ثقافة السرد

الثعالب

عبد العزيز دياب*

في المساحة الضيقة ما بين النوم واليقظة كان الثعلب يعزف بالكمان.. يقرأ الفنجان.. يتلو في كتابه المقدس…
أشياء كثيرة فعلها على هيئة لقطات سريعة متلاحقة، يركض وراءها وعى المرأة ونظرتها الغائمة، لكنه استقر بها وقد تمدد فوق طاولة في صالة الشقة، يحدق ناحيتها بعينين ماكرتين.
إذا ثعلب على الطاولة في صالة الشقة!
وقنوات ماء تفيض عن حاجتها فتغرق الشقة، فلا تستطيع العبور من حجرة النوم إلى المطبخ، أو من المطبخ إلى الصالة، لكن السمك كان يتلعبط أمامها في الأرض الموحلة مع فيضان الماء، وهذه حَسَنَةٌ…
وشجر سامق يخترق السقف وطير من كل صنف، فتتذكر أنها في يوم شديد الحرارة ولم تكن المظلة بحوزتها فتلقفها ظل الشجر، استطاعت لحظتها وهى غارقة في الظلال الطرية أن تفك صرة الطعام لتأكل وتطعم الطير معها، وهذه أيضا حَسَنَةٌ…
أما الثعالب التي تركض من الصالة إلى المطبخ، ومن المطبخ إلى حجرة النوم، ومن حجرة النوم إلى الشرفات، كانت فوق احتمالها، فماذا لو تجاوزت ذلك الأمر لتنهض المرأة فزعة وأحدهم يلعق حلمة ثديها، هل يطعنها الزوج في شرفها لو أخبرته بذلك؟!
جاء وقت الحاجة إليك يا “كساب”، ببندقيتك الأسترالي..
“كساب” عفريت الليل كما كانوا يطلقون عليه، توددت إليه أخته، يمكنك أن تلبد يا “كساب” في الصالة وراء شجرة “الدفلى” وتصطاد ذلك الثعلب الذى يتمطع فوق كرسي الأنتريه، كذلك يمكنك أن تنبطح هنا عند باب الشرفة مستترًا بالحشائش لتصيد الثعلب الذى يجول في الصالة، وهنا في حجرة النوم تصرف أنت لتقتل ذلك الذى ينام فوق سريري، ولن أبوح بأنني كلما نهضت من نومى وجدته يرضع حلمة ثديي فأغتسل في مجرى الماء الذى يشق حجرتي.
ابتسم كساب قال بصوته المشروخ: أنا وحدى من أحدد متى وكيف أطلق الرصاص!!
كانت المرأة تقول لزوجها: لماذا الثعالب يا زوجي؟!
يضحك الزوج: هل يحق لي أن أسالك لماذا المانجو، أو يسالك أحد لماذا- ويشير إلى نفسه- زوجك هذا؟!
كان الزوج يحب الثعالب في جميع الأوضاع: وهى تأكل.. وهى تشرب.. وهى تلعب.. وهى تمارس مكرها، فكان يأتي بها يضعها في الصالة، والحجرات، والمطبخ، ومدخل الشقة، والشرفات، تجلس المرأة أمامها في الصالة، تذهب إلى المنطقة التي تكون فيها ما بين النوم واليقظة، لم تدخل بعد إلى مراتع أحلامها، ترى نفسها على ظهر ثعلب يركض بها إلى مكان عملها بمدرسة “الأوائل الثانوية”، تؤدى ثلاث حصص جغرافيا، تشرح للطلاب الكسالى عن الثعالب التي تعيش على حافة مجرى مائي، يحفه الشجر داخل شقة مكونة من ثلاث حجرات وصالة ومطبخ وشرفتين، تنتهى من عملها، تطلق صفيرها فيأتي الثعلب، يحط أمامها، تمطيه ويركض بها عائدًا إلى شقتها، وترى نفسها في حالة أخرى بين أحضان ثعلب يراقصها في حفل موسيقى صاخب، وهى تشرب نخبه كؤوس خمر وسط تصفيق الحضور وتوهج المزيكا إعجابًا بها وبثعلبها..
هي تعرف أنها لو أخبرت زوجها بذلك لرمى عليها يمين الطلاق.
انتشلها “كساب” قبل أن تذهب رؤاها مع الثعالب بعيدًا، قال: ابتعدوا لأنني سأطلق الآن الرصاص.
بو…. بم
بم…. بم
بو…..
تهشم زجاج كثير للوحات كانت تحملها الجدران، ماتت كل الثعالب، لكن كيف أتى هذا الثعلب الذى تمدد على طاولة وهو يحدق إلى المرأة بعينين ماكرتين.

*كاتب من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق