ثقافة السرد

عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- الجزء 30

صبحي فحماوي-

ها أنا بكامل قوتي وصحتي أعود إليك يا عذبة.. لقد عبرت الحدود، وهذه فلسطين أمامي، يزرعون أرض مرج بن عامر بالقطن والمحاصيل الزراعية، التي تحتاج مياهاً غزيرة، بينما نحن لا نجد شربة ماء في صحارينا العربية، فنشرب البحر! هكذا قالوا لنا:”اشربوا البحر”! فشربنا البحر، فوجدناه ميتاًً، فعملنا عملية “فلترة” لمياه المجاري، لا نعرف ستقودنا إلى أين ؟ وبعد الحروب المتلاحقة منذ بداية القرن العشرين، وحتى حرب 1982، والتي قُهرَت فيها المقاومة، في محيط فلسطين، استفردت إسرائيل بفلسطينيي الأراضي المحتلة، في طول البلاد وعرضها، وألزمت كل فلسطيني أن يكتب تقريراً عن جاره وأخيه، وأمه وأبيه،وأخته وبنيه، عن القادم والمغادر، والحي والميت.. وكان أحمد الشيشي، المعلم في مدرسة أنصار 37 قد طلب من السلطات الإسرائيلية تخفيض أجور معالجة ابنه المصاب بالسرطان، والذي لا قدرة مالية لديه لمعالجته، طلب المساعدة من المستشفى الحكومي، فحولوا طلبه إلى مكتب الأمن. قابله هناك شاب وسيم نحيل أشقر، عيناه زرقاوان، ورأسه حليق الشعر، يعلك لباناً، ويدخن سيجارة، يضعها على جانب فمه وهو يتحدث مع أحمد. كان الضابط لطيفاً وهو يقول له:” أنا اسمي شلومو.” طلب له كرسياً، وسأله:” كيف (صختك يا أخمد)”؟ فاستغرب أحمد هذا اللطف، وهو يجيب: ” صحتي هي ابني يا خواجة “! فسأله الخواجا:” كم ولد وبنت عندك يا شيشي؟ ”
” ستة “! أجابه أحمد.” أنتم تخلِّفون كالأرانب يا( أخمد)! لماذا تخلِّفون بهذه الغزارة”؟ لم يستطع أن يقول له:” إننا نخلِّف، لنملأ فراغ من يقتلون برصاصكم “! بل قال:” الله يرزقهم يا خواجه”! وبعد أن صمت عن الكلام غير المباح، قال للضابط:” فاتورة المستشفى خيالية يا خواجة، وأنا لوبعت نفسي، وكل أولادي في السوق، فلن أستطيع سدادها! وثم فإن مثل هذه الأمراض في كل مستشفيات العالم، تدفعها الدولة “! فقال له الضابط شلومو، وهو يعلك الِّلبان بهدوء:” هذه الفاتورة مشكلتها بسيطة، سنحلها لك، اعتبرها مشطوبة، ولكن حتى نوقِّع لك أوراق شطبها، واعفاء ابنك تماماً من أجور المعالجة، نريد منك أن تتعاون معنا.” التوتر الذي شعر به أحمد، جعله يعيد جدل ساقيه وقدميه فوق بعضهما البعض وهو يقول: ” ما معنى التعاون؟ فأنا متعاون معكم بالعمل المخلص لتدريس الطلاب، ولا يوجد لي أي نشاط، غير خدمة أفراد أسرتي وطلاب مدرستي، أليست هذه قمة التعاون “؟ فحرك الخواجا سيجارته في زاوية فمه، ثم قال: ” نريدك أن تشتغل معنا! أن تعطينا تقاريراً عن زملائك في العمل، عن جيرانك في الحارة، عن أقاربك في المنزل! هذا هو التعاون المطلوب “!

وضع أحمد قدميه في حالة (استعدّ !)، وقال للمحقق:” تعنى أن أشتغل جاسوساً لديكم “؟ فضربه الحارس الواقف عند الباب، بعقب مسدسه على مؤخرة رأسه، وقال له:” نعم جاسوس يا كلب! فهمت يا إبن الشرموطة”؟ فلَطَّف الضابط شلومو الجوّ، وقال للحارس: ” لا تكن قاسيا يا “مخمد”! أنت مخطئ يا “مخمد”! أرجوك أن تعتذر للأستاذ “أخمد”، وأن تطلب له فنجان قهوة “للصلخ” فيما بينكما، أنتما العرب! أنا اعتذر عن” مخمد” يا أستاذ “أخمد”، فهذا تصرف غوغائي، همجي بربري! “نخن” نريدك صديقا لنا، ولا نريد أن نؤذيك “! كان الضابط شلومو يقصد الاصطياد في الماء العكر، ويقصد أن يُشعر أحمد أن الذي ضربه هو فلسطيني عربي مثله، وبالتأكيد فإن الاسم المستعار “محمد” كان اسما حركياً للتمويه، وللدلالة على أن العملاء كثيرون! رفض أحمد الشيشي فنجان القهوة على الطريقة العربية، وقال للضابط:” أنّ يموت ولدي بلا علاج، أهون عليَّ من أن أصبح جاسوساً لديكم”! ثم قام وخرج، فتلقى ضربة قاسية من قدم الحارس على مؤخرته، وهو خارج! لم يستطع الالتفات والرد، لأن ما باليد حيلة !
وأما أم ماجد السلفي يا حبيبتي، التي تعمل مراسلة في مدرسة البنات الثانوية، في مدينة أنصار 39، فقصتها قصة! إذ طلبت من الإدارة تحويلها من عاملة مياومة، إلى موظفة مُصنَّفة، حيث مضى على عملها بالمياومة عشر سنوات، فحولوا طلبها إلى مكتب الأمن للتدقيق، فاستدعاها ضابط الأمن، وعندما دخلت المكتب، استقبلها بترحيب فائق، وقال لها:” أنا اسمي اليعازر” فقالت له: “وأنا اسمي هند السلفي”. وبعد حديث قصير عن العمل، وعن الطالبات والمعلمات والمديرة، طلب منها اليعازر أن تتعاون مع السلطات فقالت له:” كيف أتعاون معكم “؟ نظر الضابط إليها نظرة شزراء وقال لها:” تعطينا معلومات عن المعلمات، والبنات وأولياء أمورهن، وأخبار الحارة والأقارب، وكل من يقع عليه بصرك، ويستقبله سمعك، ونحن موافقون على أن نحسب لك السنوات العشر، وكأنك كنت خلالها مصنَّفة خاضعة للتقاعد، وإذا وافقت، فسنوصي بمضاعفة راتبك، لأنك خدمت كل هذه المدة، وتستحقين راتباً محترماً”.
“وهل يبقى شيء محترم، بعد التجسس على عباد الله، ياحضرة الضابط؟ ديننا يقول: (ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) صدق الله العظيم “. قامت وخرجت هي تقول:”بلا تقاعد بلانيلة”!
ولاّ لو تسمعي يا عذبة حكاية شناعة السقا، الذي طلب تجديد رخصة حافلته العمومية، التي تنقل الركاب مابين قرية أنصار 25، ومدينة أنصار 25، فطلبوه إلى مكتب الأمن، وبعد كشف أوراق معاملته، طلب منه الضابط أن يتعاون مع مخابراتهم، فيسمحون له بتجديد رخصة حافلته، فقال شناعة السقا:”ما هو التعاون المطلوب مني القيام به”؟ فأجابه الضابط وهو يبتسم بلؤم:” تقدم لنا معلومات عما يتحدث به ركاب الباص، ومن جاء زائراً للقرية، ومن اجتمع مع من؟ ومن هم الناشطون السياسيون، الذين يتحركون بين القرية والمدينة؟ معلومات من هذا النوع. ونحن موافقون لك فوراً على تجديد رخصة الباص، للعام القادم كله.” صار السقا مخنوقاً، لا يستطيع أن يتدبر أمر نفسه، فقال:” الله أكبر! حتى رخصة الباص صارت موقوفة، إلا بالعمل جاسوساً لديهم؟ بعد الآن سيكتبون في الرخصة:(جاسوس مع محورين! أو جاسوس ثلاث محاور! أو جاسوس صالون! أو جاسوس واحد طن!) ماذا أعمل؟ هل أوقف الباص، وعليه أقساط للبنك؟ وعندي مصاريف بيت، وأولاد ومدارس، وخبز وبصل وزفت! كيف أتصرف؟ وماذا تفعل إذا كان القاضي غريمك؟ وإذا عملت معهم؟ خنت وطني، ودمرت نفسيتي، وسمعة أولادي وعائلتي، وإذا رفضت، تدمّر بيتي، وجاع أولادي، وباعت امرأتي لحمها ،هذا إذا وجدت من يشتريه”!
ازدادت الضغوطات على كل فلسطيني يحاول أن يمشي على قدميه داخل وطنه، ضغطٌ على الأرواح، وضغط على لقمة العيش، وضغط على الوظيفة، وضغط على المرضى، وجرى تدحرج رؤوس قد أينعت وقاومت قطافها وكان الناس يركضون في كل اتجاه ليحموا أنفسهم من غوَلَة يأجوج ومأجوج والأعور الدجال الذي يوهمهم بالجبال أرزاً وبالصخور لحماً فيمدون أيديهم ليأكلوا فتحترق أيديهم بنيران ملتهبة والبخار يتصاعد والجو ضبابي خانق والروائح كريهة والناس يسعلون والنساء تلد أجنّتها قبل أن يحين موعد قطافها والأطفال المولودون يصرخون والعجائز تتحول إلى غولات شعورهن الشائبة منفوشة إلى أبعد مدى وأسنانهن الطويلة كل منها أطول من شبر لونها أصفر وهن يمضغن أشياء لحمية تنزُّ من أشداقهن دماء داكنة اللون وعندما يفتحن أفواههن ليصرخن مثل زعيق أجهزة إطفاء الحرائق يفتحن أفواههن فيخرج منها لهيب يحرق الزمان والمكان ويذيب الشجر والحجر وتاجر البندقية يطالب بلحوم زبائنه سداد ديونه المتراكمة عليهم لقاء أتعابه وهو يمضغ قلوبهم وهم لا يدفعون أتعاب مضغه ويموت أناس كثيرون فيتناثرون في الشوارع الترابية التي مرت بها جنازير الدبابات الفولاذية ففرمت أرضياتها المزفتة وحولتها إلى لحوم مفرومة يأكل منها الناس تراباً ويعفِّرون على رؤوسهم، فوقع ضعاف النفوس، وتعاملوا مع المحتلين، وانتشر مرض التجسس بالقوة، وبكسر العنق، حتى صار الناس يتخيلون أن كل تسعة عشر رجلاً في الشارع، الرجل العشرون منهم جاسوس، وكثير منهم فقد عمله، أو رخصة مهنته، أو أغلق محله التجاري، أو فُصل من شركته، أو طُرد من وظيفته، لأنه رفض التجسس! وأنت تعرفين أن للناس قُدرات تحمَّل (لا يكلف الله نفساَ إلا وسعها)، فالبعض قد يقع تحت ضغط كسر العظم، فيستسلم، والبعض قد يصل إلى حد التخدير، فيزهد في كل شيء، ويصير لا منتمياً! صحيح إنه رافض للتجسس، ولكنه في نفس الوقت، غير قادر على العمل المنتظم والمتوازن. يصير كالخشبة الطافية فوق سطح البحر، تتقاذفها الأمواج بلا هدف . أصبح كل فلسطيني يشعر أنه لا يأكل لقمة خبزه، إلا بعد أن يزحف على الأرض، وهو يمد فمه لالتقاطها من تحت نعل العسكري الإسرائيلي، الذي يدوس عليها ، ولا يسمح للفلسطيني بالتهامها، إلا مغمّسة بالدم والدموع، جزءاً، جزءاً، بقدر ما يتنازل نعل بسطاره عن أجزاء الخبزة!
وبعد قتل المقاومة الشعبية المسلحة خارج فلسطين، تفرّغ الإسرائيليون لالتهام ما تبقى من الكعكة الفلسطينية، فازداد بناء المستعمرات في الأراضي المحتلة عام 67، لتثبيت سياسة الأمر الواقع على الفلسطينيين، وإنهاء معالم بقايا وطنهم، وهذا الضغط الزائد، أدى إلى انفجار انتفاضة عارمة !
لم يبق لدى الفلسطينيين ما يملكونه ليخافوا عليه، فخرجوا إلى الشوارع، وهاجموا المحتلين بأسنانهم وأظافرهم، وبالحجارة، فكنت ترينّ طفلاً يقف متحدياً دبابة، فيرميها بحجر! أخذوا يرجمونهم بالحجارة، كما يرجمون إبليس! إنها رمي الجمرات! إنه حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا! كان أطفال الحجارة (كطير أبابيل، ترميهم بحجارةٍ من سجِّيل) . اندلعت ثورة أقوى ألف مرّة من ثورة سجن الباستيل الفرنسي، وسالت دماء الأطفال البريئين. طفل يرمي حجراً على دبابة، فتقذفه الدبابة بقذيفة مدفع عملاق، يحفر الأرض من تحت جسد الطفل. ولعلّكِ شاهدتِ ما نقلته وسائل الإعلام والتلفزة لصور جنود يجلسون على مهلهم، يدقون عظام ذراع شاب صغير بأعقاب بنادقهم، ويتناوبون على الدق، فإذا تعب جندي، تناوب عليه آخر، والشاب يصيح، فتخرج سوائل أعصابه المفتتة من جلده! وأحد المجندين يقول له: “سنطحن عظام ذراعك التي ترجم الحجارة، حتى لا تعيدها!” طحنوا ذراعه، كي لا تعود قابلة للإصلاح في أي مستشفى للعظام، وجرّوا الطالبات الصغيرات من شعورهنّ، وراء سيارات الجيش، وهنّ يلبسنّ مراييل المدارس، ويتشبثن بحقائب تقع من أيديهن، بينما هن يكنسن الشوارع بأجسادهن المجرورة.وكتبت الصحف:” أطلق مستوطن النار على طفل فلسطيني، كان يسير على رصيف الشارع العام، ذاهباً إلى المدرسة، فأرداه قتيلاً، وعندما سأله الصحفي قائلاً: لماذا قتلت الطفل؟ فقال المستوطن: كنت أجرب بندقيتي. كنت لأعرف، إلى أي مدىً تصيب؟ وهل طلقتها قاتلة أم لا؟ مجرد تجربة! فسأله الصحفي مشدوهاً: وهل تجربها على طفل مسالم؟ فثارت ثئرة المجند وهو يقول: أرجوك أن لا تُكبِّر القضية! إنه مجرد “واخد” عربي! مات وانتهت القضية!” ولكن القضية لم تنتهِ يا عذبة، فلقد شاهد المحتلون بأعينهم لأول مرة، أنهم يفقدون قتلى! شاهدوا فلسطينيين يدخلون بينهم ويستشهدون، فيقتلون منهم العشرات، ويجرحون المئات. شاهدوا لأول مرة أن عظمتهم تنهار. وتوالت بعدها الانهيارات في الشمال والجنوب، وازداد تحلق الفلسطينيين حول وطنهم، يقفون خلف الأسلاك الشائكة ويبحلقون، تماماً كما وقف الألمان خلف سور برلين، من هنا ومن هناك يبحلقون، حتى انهار السور! هدم الألمان سور برلين هناك، فأنشأ المحتلون هنا جداراًً عازلاً بديلاً ! ولكن تأكدي أنه في يوم من الأيام، ستنهار كل الأسوار! كل سيعود إلى وطنه!وها أنا أعود إليك يا عذبة، مسالماً غير مستسلم، غير طالب إلا القرب منك، وأن أعيش إلى جوارك بسلام وهدوء، وبحق عودتي إليك، يتحقق السلام على الأرض، ويعمُّ الهدوء على أرض كنعان الجميلة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق