قراءات ودراسات

اعتدال رافع: إنقاذ الذات عبر الإبداع القصصي

د. ماجدة حمود

ولدت في لبنان (1938) لكنها استقرت في دمشق، حصلت على الإجازة في التاريخ من جامعة دمشق، عملت في التدريس، وكتبت القصة والمقالة والشعر. صدر للكاتبة سبع مجموعات قصصية “مدينة الإسكندر” (1980) “امرأة من برج الحمل” (1986) “الصفر” (1988) “يوم هربت زينب” (1996) “رحيل البجع” (1998) “أبجدية الذاكرة” (2000) “بوح …من زمن آخر” (2006) كما جمعت بعض مقالاتها في كتاب “بيروت كل المدن وشهرزاد كل النساء” (1989)

تتمرد اعتدال رافع على ما تشهده اليوم الساحة الثقافية العربية، إذ نجد كثيرا من الأدباء يلجؤون إلى الرواية بعد أن كتبوا الشعر أو القصة القصيرة، لهذا أصدرت ديوان “كلمات مسافرة”  (2010)الذي يعبق بأنفاس القصة القصيرة هواها الأول!

***

تبحث الكاتبة اعتدال رافع عن ذاتها، أي عن مرفأ لأوجاعها، فلا تجد سوى الكلمة، فهي حياتها، التي يمتزج فيها الألم بالحلم، لهذا حمّلت هذه الكلمة رسالة جمال ينـزف ألما، فتغلغلت  أعماق المتلقي دون أن يحس لحظة بأنه أمام عالم متخيّل مدعٍ، فقد أتقنت “لعبة الفن” لكننا مع اعتدال رافع نتردد في استخدام هذا المصطلح، الذي قد يوحي بشيء من الافتعال في نسج بنية القصة، لأننا نعايش البساطة وقد تألقت جمالا فنيا وعفوية، فقد أصغت الكاتبة بقلبها إلى وجع الإنسان، وانطلقت بالكلمة لترفرف في آفاق فنية مدهشة، حتى بدت لنا اللغة المكثّفة في قصتها، وكأن الكاتبة تزنها بميزان الذهب، مما يعني حساسية مرهفة للكلمة، وبذلك نعايش احترامها لها قدراحترامها المتلقي، لهذا نأت قصتها عن الثرثرة، وحملت أمانة روحها وأوجاعها! إذ خفق الشعر في شرايين قصتها القصيرة، فقد أحست الكاتبة أن الجمال هو نبض القصة، وأن من يستسهل هذا الفن، لن يملك بصمة خاصة به، وسرعان ما ينساه الزمن!

تكتب اعتدال رافع بدم القلب قهر الإنسان، فتجسد أوجاعه، التي هي أوجاعها، لهذا حلّقت قصصها بعيدا عن الإلغاز والحذلقة اللغوية، إنها تعيش كلمتها، وتتنفس بفضلها، فهي فرحتها الوحيدة، التي أمدّتها بالروح, ودفعتها للاستمرار في الحياة، إنها صمام أمانها، تطرد بها وحشتها، لهذا أخلصت لها الود، وتمسكت بها، كمن يتمسك بحبل خلاصه، وقد تنقطع عن الكتابة فترة من الزمن حين تهجم عليها أوجاع الحياة، لكنها سرعان ما تستجمع قواها الروحية، وتلملم إرادتها متسلحة بالكلمة، فتنهض من جديد، لهذا لم تصدر مجموعات قصصية كثيرة، لكنها استطاعت أن تترك بصمتها الخاصة، التي تنعش ذاكرة المتلقي.

لن أستطيع في هذه العجالة أن أفي الكاتبة حقها، حاولت أن أقدم في هذه المختارات مراحل متعددة من إبداعها، كي أحفّز المتلقي على قراءتها ودراسة أعمالها، فاخترت مجموعة لها قديمة “امرأة من برج الحمل” في عام 1986، وقصة “أبطال من ملح” التي صدرت في مجموعة “يوم هربت زينب” (1996) بالإضافة إلى قصة “فارس” كتبتها (1994) ولم تنشرها الكاتبة في أية مجموعة!

لو تأملنا عنوان مجموعتها “امرأة من برج الحمل” فإننا لن نجده عنوانا لأي من قصص المجموعة، كأن الكاتبة، التي هي من مواليد برج الحمل،  تتماهى مع أبطالها، وتريد أن تجعل معاناة أبطالها المقهورين (وخاصة من النساء والأطفال) تجسيدا لمعاناتها، حتى إن هذا العنوان يصلح لمعظم قصص المجموعة، إذ وجدنا  (سبع قصص) تتحدث عن معاناة المرأة الضعيفة كالحمل “الدجاجة” “الجرد الحنون” “الصبية والأخطبوط” “وحشة” “الجنين الذي ذبح أمه” “رقية”

أما في قصة “امرأة ورجل” فنجد الحلم والفقر يؤسسان لبطولة مشتركة بين الجنسين، فيبدو صوت المرأة (أم شفيق) ندا لصوت الرجل (أبو شفيق)إذ جمعهما الحب والأحلام، فأنجبا (شفيق) لنعايش عبر دلالة الاسم الأمل في بناء الأسرة تحت لواء أنبل المشاعر! فالحنان والشفقة يحتاجهما الصغير والكبير، وافتقادهما يدمر الروح قبل أن يدمر بيت الأسرة.

وقد وجدنا ثلاث قصص تتحدث عن البطل الذكر الذي ينتمي إلى عالم (الحمل) إذ نجده فتى ضعيفا ويتيما (في قصة  “الدرب إلى المجرة”) أو فتى يضاف إلى فقره إعاقة أصابته أثناء القصف الصهيوني لقريته الجنوبية (في قصة “حكاية ولد من جيل يأجوج ومأجوج”) حتى الفتى الحطّاب الذي كان في العشرين من عمره (في قصة “وكان اسمي الشاطر حسن”) لا يملك سوى أحلامه (طاقية الإخفاء) وفأسه، ما إن يحاول تغيير بؤسه حتى يصفعه واقعه، فيجد (المهلهل) صديق أحلامه مذبوحا أمام باب بيته! ربما كان ذبح صديقه الفارس الجاهلي (المهلهل) دليلا أن الشاب في هذا الزمن عليه أن يبدأ من جديد بعيدا عن أساطير البطولة الجاهلية، ليصنع بطولة خاصة به، تستند على ظروف عصره ومعطياته!

تدهشنا هذه المجموعة (التي كتبت بين عامي 1974و 1985) بجمالياتها، التي ترتكز على لغة تتراوح بين اليومي بحيويته والشعري بكثافته وعمقه، ففي قصة “رقية” تنتقي الراوية مفردات تجسد روح البيئة الشعبية”دفعت ثمنها من عبها” مثلما نجد لغة تخييلية شديدة التعبير والإيحاء “قذفنا الناس بقمامة ألسنتهم وفضلاتهم”

تتميز الشخصية في قصص اعتدال رافع بجموح الأحلام، فتبدو مدهشة على الصعيد الإنساني والجمالي، فهي لا تعرف الركون لبؤس الواقع، ترفض أن يقيّدها العادي والمألوف بقتامته، ولذلك كثيرا ما تبدو أحلامها أكبر من بؤس واقعها، مما ينسج ملامح  شخصيات فريدة، لا تعرف التنازل عن حلمها، فهو فرصتها الوحيدة، كي تتجاوز قبح حياتها “أشفقت عليه لأن قدميه كانتا أكبر من حذائه، وجسده أوسع من ملابسه…”(قصة امرأة ورجل) مما يوحي بأن الرجل يعاني انكسارا داخليا تجلى في عينيه، لكن حب المرأة واهتمامها أدى إلى “استقامة جفنه المكسور، وأصبح مثل من النسر”

لهذا يبدو الحب لدى اعتدال رافع رفيق الحلم، فهو الذي يمنح الإنسان المقهور قدرة على مواجهة أوجاع الحياة، فلا تستطيع هزيمته، صحيح أن العفن ينتشر في كل مكان، لكن الروح الحية والإرادة التي تتسلح بالحلم والعمل ستكتشف جوانب خفية في أعماقها، توقظ العزيمة، وهي لن تدرك مدى قوتها إلا حين تواجه وتتحدى! لهذا لن نستغرب أن تنتمي معظم الشخصيات إلى طبقة القهر والحلم والأمل، فالطفل يرسم رغيفا ويبيت جائعا، وبذلك استطاع خيال الكاتبة الجامح أن يرسم ملامح لهذا الطفل، لا تبارح الذاكرة، فجمجمته تنمو على حساب جسده، فتبدو كأنها مركبة تركيبا (قصة حكاية ولد من جيل يأجوج ومأجوج)

أما الطفلة (رقية) التي تخبئ النجوم في جيبها، تتجمد يداها من البرد والعمل في البيت، لهذا تحسّ أن الكبار يهدّون أحلامها، وينغصون حياتها، فتستبدل “بالنجوم البعيدة القبور القريبة” رغم ذلك تقاوم ظلمة الحياة وقسوتها بالعلم، فتتهجى حروف الأبجدية عبر شواهد القبور!

يبدو الكبار أحد أسباب قهر الأطفال، فهم بوصايتهم عليهم يفترسون أحلامهم، فيهدّمون جسور التواصل بينهما، وقد تصل قسوتهم إلى درجة لا تصدق، تنتفي فيها أعظم المشاعر، حتى إن “الأم تهيئ مشنقة لابنتها” لهذا يتخبط الطفل وحيدا في عوالم قاتمة مرعبة! لذلك قد يموت البطل لديها قبل أن يستوفي حقّه من الحياة، التي كثيرا ما تختزل في مرحلة الطفولة! إذ من المعروف أن هذه المرحلة تصاحب مراحل الحياة كلها، حتى بعد أن يغادرها، فتدمغه بصمات الحرمان منها، فترتسم على وجهه خطوط الأحزان، فقد ضياعت أحلامه وأفراحه بضياعها، لهذا لن تستطيع البطلة تحقيق حلمها في أن تتعلم السباحة، وأن تكتشف عوالم  المدن المسحورة في أجواف الحيتان!

اعتنت الكاتبة بجماليات الخاتمة، حتى لتبدو أشبه بجرح يفغر فاه ألما، عندئذ يثير أسئلة في أعماق المتلقي، ففي مشهد ختامي غرائبي مفزع حيث يغطس الأطفال بدم أمهم لحظة وفاتها “كانت فاطمة تطفو فوق بركة دم، شاحبة وفمها مزموم وعيناها كبيرتان . لم يسبق لهم رؤية عينين بهذا الاتساع الممزق، انتحبوا وهم يقتربون منها أكثر. وتقرمزوا بدمائها.” وقد جاء عنوان هذه القصة “الجنين الذي ذبح أمه” ممهّدا لفجائعية هذه القصة وغرائبيتها! فقد قتل الأم جنينها الذي حاولت إجهاضه!

حققت اعتدال رافع في هذه المجموعة معادلة الفن الصعبة التي يلتقي فيها الجمال بهم الإنسان،  فقد أتاحت للمتلقي فرصة معايشة الألم عبر لغة تخييلية، تنفتح على جمال لا تدركه إلا روح مرهفة، تستطيع أن تكشف معاني إنسانية تهب معنى للحياة ، وتخفّف ظلمة القهر، لهذا نسمع طفلا في (حكاية ولد من يأجوج ومأجوج) يقول: “أترقب خروج صاحب البيت ليحييني بابتسامته العذبة التي كان أنسها يبهرني، لم يسبق لي أن رأيت في حياتي ابتسامة فيها كل هذا الضوء، وأيقنت أن هناك شموسا أخرى غير الشمس المعلقة في السماء.”

أعترف أن جمال هذه اللغة وعمق حساسيتها الإنسانية جعلني أكاد أتناسى خطأ فنيا ارتكبته الكاتبة، حين أنطقت طفلا بلغة تتجاوز قدراته، فقد أسقطت عليه رؤيتها وحساسيتها، وبذلك ضيّعت صوته الخاص به!

في قصة “الجرد الحنون” تفتقد المرأة الروح الإنسانية لدى رجال عشيرتها، الذين انتزعوا كينونتها وشيّؤها، فقد سلبوها الإرادة والحرية، لهذا تقول: “ألبسوني شوالا، هكذا يصطادون الكواسر في الشوال، ضاعت قُبلي وابيضّت شفتاي” يبدو تكرار (كيس الشوال) هنا مقصودا، فالمرأة لا تكتفي بالإعلان بل تؤكد مدى التشوه والقهر الذي يحاصرها من رجال، ينتمون إلى مرجعية تقليدية (العشيرة) تفرض إرادة التخلف عليها، فقد أرادوا خنق تمرّدها، مثلما أرادوا وأد الحياة في داخلها! لهذا تبتعد عن البشر، فتجد منقذا لها في (الجرد الحنون)  رغم ما يحتويه من حيوانات مفترسة، التي تتخلى عن وحشيتها، وتمنحها الحنان، بعد أن مارست القبيلة شتى أنواع القهر عليها “دار الضبع حولي، شمّني، أطلق صيحة ثم رحل، عنقي مذبوح، وشعري محروق، وركبتي مجوفة، والورد الجوري يبس دما على شفتي…الضباع والرياح والعتمة، ترصّع ليل الجرد بالأنس. عزّ على الليل أن يتركني وحيدة، وحمل إلي ابن آوى، تأملني بحدقتين دامعتين.”

يتماهى صوت الكاتبة هنا مع الشاعر الشنفرى، الذي ترك قبيلته، بعد أن افتقد فيها دفء العلاقات الإنسانية، ويرحل إلى الصحراء، حيث يلوذ بحيواناتها (الذئب والنمر والضبع…) إذ يجد في جوارهم الأمان، كما يجد في عشرتهم الصدق، ففي لاميته يقول:

أقيموا بني أمي صدور مطيّكم       فإني إلى قوم سواكم لأميل

ولي دونكم أهلون: سيد عملّس    وأرقط زهلول وعرفاء جيأل([1])

في قصة “وحشة” تعيش المرأة عزلة عن الحياة، لهذا تكره الليل، الذي يزيد وحشتها، وتتمنى لو يرحل إلى بلاد العشاق والشعراء، فجماله لم يخلق من أجلها، فقد اجتاحها الجدب والقهر، لذلك تحسد الكلاب على حريتها، وتتمنى لو تعلن حرمانها على الملأ! وهي لا تجد وسيلة تخفف قلقها وهواجسها سوى التدخين، كما لا تجد وسيلة للتمرد سوى على النصائح التي تدعو للإقلاع عنه خشية الموت! فهي مشدودة إلى رغبة في الانتحار البطيء، لعلها تنقذ روحها من إحباطها وقهرها!

****

تختار الكاتبة في قصة “فارس” التي كتبتها (1994) عنوانا لقصتها هو اسم لبطلها (فارس) مما يغني دلالة الاسم والعنوان معا، إذ تعلن عن ولادة بطولة جديدة، لا تصنعها المعارك والانتصار على  الأعداء (كأيام الفارس عنترة) بل هي بطولة العمل والكفاح من أجل لقمة العيش، لهذا بدا لنا (فارس) العامل في مقهى (أبو شفيق) بالربوة، على صلة بأبطال مجموعتها السابقة (امرأة من برج الحمل) إذ يجري في عروقه مثلها دم القهر والفقر، لكنه بدأ يتجاوز صفة (الحمل) التي كانت ملتصقة بأبطال تلك المجموعة،  وبات لديه من اسمه نصيب، إنه بطل يواجه بؤس الحياة بالعمل في المقهى، فتصبح “أباريق الشاي ودلاء القهوة والنراجيل هم ترسه ورمحه وأبجره في مقارعة الزمن.” لذلك يتجاوز فروسية عنترة، التي تجلت في ساحات القتال، ليعيش فروسيته الخاصة، عبر الكفاح في ميدان الحياة اليومية، لتأمين لقمة عيش شريفة، ومع ذلك لا نستطيع أن نقول إنه منقطع تماما عن مفهوم الفروسية القديم، إذ يلتقي مع فرسان الماضي في حب الشعر، كأن الفروسية في الذاكرة الجمعية العربية لا تجتمع إلا بثنائية الشعر والكفاح.

تمتلك الشخصية لدى اعتدال رافع بصمة خاصة، إذ تجتمع لديها قيم الكفاح من أجل متطلبات الحياة الجسدية مع قيم الجمال التي تحمي الروح من الضياع، وترتقي بحياة الإنسان، فهي ليست معنية بتأمين لقمة العيش فقط، بل هي عاشقة للجمال والشعر، لهذا أقامت علاقة استثنائية مع الله والطبيعة والشعر! وبذلك تميّزت الشخصية بجمال يهزّ القلوب، إذ لم يستطع الفقر تدمير روحها، حتى جسده بدا متناسخا من جبال وأشجار ومياه…

اعتنت الكاتبة بتقديم شخصية فقيرة من لحم ودم (ترتدي ملابس فضفاضة، ويحفر التعب أخاديد على وجهها…) لكنها ذات ملامح أسطورية جديدة، لهذا ترسم فارسا من زمنها، قد يتمثّل عنترة، لكنه يحلق بعيدا عنه، ليصغي إلى صوت قهره، ويبحث عن سبل لإنقاذ روحه! لهذا لن تسقط الشخصية في اليومي، رغم فقرها وأميتها، بل تتسع ملامحها، لتكتسب خصوصية، تحفر في الوجدان، لكونها تبحث عن الرغيف والجمال معا! فقد نبضت في هذه القصة لغة الحياة اليومية (ينهض فارس مع جهجهة الضوء) مع اللغة الشعرية (مسكون بالهدير، ولا يكفّ عن الدوران حول ينابيعه القصية والرغيف!)

ومما يسجل للكاتبة، هنا، أنها قدّمت علاقة استثنائية بين العامل (فارس) والمثقف (الشاعر) منحت (فارس) دور البطولة، وجعلت الشاعر ذا دور ثانوي، حتى إننا لم نسمع صوته إلا من خلال (فارس) لهذا تبدو شخصية العامل مؤثرة في الوجدان، خاصة حين امتزج عرق الكفاح بحب الطبيعة والشعر!

***

بعد عشر سنوات من كتابة “امرأة من برج الحمل” أصدرت  مجموعة “يوم هربت زينب” التي يلمس فيها المتلقي تألقا في قصة اعتدال رافع، إذ تبّدت لنا رغبتها في تجديد إيقاعها الفني، مما أتاح  لنا معايشة تجربة إبداعية يتعانق فيها الجمال بالتجربة اليومية! مثلما يتعانق الأسلوب التقليدي بالأسلوب الحداثي، كقصتها الطويلة “يوم هربت زينب” كما وجدنا في قصتها القصيرة “أبطال من ملح” لغة تقترب من الشعر في كثافتها وصورها ورموزها، فقد أعلنت الكاتبة منذ الرسالة الأولى (العنوان) أنها تقوم بخرق التقاليد المألوفة في كتابة القصة، لتقدم لنا عالما لا معقولا أشبه بالحلم، مما يوحي لنا باستثنائية شخصياتها وفرادتهم، فهم ضعفاء، ينتمون إلى عالم وهمي (من ملح) فقد تغيّر الزمن ولم تعد البطولة تقوم على القوة والصلابة والقدرة على المواجهة والانتصار على الأعداء، باتت الشخصية خرقاء سريعة الذوبان كالملح، فقد نجح الواقع في قهرها، صحيح أنها تهرب من انكساراتها إلى الأحلام، لعلها تقيم توازنا بينها وبين صفعات الحياة، لكنها تكتشف حقيقة مؤسية وهي: أن اللصوص سرقوا منها الحلم أيضا!

تقدم الكاتبة في هذه القصة حالة عامة، لا تخص أبطالها وحدهم، لهذا تختار لبطلها اسما يتسم بالعمومية (عبد الله) أما بطلتها فهي (حياة) كأنها توحي لنا بأنها تختزل عبر هاتين الشخصيتين كل الفقراء من عباد الله الذين يعيشون الموت وكل ما يناقض الحياة بسبب سيطرة الجوع والحرمان! ومن هنا تبدو الدلالة الساخرة التي أسبغتها الكاتبة على اسم المرأة (حياة)

لا تنطلق هذه الشخصيات بحرية بعيدا عن المؤلفة، كما هو مألوف عادة من الناحية الشكلية على الأقل، بل نسمع صوت المؤلفة يتدخل في سيرورة الحدث القصصي، حتى لتبدو كأنها إحدى الشخصيات، بل تصرح بأن بطلتها حياة تشبهها “تعيش مكسورة الخاطر” وعبد الله كأنه زوجها “فاشل ومهزوم”

لم نجد الكاتبة معنية بتقديم قصة واقعية، لهذا سمعنا صوتها يبيّن لنا أننا أمام عالم وهمي من نسج الخيال “بعد أن استنكر القاضي هزيمة أبطال قصتها، نجدها تقول: “توسدت شخوصي جرحها ونامت”

إن استخدام لفظة شخوصي أبرز لنا صوت المؤلفة لا صوت الراوية الذي يقدم الحدث والشخصيات بحيادية غالبا! فهي تعلن تدخلها، كي تؤكد وهمية عالمها القصصي!

يبدو لنا أن المؤلفة تعاني الخوف من سلطة ما، نظرا لحلم شخصياتها ببطولة تنفي حالة القمع، إذ تعيش قصية عن إنسانيتها، التي هي حريتها وكرامتها، وقد تجلى قلق اعتدال رافع وخوفها عبر تدخلها عدة مرات، لتوضح أن طبيعة شخصياتها من ملح، أي من وهم، لهذا تقول: “نامت على أوراقي تحدوها أحلام البطولة” وتارة تصف شخصياتها “مسكوبة على أوراقي كدموع مهاجرة في رمد الهجير، ومزحومة بأنفاس من خيوط الحكاية.”

وهكذا تتجلى الحداثة في قصتها عبر تأكيدها على وهمية شخصياتها، في حين وجدنا كتاب  القصة التقليدية يؤكدون على واقعيتها، وبالتالي نفي أي تدخل تخييلي من الكاتب (مثال ذلك قصة وداد سكاكيني “الذئبة” من مجموعة “الستار المرفوع”)

ثمة إحساس لدى المتلقي بتماهي الكاتبة مع شخصياتها (حياة، عبد الله) فالهم يوحدهم جميعا، مثلما وحدتهم مواجهة شخصية (الحرامي) الذي لا يكتفي بتنغيص حياتهم، بل نجده ينغص أحلامهم، فيحرمهم من الفرح مثلما يحرمهم من الأرغفة، بل نجده يتجرأ ويقتحم دفتر المؤلفة، فيضطر كل من (حياة وعبد الله) إلى الهرب، فقد استطاع أن يفسد حلمهما بالرغيف، مثلما استطاع سرقة الأمل منهما (خاتم السلطان) الذي كان سيحل مشاكلهما، وقد بدت المؤلفة متعاطفة مع بطليها، تلعن الحرامي في سرها، وتلوم نفسها على الورطة الشنيعة التي أوقعت بها أبطالها، إذ أفسدت أحلامها حين دفعته لاقتحامها وسرقتها!

إننا نجد، في هذه القصة، خلخلة للمقاييس الفنية في الكتابة القصصية، إذ من المعروف أن المؤلف حين يقدم شخصياته، عليه أن يحاول تقديمها بموضوعية وحيادية، فلا يظهر تعاطفه معها أو نفوره منها! ولعل هذه الخلخلة جزء من الرؤية الحداثية للقصة!

وقد استخدمت الكاتبة اسم (الحرامي) عوضا عن (اللص أو السارق) لأنها أكثر تداولا في الحياة اليومية، وهي ذات صلة بالحرام المكروه في الضمير الشعبي بتأثير المرجعية الدين، باعتقادنا، وبذلك تنتصر الكاتبة للغة الحياة اليومية رغم نزوعها للحداثة القصصية، وبذلك اكتسبت هذه الحداثة لديها نكهة خاصة.

بناء على ذلك نستطيع القول بأن لغة الحلم شكّلت فضاء قصة “أبطال من ملح” دون أن تبتعد عن لغة الواقع، التي امتزجت أحيانا في القصة بالحلم، مما أسهم في انفتاح النص وتفاعل المتلقي معه رغم سيطرة الأحلام والفنتازيا على فضائه، مثال ذلك حين نسمع صراخ (حياة) “أنا جائعة وقبل أن يهم عبد الله بانتزاع قلبه ليقدمه لها، رسمت رغيفا، خرج لتوه من التنور، تفوح منه  رائحة القمح ولون الشمس، مد عبد الله يده لأخذ الرغيف، قال الخباز: ثمنه…”

رغم بساطة حلم الموظف عبد الله (الرغيف) فإنه لا يستطيع تحقيقه مادام راتبه عاجزا عن تأمين كفايته، لهذا يلجأ إلى الحلم، الذي هو رديف الفن،كي يستطيع متابعة الحياة، لكن حتى الحلم يحاصره السلطان ويصادره، ثم  يأتي اللص، ليكمل المأساة، فيسرقه!

يلاحظ المرء أن بناء القصة قد تشكّل على إيقاع اللغة الشعرية، حتى لغة الواقع التي لحظناها، أحيانا، في القصة تبدو مشدودة إلى عوالم شعرية، وذلك بفضل سيطرة الحلم على فضاء القصة، فعندما تجوع الحبيبة يهم الحبيب بانتزاع قلبه، ليقدمه لها عوضا عن الرغيف، لذلك بدت لنا هذه اللغة برهافتها وبقدراتها المجازية قريبة من لغة الحلم الذي بإمكاننا أن نعدّه البطل الرئيسي في القصة، لهذا لجأت الكاتبة إلى اللغة الشعرية لكونها أقدر من اللغة التقليدية على تجسيده، فهي أكثر قدرة على الانطلاق بدلالات اللغة وتكسير مألوفيتها، مما يضفي جمالية خاصة على القصة، فالحبيبان حين يختلفان “يجهشان باللوم على بعضهما، وتنأى مسافات القبل”

إن كلمة (يجهش) التي اقترنت باللوم تلقي ظلال الحزن والفجيعة والخيبة على أعماق المتلقي، لذلك تضيع الحميمية بين الحبيبين ويسور البعد أشواكه بينهما! وبذلك أسهمت لغة الخيبة والألم في رسم جو الحزن والفجيعة!

كذلك نجد لغة الفرح ازدادت توهجا باستخدام لغة الشعر “رقصا على إيقاع حلم دنا قطافه” فتجلّت لغة الحياة الفرحة بكل حيويتها وانطلاقها (الرقص، الإيقاع، القطاف…)

كذلك أضفت الشعرية على لغة الضياع إيحاءات تغني دلالاتها، فاستطاعت أن تجسد مثلا خذلان الفقير الذي يفقد ملاذه الوحيد (الحلم) “تاه القطيع وتبعثر في فلاءات الرمل” فلم تكتف الكاتبة بفعل (تاه) بل أضافت إليه (تبعثر) لتشدد على إيحاء الضياع والتمزق، ولذلك جاء (الفلاء) بصيغة الجمع ليعزز حالة الشعور بالضياع!

كما لمسنا في هذه القصة الغرائبية في التصوير لتزيد أبعاد الدلالة تأثيرا في المتلقي، فالفقير الذي ينجب طفلا، من المفترض أن يكون أملا له، نجده محكوما بحياة مشوهة منذ ولادته “حبل السرة كان ملتصقا برقبة الصبي” فقد عاش حياته مقيدا به، لذلك بإمكاننا أن نرى فيه حبل الفقر الذي يورثه الأهل لأبنائهم مع دمائهم يخنق أعناقهم منذ اللحظة الأولى لميلادهم، وبذلك بدت الغرائبية جزءا من جمالية اللغة الشعرية التي استطاعت أن تغني دلالات القصة، وتضفي حيوية وجمالا على فضائها!

ثمة نقطة أفسدت تفاعل المتلقي مع فضاء القصة، باعتقادنا، وهو تدخل صوت الكاتبة أثناء اشتداد الصراع في أعماق عبد الله لإحساسه بضياع الخاتم (الحلم) بسبب طرد جند السلطان له ، فبدا لنا هذا التدخل غير مستساغ رغم إدخالها إلى حلبة الصراع شخصية جديدة هي شخصية اللص!

إننا لا نرفض التجديد في شكل القصة، الذي قد يكون أحيانا تدخلا صريحا عبر صوت الكاتبة، لكن شرط ألا يفسد ذلك تفاعل المتلقي مع فضاء القصة، لذلك بدا لنا هذا التدخل في الافتتاحية وفي الخاتمة مستساغا، خاصة أن المؤلفة انتبهت إلى أمر هام هو: انسجام المقدمة مع الخاتمة، فقد بدأت القصة بالحديث عن شخصياتها المهزومة والمجروحة “بعد أن استنكر القاضي هزيمتها، توسدت شخوصي جرحها ونامت”) وختمتها بنهوض الكاتبة في الصباح وإخراج دفترها من تحت وسادتها، فتكتشف تلون صفحاته ببقع دماء شخصياتها التي تبدو متناثرة كالشموس.

أخيرا أعتقد أن هذه العجالة لا تفي تجربة اعتدال رافع حقّها، لكنها تلفت النظر إلى تجربتها الفريدة في الإبداع القصصي، وتحفّز القراء إلى ضرورة دراسة هذه التجربة المتميّزة بالعمق الإنساني والرهافة الشعرية!

*هيئة تحرير المجلة الثقافية الجزائرية تشكر الدكتورة ماجدة حمود على إتحافنا بهذه الدراسة التي تنشر لأول مرة، وسوف تنشر في كناب يجمع مختارات قصص اعتدال رافع عن مجلة الموقف الأدبي.



1- سيد: ذئب، عمّلس: سريع، أرقط: نمر، زهلول: أملس، عرفاء: طويلة العرف، جيأل: ضبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق