ثقافة المقال

فتاة الوشاح الأحمر وتاريخ ماو

بقلم: ليلى البلوشي

” فتاة الوشاح الأحمر ” رواية صينية وهي سيرة موجزة عن المؤلفة ، كما كتب عنها المترجم: ” ولدت في شنغهاي في الصين في 1945م، كانت طالبة متفوقة عام 1966م تحلم بمستقبل مشرق عندما أطلق الزعيم ماو ثورته الثقافية ، فتغير كل شيء وأصبح الذكاء جريمة كما هو السيرة الخاصة بالعائلة إن كانت ميسورة الحال..” واستوقفتني لوهلة عبارة المترجم: ” كانت طالبة متفوقة ” ، فما علاقة هذا بالرواية التي أنا في خضم قراءتها..؟! ولكن حال انتهائي من قراءة الرواية، التي لم تستغرق مني سوى نصف يوم ، فهمت مدلول هذه العبارة التي ركز عليها المترجم..

الرواية التي بين أيدينا هي رواية صينية، وإذا ما كانت الروايات الصينية التي مرت علينا سالفا روايات خصصت في مضامين سطورها حديثا موجزا عن الزعيم الصيني ” ماوتسي يونغ ” والثورة الثقافية كما في رواية ” بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة ” للكاتب ” داي سيجي ” والكاتبة ” آنتشي مين ” في روايتها ” الأزاليا الحمراء ” ، فإن هذه الرواية كان لها نصيب الأسد؛ ولا أبالغ إن وجهت نصيحة لكل من يرغب بالتعمق في جذور الثورة الثقافية والصين في عهد الزعيم ماو، فإن هذه الرواية من أكثر الروايات التي فصلت في هذا الأمر؛ لأنها سيرة حياة كاتبة عاصرت وهي ما تزال تلميذة صغيرة في الثانية عشرة من عمرها، التاريخ التفصيلي لكل ما مرت به الصين من محن في عهد ماو.. وهي من مخزون ذاكرة الثورة الثقافية..

رغم أن الرواية سيرة الكاتبة، لكنها استطاعت سرد أحداثها بموضوعية كبيرة، قوامه الصدق والبراءة والنظرة المحايدة للأمور. ولكن قبل الحديث عن تفاصيل الرواية، سأسرد حديثا موجزا عن الزعيم ” ماو “حيث تغيب سيرته عن ذاكرة غير الصينيين..

“ماو تسي يونغ ” قليلة جدا المعلومات حول هذا الزعيم *، الذي عاش في كهف في مدينة شنسي، ظل فيه لأربعة عشر عاما، رغم شهرته وتأثيره الكبير على أقوى شعب من حيث تضخم التعدد السكاني، لم يكن من عادة ” ماو ” أن يحكي عن نفسه في حضرة الصحفيين، بل كان رجلا هادئا يميل للصمت، والصحفي الوحيد الذي استطاع أن يجري مقابلتين مع هذا الزعيم كان أمريكيا يدعى ” ادجار سنو ” وانتهت تلك المقابلتين التي أجرت الأولى قبل تزعمه، والثانية بعد تزعمه إلى كتابين من تأليف هذا المراسل الصحفي..

تولى ” ماو ” قيادة الصين في عام 1949م حتى وفاته عام 1976 م ، ولا يمكن القول سوى أن هذا الرجل الذي كان مفكرا وشاعرا ، تمكن من القبض المحكم على العقول الصينية من خلال أفكار تزعمها، ومما لا شك فيه أن هدفه في جعل الصين في مصاف الدول الكبرى كان هما من همومه، واستطاعت بالفعل الصين في عهده أن تحرز تقدما في منشئات عدة، ولكن في الوقت نفسه سنجد أن هذا الزعيم بعد أن غسل عقل شعب بأكمله بفرقه الشيوعية؛ لم يجانب هدفه في النهاية سوى الحفاظ على مركزه القيادي ضد منافسين له على السلطة، وهي خدعة تفجرت في وجه الصينيين حين وفاة زعيمهم، ولكن يحسب له بالتأكيد العبقرية الفذة في أن يمسك الشعب بقبضة واحدة مطمئن البال، حيث جعل كل شيوعي يحكم نفسه بنفسه..

في إبان الثورة الثقافية تغيرت أحوال الصين تغييرا جذريا ، هذه الثورة التي تعرف رسميا بالثورة البروليتارية العظمى، وهي الحركة الاجتماعية والسياسية العنيفة التي سادت في الصين خلال عامي 1966 و1967 م، وخلالها تعرض الكثيرون من الأبرياء للملاحقة العنيفة ، أطلق الزعيم “ماو” هذه الثورة للتخلص في الغالب من التأثيرات المعادية للشيوعية، ولكن تبين في وقت لاحق أن “ماو” أطلق العنان لهذه الفوضى من أجل حماية موقعه السياسي كما أشرنا آنفا، فهذه الحركة رفعت من مستوى الفلاحين والمعدومين، في حين قمعت طبقة الملاكين الذين حوكموا لمجرد أنهم أغنياء برجوازيين، أو لأن قبائلهم سلالة كانت أجدادها من الملاكين..

نتج عن ذلك ظهور حشد من المفاهيم والمصطلحات، وقد عرضت جزءا كبيرا منها في هذه الرواية، ويشكر للكاتبة بأن خصصت في ختام روايتها تفصيلا لكل مفهوم من تلك المفاهيم؛ كي تزيل أي لبس في عقل القارئ..

ولأن الحكاية تجري على لسان تلميذة صغيرة في الثانية عشر من عمرها تدعى “يانج “، فإنها تنطلق في حديثها عن مدرستها الابتدائية، وهي في الصف السادس، حيث جاءت الأجواء تلائم الأحداث الجارية وقتئذ؛ ففي الفصل في أعلى السبورة صورة للزعيم “ماو”، وثمة ورقة موازية لأسفل الصورة دونت عليها عبارة من عبارات “ماو” “ذاكروا بهمة وتقدموا في كل يوم”.. بينما التلاميذ يرتلون في حصة الموسيقى نشيد رواد الشباب محاولين ضبط الإيقاع المربك: “نحن الرواد الشباب، وارثوا الشيوعية، وعلى صدورنا ترفرف الأوشحة الحمراء “..

انقسم الشعب الصيني في عهد “ماو” إلى قسمين، قسم يحمل الملف الأسود وهم طبقة الملاك أولئك الإقطاعيين الذين نال على أيديهم الفلاحين أشد التنكيل كما آمن الشيوعيون بذلك، وقسم آخر أولئك الحاملين للملف الأحمر وهم طبقة الفلاحين والموظفين والمعدومين..

وعلى طول الرواية سرد عن التظلم الذي تعرض له هؤلاء الحاملين للملف الأسود، وهو ضغط قاس كابده الصغار في المدارس، والكبار في وظائفهم، فالصغار المنتمين لطبقة الأثرياء منعوا من الترشيح في جيوش أشبال الأحمر، أولئك الذين يملكون امتيازات عدة، ومنعوا من الانتماء لمعرض التثقيف الطبقي، وكانت نظرة التلاميذ الباقين حاملي الملف الأحمر للآخرين نظرة تحمل ثقلا من الكراهية، فهؤلاء أذلوا في زمن غابر الفلاحين والفقراء في أرجاء الصين، وكانت الكاتبة مصنفة ضمن تلك الطبقة الملطخة بالسواد..

وكان للطلبة في المدارس على كافة مراحلهم، دورا كبيرا في تزعّم معظم الحركات التي قام بها الشيوعيون، فالطلبة في المدارس الابتدائية، كانوا يدأبون على إرساء أنظمة فرضها زعيمهم المقدس “ماو” وهو تدمير القديمات الأربع لتحل محله الجديدات الأربع، وكانت تشمل هذه القديمات الأربع الأفكار والثقافة والعادات والمفاهيم القديمة البالية؛ ففي الرواية تقوم فرقة من الجديدات الأربع تحطيم لافتة مكتوب عليها سوق الازدهار العظيم، ويسعى هؤلاء إلى تكسيرها؛ لأن عنوانها يحمل نوعا من الاستغلال للناس، وفي الحافلات حرص المنتمون للحرس الأحمر من طلبة المدارس الثانوية على ملاحقة كل من يرتدي ثيابا تمثل القديمات الأربع خصوصا للسراويل الضيقة والأحذية المدببة، ونرى في الرواية كيف أن رجلا تمزق هذه الفرقة ثيابه وحذاءيه على ملاءى من الناس؛ نتيجة لمخالفته لأفكار ماو.. !

ومن جانب آخر ظهر ما يسمى بكتابة “دا ـ زي ـ باو” ويعنى بها كتابة ينقد بها طلبة المدارس هيئات التدريس ومعلميهم، وقد حفل الطلبة بهذا القرار، غير أن ” يانج ” حين أرادت أن تكتب نقدا تذكرت معلمتها “غو” التي كانت بمثابة أم حازمة ولكنها محبة لها، فقد كانت مخلصة في عملها ، فلم تستوعب فكرة ربطها بالأشرار..

بينما الكبار المنتمين لطبقة الملاكين، فقد تعرضت منازلهم للتفتيش، وقد صودرت كل ممتلكاتهم التي كانت تمثل نوعا من القديمات الأربع، والمدهش في أن المرأة في عهد “ماو” التي تتبرج وتبالغ في ملابسها وتزين نفسها، تعد امرأة برجوازية تستحق أن تتعرض للنقد اللاذع وفوق هذا تعاقب بكنس الشوارع، كما حدث مع العمة ” تشي – وين ” التي كانت على قرابة مع عائلة “يانج”؛ فتعاليم “ماو” كانت تقول: ” الجمال الداخلي أهم كثيرا مما يبدو على السطح “..

كما تعد وجود خادمة في البيوت جريمة، وعليه تقوم عائلة “يانج” بالتخلي عن خادمتهم “بوبو” التي كانت معهم مذ كانت طفلة، ولكن تعاليم الزعيم ترى أن وجود الخادمة هو نوع من استغلال بشري فظيع..

وأنكل صراع تتعرض له “يانج”، وهي تسرد ذكرياتها حين ألقي القبض على والدها وتعرضه للتحقيق في مقر عمله في المسرح حيث يعمل، وقد أجبرت الطفلة على الإدلاء بشهادتها في محاكمة والدها على أنه معاد للثورة؛ وإن أبت تكون هي ضمن أشد المنكلين لتعاليم الزعيم..!

ونرى كيف أن هذا الصراع يتفاقم في داخلها، وتتعرض لضغوط كثيرة، فعديدون حين تعرضت عائلاتهم لموقف مشابه تخلوا عن أسماء عائلتاهم، وطهروا أنفسهم من الطبقة التي ينتمون إليها، كان هذا بمثابة فرصة جديدة منحها الشيوعيون لكل من يريد أن يتطهر من ماضي طبقته غير المشرف، وتحشد الرواية مواقف رهيبة تعرضت لها معظم الأسر الحاملين للملف الأسود في عهد “ماو”..

فحمى التنكيل بهذه الطبقات اشتاحت الشعب بأكمله، حتى أن المنتمين للطبقة البرجوازية يتخلون عن أسماء عوائلهم، وعن والديهم ويخضعون لتطهير أنفسهم؛ كي ينعموا بالسلام؛ فقد كانت تعاليم الزعيم الصيني مقدسة جدا، وجمعت في كتاب كان يدعى وقتذاك بـ” الكتاب الأحمر الغالي ” يردده عن ظهر قلب كل صيني آنذاك..

ورغم مرارات التي ذاقتها المؤلفة حينما كانت طفلة وعائلتها وكل إقطاعيين في عهد “ماو” على أيدي الشيوعيين من أشكال التنكيل؛ لمجرد أن أجدادهم كانوا من أصحاب الملاكين..

نجد اعترافا في مختتم الرواية حيث تقول الكاتبة: ” سألني الكثير من الأصدقاء عن أسباب عدم كرهي للزعيم ماو أو للثورة الثقافية في تلك الفترة، بعد كل ما عانيته ، وإجابتي على ذلك بسيطة تماما: كانت أدمغتنا مغسولة..” وتضيف: ” بالنسبة لنا كان الزعيم ماو عبارة عن إله، فهو يسيطر على كل ما نقرأ، وكل ما نسمع، وكل ما نتعلم، ومن ثم كنا نصدق كل ما يقول.. بطبيعة الحال لم يصل إلينا إلا كل ما هو جيد عن الزعيم ماو وعن الثورة الثقافية، وما غير ذلك كان خطأ الآخرين؛ أما ماو فلا لوم عليه “..

********

لمزيد من المعلومات عن الزعيم ” ماو ” يمكن قراءة كتاب ” ماوتسي تونغ ” للمؤلف جورج مدبك ، سلسلة عالم المشاهير ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق