد حاولت أن أكون مواطنا شريفا،  وأعتقد أن الكثيرين قاموا بذلك أيضا.

المجلة الثقافية: في إحدى المقابلات مع الكاتب الكبير غابريـــال غارسيا ماركيز، قال أن للكاتب ذاكرتين، واحدة يحتفظ بها لنفسه والأخرى يفرغها على الورق.. إلى أي مدى تصدق هذه المقولة على الكاتب العربي عموما، وعلى شخصك خصوصا؟

د. أحمد الخميسي: أظن أن قول غابريال غارسيا ماركيز صحيح إلي حد كبير. لأنه كما تقول فرجيينا وولف فإن ” أعين الآخرين سجوننا، وأفكارهم زنازيننا”. الكاتب العربي مقيد بعيون وأفكار من حوله، مقيد بالتصورات الاجتماعية السائدة، وبسقف الحرية المتاحة، وكثيرا ما يصعب عليه كسر تلك القيود وفتح النوافذ أمام ذاكرته الأخرى. أعرف كاتبة مصرية قالت لي إنها لم تستطع أن تكتب شيئا حقيقيا إلا بعد انفصالها عن زوجها، وأن كل ما كتبته قبل ذلك كان يثير شجارا ونقارا عائليا، ناهيك عن أنه لم يكن مغترفا من أعماقها. وأظن أن عندنا كتابا كبارا احتفظوا لأنفسهم بالذاكرة الأخرى، لا أظن مثلا أن إحسان عبد القدوس تمكن يوما من كتابة ما جرى له في السجن بكل التفاصيل المرهقة، وحتى نجيب محفوظ حين سجل جزءا من حياته في الثلاثية، اضطر لمدارة الكثير من ذاكرته الأخرى. مساحة التحرر من عيون الآخرين وأفكارهم في الخارج أكبر. سأضرب لك مثالا، هل يستطيع كاتب الآن أن يكتب ما كتبه أبو نواس؟ أو هل يستطيع كاتب الآن أن يقدح ويذم حاكما بالصراحة التي فعل بها المتنبي مع كافور؟. عيون الآخرين تزداد تحديقا إلينا، والأسوار التي تضربها أفكارهم حولنا أصبحت أقوي.

المجلة الثقافية: هنالك تلك الذاتية التي نجدها في النصوص الأدبية مارسها أكثر من جيل وان اختلفت في تفاصيلها، فالكاتب كائن يلبس شعوره الأزلي بالغربة كما قال”جوستاف لوكليزيو”، هل يتلخص النص الأدبي العربي في كونه يصنع ذاتية متجردة أم في كونه نصا يحقق حالة إبداع حقيقية؟

د. أحمد الخميسي: النص العربي يرواح بين الحالتين، أي بين كونه يخلق ذاتية متجردة أو منفصلة إلي حد ما عما حولها، وبين كونه يحقق حالة إبداع حقيقية. هذا رهن بكل كاتب على حدة، وبما كتبه. هناك حالات برز فيها النص الأدبي تحديدا من زاوية خلقه لذاتية مجردة، وحالات أخرى مغايرة. لكني أعتقد أن حالة الإبداع الحقيقية هي مزيج من نظرة الكاتب للعالم، وواقع وجود العالم بحد ذاته، مزيج من هذه الذاتية، والواقع الموضوعي.

المجلة الثقافية: هذا يقودني إلى سؤالك كيف تقرأ النص الأدبي المتاح على مستوى الوطن العربي اليوم، وكيف تقرأ زملاءك الأدباء في مصر، وهل حقق الأدب العربي في نظرك قفزة نوعية في الشكل والمضمون وآليات الكتابة؟

د. أحمد الخميسي: دعنا نتفق بداية على أننا في الأغلب الأعم من ثقافتنا، وفي الأغلب الأعم من القفزات التي نحققها، مرتبطون أساسا بما تنجزه أوروبا والغرب. وكل الفنون التي عرفها العرب – ماعدا الشعر وبذور مسرحية ضعيفة – وفدت إلينا من الغرب: المسرح، والقصة القصيرة، والرواية، والسينما، والتيارات الفلسفية والعلمية. وأيا كانت القفزات النوعية التي نحققها – أو حققناها – في الشكل والمضمون وآليات الكتابة فإنها في نهاية الأمر استجابة لما تم تحقيقه في الخارج أو تفاعل مع ذلك. في فترة من الفترات كان هناك ولع بالواقعية النقدية، ثم هوس بالمونولوج الداخلي وتيار الوعي، ثم حلت النظرة البنيوية والتفكيكية في الأدب، ثم راجت الواقعية السحرية، وغير ذلك، وتاريخ الأدب العربي – على الأقل في مصر – هو تاريخ هضم المدارس والتيارات الأوربية في الأدب. نجيب محفوظ على سبيل المثال أعاد إنتاج الرواية الكلاسيكية الأوروبية في مصر، هذا لا ينتقص من قدره أبدا، هذا فقط إشارة إلي حدود دورنا في مجال الشكل وآليات الكتابة، أما المضمون فيظل أمرا يخصنا، من إبداعنا، بحكم اختلاف واقعنا. الآن، سنجد الكثير من الكتابات الأدبية، بل أكثر مما ينبغي، لكن معظمها ضحية لتمجيد الشكل، والتقنية. ومازلت أذكر كتاب ” الأدب في خطر ” للناقد الفرنسي المعروف تيزفيتيان فيودروف، الذي ترجم في المغرب، وينبه فيه صاحبه إلي أن الشكلانية قادت الأدب الحديث إلي العدمية. في مصر أدت المدارس الشكلانية إلي ضجيج متصل، وطحن قليل. لكن ذلك لا يمنع بالطبع وجود أدباء حقيقين كبار مثل بهاء طاهر، ومحمد ناجي في الرواية، ومثل محمد المخزنجي في القصة القصيرة وهو مبدع من نوع فريد، وغيرهم.

المجلة الثقافية: لعل ما يبدو مثيرا أن أكثر النصوص “شهرة وتوزيعا” هي تلك المرتبطة بالجسد ضمن أيروتيكية تفتقد أحيانا إلى الجماليات اللغوية والفنية.. كيف تفسر أن تُباع رواية ايروتيكية عربية ب8 دولارات في الوقت الذي لا يباع كتاب جيد نوعا ومضمونا ب3 دولارات؟

د. أحمد الخميسي: تفسير ذلك يكمن في الضربات التي تلقاها الوعي السياسي والاجتماعي والأدبي بحيث أصبح الأعداء يقدمون إلينا بصفتهم الأصدقاء، والطغيان يصور لنا على أنه العدل، والتفاهة تلقى تمجيدا وتحصد الجوائز. لقد تم تفكيك العقل الوطني في الثقافة والمجتمع، ولم تبق منه سوى شظايا، وعمت حالة من الترويج الإعلامي والتطبيل لمدارس الشكلانية بمواصفات معينة. من ناحية أخرى أسهم انصياع الكتاب لتلك الحالة في تدهور الأوضاع، إذ يتصور البعض أن عليه أن يقدم “السلعة ” التي تتقبلها أجهزة الدعاية وترحب بها.  من ناحية أخرى تساهم الأمية الأبجدية والأمية الثقافية في ترسيخ غياب المعايير الأدبية الحقيقية. أضف إلي كل ذلك عجز الكتاب الحقيقيين أحيانا عن العثورعلى  جسر يعبرون فوقه إلي القراء.

المجلة الثقافية: ثمة دور نشر تقول “القارئ عايز كذا”، هل حقا ثقافة القارئ العربي محصورة على قراءات تضاريس الجسد الأنثوي فقط؟ أين يكمن الخلل في نظرك؟

د. أحمد الخميسي: دور النشر والصحافة تروج لمفهوم ” القارئ عاوز كده “، والحقيقة أن دور النشر هي التي ” عاوزه كده “، لأنني لم ألتق بصاحب دار نشر ليس تاجرا في الأساس، والكتب بالنسبة إليه مجرد سلعة يعيش ويدفع فواتير بيته من أرباحها. هذا المنطق نفسه هو المنطق السائد بالنسبة للأغاني والأفلام والمسرح التجاري. والمتلقى حينما لا يجد شيئا سوى التفاهة، فإنه يستسلم لها، خاصة مع الحملات الإعلانية المكثفة التي توهم المتلقى بأن فلانا كاتب، وبأن كتابه عمل إبداعي فريد، وما إلي ذلك. ومفهوم أن يقال ” القارئ عاوز كده ” طالما أنك لا تقدم شيئا آخر سوى ” كده “. لكن جرب أن تنشر الثقافة الحقيقية لتكون للقاريء حرية الاختيار لكن نشر الثقافة الحقيقية لا يتفق مع مصالح المؤسسات الحاكمة، لأن كل كتاب حقيقي يثير التفكير والتأمل، وهذا خطر.

المجلة الثقافية: دعني أعود إليك، أنت حاصل على الدكتوراه من موسكو، وأنت أيضا من بين أشهر الذين قدموا الثقافة الروسية إلى القارئ العربي.. سأسألك أين تلتقي الثقافة الروسية مع الثقافة العربية في نظرك؟

د. أحمد الخميسي: الثقافة الروسية كانت أحد أهم عوامل التأثير في الثقافة المصرية، ويذكر يحيي حقي أن الكتاب الذين أسسوا القصة المصرية كانوا منقسمين إلي مجموعتين: أنصار الروسي تشيخوف، وأنصار الفرنسي موباسان. بالنسبة للثقافة الروسية فإنها تلتقي مع الثقافة العربية من حيث الطابع الشرقي.  فالحضارة الروسية مزيج من الشرقية والغربية، لهذا يقولون إنها حضارة ” أورو- آسيوية “، فقد تأثرت الثقافة الروسية بالشرق أولا بحكم  أن التتار المسلمين حكموا روسيا زمنا، حتى أن لينين كانت له عبارة شهيرة هي: ” إذا حككت جلد أي مواطن روسي ستجد تحته مواطنا تتاريا”، كما أن الحضارة الروسية تأثرت بالوسط الإسلامي المحيط بها في آسيا الوسطى. هذا الطابع الشرقي جعل المتلقى العربي يجد نفسه في الأدب الروسي، وحتى في الموسيقى كان يجد نفسه في أعمال تشايكوفسكي، ورحمانينوف وغيره.

المجلة الثقافية: ما لا يختلف عليه اثنان أن الأدب الروسي يشكل إلى اليوم مرجعية إنسانية للأدب العالمي.. ما مدى ارتباط الأدب الروسي ـ في نظرك ـ بالحضارة العربية والإسلامية، على غرار “تولستوي” على سبيل المثال لا الحصر؟

د. أحمد الخميسي: الارتباط بين الحضارة الروسية والعربية – الإسلامية قوي جدا، أكثر مما يتصور الكثيرون. يعرف الجميع أن محمد على مؤسس نهضة مصر الحديثة استعان بمشاريع الإصلاح الفرنسية ودرسها قبل أن يقدم على بناء مصر الحديثة، لكن قلة فقط تعرف أنه درس أيضا إصلاحات بطرس الأكبر في روسيا. وربما لايعلم أحد أن دستور أول ” إمامة ” بزعامة الإمام شامل في القوقاز قد وضعه مبعوث من محمد علي إلي هناك. وهناك قصائد بالروسية لأحد أعظم الشعراء الروس وهو ليرمنتوف عن فلسطين، كما كانت هناك رسائل متبادلة بين الإمام محمد عبده وليف تولستوي مؤلف الحرب والسلام، وتولستوي نفسه قام بترجمة بعض أحاديث الرسول (صلعم) التي أعجبته إلي الروسية، أما بوشكين أمير الشعراء الروس فله كتاب صغير بعنوان ” ليالي مصرية “، وعوامل التأثر والتأثير كثيرة، ولذلك كان القارئ العربي يشعر دائما بأن الروح الروسية قريبة منه، خاصة في الجانب الروحي، أي في تلك السمة الخاصة بالبحث عن الإله والإيمان والعدالة، وكلها أشياء تتوارى إلي حد ما في الثقافة الغربية، وتبرز بقوة في الثقافة الروسية.

المجلة الثقافية: أنت من أهم كتاب القصة القصيرة في مصر، بشهادة العديد من النقاد، كيف تصف لنا القصة العربية الراهنة كشكل من أشكال السرود الأدبية، وإلى أي مدى يشعر الدكتور أحمد الخميسي أنه صنع عالمه القصصي المتفرد، في زمن العوالم الافتراضية؟

د. أحمد الخميسي: أشكرك على حسن ظنك في، لكني لست واثقا تماما ما إن كنت أحد أهم كتاب القصة القصيرة في مصر أو في غيرها. أنا أكتب فقط، وقد يرجع تصورك هذا إلي أن الرواية طغت مؤخرا على الأشكال السردية الأخرى، وأن الكثيرين هجروا فن القصة القصيرة، وأصبح المتفرغون له قلة قليلة. لكني أرى أسماء كثيرة مثل رباب هلال في سوريا، وغيرها في العراق، والمغرب. طبعا لست محيطا بكل التجارب والإبداعات، لكني أتكلم في حدود المتاح لنا أن نقرأه. وفي مصر يوجد عدد غير قليل من الكتاب المبدعين في مقدمتهم من دون شك محمد المخزنجي، ومحمد البساطي، وعدد كبير من الشباب غير المعروفين للأسف. بالنسبة لي لا أدري إلي أي مدى يمكنني القول إني نجحت في خلق عالم قصصي متفرد. أنا أشك كثيرا في كل ما أكتبه وأنظر إليه بريبة كما تنظر الأم إلي طفل دسوه عليها على أنه وليدها. أنظر لكل ما أكتبه بشك .

المجلة الثقافية: عندما قرأت نصوصك الأدبية، وجدتني بصدق أقف أمام تجربة أدبية جميلة، تحاكي الماضي والحاضر، مثلما تحاكي الأجيال داخل واقع لا يخلو من خيبة ومن إحباط.. كيف يبني الدكتور أحمد الخميسي قصة قصيرة كاملة البهاء؟

د. أحمد الخميسي: أشكرك كثيرا على كلماتك الطيبة. ولكن من الصعوبة بمكان الحديث عن كيف أبني أنا ( وأظن أي كاتب آخر ) قصته . أحيانا تبدأ الكتابة من انفعال، أحيانا تبدأ من خاطر أو فكرة، لكني في كل الأحوال أحاول الإلتزام بالإيجاز الشديد، وبالشعور بإيقاع اللغة، أحاول أيضا أن أظل أمينا لفكرة أن الأدب صورة يجب نقلها بوضوح وبساطة، أحاول ألا أكتب إلا إذا كنت أشعر بما أكتبه وأعرفه، وفي ظل هذه المباديء العامة تفرض القصة شكلها الذي تخرج به، أنت تستطيع أن تضع بذرة طفل، لكنه يخرج كما يشاء هو. المباديء العامة في الكتابة هي بذرة، لكن شكل العمل يفاجئني أحيانا. ولست من أنصار طريقة محددة، هناك قصص تبنى على “موقف”، وهناك قصص تبني على ” شعور “، وهناك قصص تبنى على “مفارقة”، وهناك قصص يكون الأساس فيها ” الحادثة ” وما ينجم عنها. صراحة السؤال صعب، لأنه يتعلق بصميم عملية الإبداع التي ماتزال أجزاء منها غارقة في الظلمة. عندي – على سبيل المثال – قصة اسمها ” قصة ” خرجت بسبب عبارة كتبتها ونسيتها “وجد الرجل هذه القصة في الشارع”، وفجأة عدت إليها، وبنيت عليها قصة أخرى كاملة. كيف تتفاعل الخواطر والأشكال والكلمات؟ سؤال صعب . صدقني.

المجلة الثقافية: لعل ما يبدو واضحا هو أن ثمة واقعا سياسيا لا يقبل التلوين، متجرد من الجمال، وغارق في البشاعة، وهو ما تلمسته في نصوصك الأدبية التي تتداخل في كثير من الأحيان مع واقع الإنسان السياسي؟

د. أحمد الخميسي: أنت محق. الواقع السياسي كان ومازال غارقا في البشاعة. يكفي الجرم الكبير الذي يتم في فلسطين يوميا. أما عن مصر فقد انتهكت كل قيمة شريفة في عهد الرئيس مبارك ومن قبله السادات. والآن بعد أن تنحي مبارك تكشف الواقع عن أكبر عملية نهب لمصر في تاريخها الحديث، وأكبر عملية تزييف للوعي. كنا نشعر بذلك، ولم يكن من الممكن تجاهل الجريمة التي تنبعث رائحتها من حولك في كل مكان، حينما شاركت مصر في الحرب على العراق، وحينما شاركت مصر في حصار غزة الإجرامي، وحينما جوع النظام السياسي شعب مصر وأهانه. وفي مجموعتي الأخيرة “كناري” ستجد قصتين بشأن الواقع الفلسطيني: “بط أبيض صغير” و “حصان أحمر” وثلاث قصص تتقاطع مع الواقع المصري السياسي هي : “انتظار”، و “بدلة”، و” نظام جديد “، وكلها ضمن المجموعة التي صدرت قبل 25 يناير، وأظن أن أمام مصر مرحلة طويلة لتغيير ذلك الواقع الذي انتهكت في ظله كل قيم الشرف والضمير والموهبة.

المجلة الثقافية: في نهاية الستينات، وبداية السبعينات، كانت الرؤية الثقافية جزءا من رؤية سياسية تسعى إلى تحقيق أحلام الوطن بشقيه القومي والإنساني بعيدا عن النظرة القطرية الضيقة، لماذا عجز مثقف اليوم عن فرض أطروحته الفكرية واستسلم لدور التابع؟

د. أحمد الخميسي: في نهاية الستينات وبداية السبعينات كان هناك مشروعا للتحرر الوطني والقومي، وكانت هناك رؤية ثقافية تعيش في أحضان تلك الرؤية السياسية. وبانكسار المشروع التحرري انكسرت للأسف الرؤية الثقافية التي كانت تتحدث عن علاقة الأدب بالشعب، وعن دور الأدب، ودور الأديب، وسادت وعمت كفطر الغابات الرؤى الذاتية، والأنانية، والشكلية. ومع ذلك فإن ثمة مثقفين وأدباء لم يستسلموا للطوفان، بهاء طاهر مثلا كتب روايته الجميلة “واحة الغروب” يقرع بها أجراس الخطر، وكتب محمد ناجي “الأفندي”، وهناك الكثيرون ممن يقفون في غمرة الطوفان. لكن المشكلة أن المثقف في فترات الانحسار يصبح مثل زهرة وحيدة في حقل من الأشواك. عجز المثقف يتمثل ليس في حقل الأدب والثقافة، بل في حقل السياسة، حيث يعجز عن تغيير النظام السياسي، ومن دون ذلك يظل المثقفون الحقيقيون مهمشين، وتطغي آلات الإعلام على أصواتهم، فيبدو أنه ما من أمل.

المجلة الثقافية: حتى إزاء الثورات العربية الراهنة، نجد أن من يقودها هو الشارع بمختلف مستوياته، وليس المثقف كمثقف.. لماذا لم يظهر دور المثقفين كقائدين ميدانيين للفكر النهضوي داخل الثورة، تاركين إياها للشارع، بكل ما يمثله من تضارب أحيانا؟

د. أحمد الخميسي: الثورات العربية الراهنة موضوع معقد جدا. ولكنها في النهاية حصاد لكل أصوات المثقفين الشرفاء. فهذه الثورات لم تبزغ من فراغ، لكن من جهاد طويل جدا جاهده مثقفون شرفاء في الصحافة والأدب والاقتصاد، ومن جهاد طويل جدا قامت به فئات كثيرة من الموظفين والعمال والأطباء. فإذا لم يكن لون ذلك الجهاد كله باديا في الثمرة، فليس معنى هذا أن الثمرة مبتورة الصلة بجذورها، وإلا لكان معنى ذلك أن هذه الثورات قد هبطت علينا من كوكب آخر، بدون تاريخ سابق، وبدون أن ترتوي من كل أشكال الاحتجاج الشعبي الطويلة التي سبقتها .

المجلة الثقافية: دعني أسألك الآن عن مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟ ومن من الأسماء الأدبية التي تلفت انتباهك من جيل المخضرمين وجيل الشباب؟

د. أحمد الخميسي: أعترف لك أنني مازلت متوقفا عند الأسماء الكبيرة التي خطفت انتباهنا في الستينات مثل محمد ديب وروايته النول التي صدرت في الهلال وقرأناها حينذاك بانبهار شديد، ومولود فرعون، وبالطبع الطاهر وطار وواسيني الأعرج من الجيل اللاحق، وهناك أسماء من الكتاب الشباب التي تلوح وتختفي أمامنا في فضاء الانترنت، لكن تمزق أواصر العلاقات الثقافية يحول دون المتابعة الجادة للأدب الجزائري. أقول ذلك وأنا أشعر بالذنب وأتمنى أن تتاح لي فرصة لقراءة أعمق للأدب الجزائري والاستفادة منه ومن إنجازاته.

المجلة الثقافية: ماذا تقرأ الآن؟

د. أحمد الخميسي: أقرأ الآن مجموعة قصص مذهلة للكاتب الياباني العظيم “ياسوناري كواباتا” اسمها “قصص قصيرة بحجم راحة اليد”، وقد اشتهر كواباتا عندنا بروايته الجميلات نائمات، لكني الآن وأنا أقرأ قصصه القصيرة أدرك أنه قاص عبقري وأن القصة القصيرة لديه تتفوق على الرواية.

المجلة الثقافية: ماذا تكتب؟

د. أحمد الخميسي: انتهيت مؤخرا من قصة قصيرة بعنوان “أحب ساراماجو” وهي قصة ساخرة، ستنشر قريبا. وأعد الآن لمجموعة قصصية جديدة باسم ” آخر مرة ” المفروض أن تصدر خلال شهور.

المجلة الثقافية: كلمة لقراء مجلتنا؟

د. أحمد الخميسي: أود أولا أن أشكر المجلة على إتاحتها فرصة التحاور مع القارئ الجزائري، وأن أؤكد لذلك القارئ أن محبة شعب الجزائر عظيمة في قلوب مصر كلها، وأننا  نعرف الجزائر بصفتها بلد الثوار الذين ضربوا أروع الأمثلة في البطولة والشجاعة من أجل حرية بلادهم، وأن تاريخهم كان مصدر إلهام للعرب وللعالم أجمع. هذه هي الجزائر التي طالما أحببناها ونحبها بصدق بكتابها ومثقفيها وبسطائها وبيوتها وحكاياتها وقصائدها. أخيرا ربما تجدر الإشارة إلي سعادتي بذلك الحوار العميق مع الأستاذ محمد نور الدين في المجلة الثقافية الجزائرية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق