قراءات ودراسات

القصيدة العمودية وآفاق تطويرها

منصورنعمان العبسي*

علينا أن نتقبل مايراه الكثيرون من دعاة الحداثة العرب بأن القصيدة العمودية لم يعد لها حق البقاء والإستمرار في واقعنا العربي إلا ضمن أراشيف المتاحف وبطائن كتب التراث .مالم يكن لدينا القناعة النابعة من إمامنناو وعينا بحتمية التطور ومالم يتوفر لدينا العزم اللازم للدفع بها للحاق بالركب ومواكبته . أسمحوا لي أن أقترح عليكم خوض تجربة إدخال تقنيات حداثية في بعض فصائدكم وليس فقط مضامين حداثية كما قد فعل البعض وفي مقدمتهم الكبير شاعراليمن والعرب البردوني . دعوني أضرب لكم أمثلة ممايتوارد في خاطري الأن فالأمثلة تغني عن الكثير من التفصيل مثلا..

1) البرهنة : -وهومصطلح أقمحته أنا في الشعر ولاعلم لي إن كان قدسبقني اليه الغير  فإذا قال البعض إن البرهنة طريقة الرياضياتيين والمناطقةعموما لإثبات صحة القوانين ونحوها أقول له إ ن المحامي في مرافعته والقاضي في حيثيات حكمه يستخدم طريقة البرهنة ذاتهاوحتى الصحفي الموضوعي والمهني وغيرهم .

ووفقاللمقولة القديمة (وإن من الشعرلحكمة) يكون احرى بالشعر قبل غيره إستخدام طريقة البرهنة هذه فلاينبغي أن نظل على ذات نوع الحكمة التي كانت علي عهد إمرأؤ القيس ولا التي علي عهدالمتنبي ولا التي على عهد أبي تمام وأنتم على حالكم قائلون لاشك (أنى لنا أن نصل إلى مستويات قصائد هولاء) كما قالها سابقيكم وسابقيهم كذلك.
لكن لماذا؟ أرى أن هولاء قدإستخدموا ووظفوا وأتقنوا ما يخص عهودهم وبأكمل وجه ربما وعليه لاسبيل إلى التفوق عليهم فيه لكن لو أنتم فعلتم مجرد ذات مافعلوا لكن لمايخص زمانكم فسيقول عنكم بعد زمن شعراء (أنى لنا أن نبلغ مابلغه هولاء) كما أن أهمية البرهنة هذه في القصيدة العمودية تحديدا أنها ستجعلها تتغلب على احد المآخذ التي تؤخذعليها على الأقل وهو أنه يمكن حذف أوإضافة أوتقديم أوتأخيربيت وربما أكثر دون أن تتأثر القصيدة فليجرب كلٍ منكم إذا أن يكتب قصيدته القادمة للبرهنة على صحة ما يؤمن به أويوقن بصوابه وليرى هل سيبقى ذلك المآخذ قائما .

2) لاشك لدي أن أمثالكم من حملة مشاعل الوعي يدركون أن حركة التطور مستمرة وسُنة تأريخية وتاتي على مرحل متلاحقة وكل مرحلة لها خصائصها وسماتها والتي تعم كل مكوناتها ومعطياتها . فالتقنية ليست ققط خاصة بالعلوم التطبيقية فهناك مثلا مصطلح تقنيات السردالقصصي الحديثة وغيره فيما أدعى أن نهتم بتقنيات الشعر الحديثة .فكما أخذت الدوائرالإلكترونية وبالتالي الأجهزة المكونة منها في التضاؤل في أحجامها والزيادة في كفاءاتها ووالوظائف التي تؤديها ينبغي أن يواكب الشعرذلك التطور قبل غيره من المجالات التي إستفادث من الحاسوب والبرمجيات وهي كُثر فيما أرى أن الشعرأولى علي الأقل كي يحافظ على ريادته ومكانته التي ماكان ينافسه عليها لدى العرب غيره. وبهذه التقنية كماأرى سيحتفظ الشعرالعمودي بإعتداده بأن البيت وحدة القصيدة كميزة وليس كما غدت تؤخذ عليه كعيب وفقا لما أشرت اليه في البند السابق. حيث ستكون البيت وحدة مستقلة بحدذاتهالكن ليست ذات قيمة أومهمة أووظيفة إلابإرتباطها بغيرها من أبيات القصيدة.

3) التغلب علي محدودية سعة القصيدة العمودية بسبب الضوابط والقوالب والقواعد التي كناقد تناولتها رسابقاوذلك م̷ن خلال الإهتمام بما يسمى البعدالثالث والذي أخذالإهتمام به يجتاح العالم الإفتراضي مؤخرا وبتسارع مهول لكنه كان قد أستخدم قبل ذلك ومنذ عقود ماضية في مجالات العلوم حيث لايمثل الإرتفاع دائما كما في ثلاثية الأبعاد التي توظف في العالم الإفتراضي وإنما كان أكثر مايعطى هذا البعدالثالث لعامل الزمن . وكتبسيط أنك إذا أردت أن تدرس موضوع ما فإنه عليك الاتكتفي بعمل بحث عن كل ماقيل عنه طولاوعرضاوإنما أيضا بالأخذ بالبعد الثالث العمودي مثلا كما نجدذلك في علم الإجتماع التأريخي (وحري بي أن أذكرفي هذاالمقام العَّلم اليمني والهامة العملاقة على مستوى العالم العربي وهوالدكتورحمود العودي .أستاذ علم الإجتماع في جامعة صنعاء حاليا) وهوالعلم الذي لايكتفي بسرد الأحداث التأريخية إنما يتناول العوامل والظروف والعلاقات وغيرذلك مما يمكن أن نجمله بوصفه البعد الثالث . وقديتسائل أيكم كيف يمكننا توظيف البعد الثالث هذا في القصيدة العمودية.؟

الجواب : اللا تظل القصيدة العمودية قائمة على عرضها الذي لايتجاوز بحرالكامل ربما وأنتم أدرى مني بذلك وكذا طولها الذي يمتد وفق عدد أبياتها الذي يتوقف على موضوع القصيدة ومدى كفاءة الشاعرفي الإيجاز خصوصا ذلك الطول لذي ربما لم يصل إلى الألف في تلك القصائد المسماة الألفيات والتي كانت قددعت الضرورة لها كما أفهم لشمول الأحكام أوالقواعد ونحوذلك . ومن هذه الألفيات ماكان يطلب من طلبة الجامعات الدينية كالأزهر وغيرهاحفظ الألفية غيبا بماتشتمل عليه من قواعد النحو أو من أحكام الفقه . ولكن بغض النظرعن تراجع أهمية مثل هذه الألفيات في عصرالحوسبة والمعلوماتية بل منذ قبل ذلك حين بداءت الجامعات العربية  وبالأخص الكبرى منها بالتوجه نحو الإهتمام بالقدرات والخبرات بدلا من المعرفة ليس فقط للتضاعف المتسارع في كم المعرفة الذي شهده واقعنا العربي منذ بداية عقدالثمانينات من القرن الماضي تقريبا والذي صار معه الإلمام بكل المعرفة في أي مجال أمرغيرممكن لكن كذلك مع توفر المراجع الأجنبية في المكتبة العربية تلك الطفرة في حركة الترجمة والتي صار معها خلال عقد فقط يتوفر مراجع مترجمة وبكفاءة عالية وفي متناول الطالب والباحث والقارئ العربي بصورة عامة. وبالتالي لم يعد مطلوبا من الطالب الجامعي سوي الإستفادة من التجارب والخبرات إضافة إلى تنمية أوتطوير القدرات لإكتساب وإتقان المهارات التي تمكنه فيما تمكنه من الوصول للمعلومات والمعرفة عموما في بطون المراجع والكتب . كما مثل عصرالحوسبة لها الكثير حتي صارالطالب الجامعي يمكنه أن يمتلك في ذاكرة جواله فحسب كل ماصدرفي العالم بأسره فيما يتعلق بتخصصه ليس ككتب الكترونية فحسب بل تطبيقات وموسوعات وغيره . المعذرة إذ أسهبت في هذا فأطلت دون قصد لنعد إذا للبعدالثالث للقصيدة العمودية الذي نحن بصدده فمع إدراكنا أن هناك شعراء قد أدخلوا الحداثة في مضامين قصائدهم العمودية ولكن ظل الأمر في الغالب بحدود علمي لايتعدى أكثر من كونه مثل التوابل أوالبهارات التي تغير من نكهة أومذاق تلك الطبخة التقليدية فحسب .وكذلك مثل إعطاء المرأة في حكوماتناالعربية حقيبة وزارية أوأكثر أونسبة من المشاركة الصورية أوالديكورية هنا وهناك الأمرالذي لا يخدم قضيتهاالمتمثلة بحقها في إنتزاع حقوقها وفرض حضورها الفعلي وممارسة أدوارها وصولا لمشاركة الرجل مشاركة متكافئة . وقد أثر ذلك سلبا عليها دون أن ينفي هذه الحقيقة الواقعة ألأراء النسوية البارزة المؤيدة والمرحبة بتلك السياسات التي منحتها قدرمتزايد من الفرص والحضور وإن كان صوريا أوديكورياويرجع ذلك إمانتيجة قصورفي الوعي وإما كموقف المحروم الذي يفرح بحصوله على بعض حقه مقارنة بما سبق من حرمانه . وكخلاصة أنكم ليس في إمكانكم تحقيق زيادة كافية في محتوى القصيدة العمودية طولا حتى بالوصول إلى الألفيات وعرضا ببحورمابعد الكامل ولا حتى بمجرد تلقيمها بما يشبه التوابل أوالبهارات الحداثية إنمابالعمل على إعتماد وتوظيف البعد الثالث العمودي الذي يعطي القصيدة العمق والإرتفاع في آن لتتسع لأكبرقدر من الفلسفة والعلم والمعرفة وكل مايلبي متطلبات الواقع المعاش وتطويره والإرتقاء بمستواه . ولتستحق قصائدكم أن ينظراليها بعدالف عام من الأن أو أكثر بأعجاب وبإهتمام . فإن أنتم حاولتم ونجحتم بنسبة1% فسياتي من بعدكم تباعا مَن يصل أخرهم الى النجاح 100%عندها سينظرإلى ال1%الذي بدأتم به بتقدير أكبرمماهو لل99%التي تلته .

قدحرصت أن أجتهد كي أكتب هذا لكلالزملاء الشعراء الذين يكتبون الشعرالعمودي كي لا تعتبروا بأني أهتم فقط بأمثالي من كتاب الشعرالحر. . ومع ذلك فأنالاأدعي بأني في كل مااقوله على صواب ولا أدعي ماليس لي بحق أني أعلم منكم وفيكم دكاترة وغيرهم من ذوي الخبرة والإطلاع لكن حسبي أن أفتح لكم المجال للتوجه نحو مثل هذه الآفاق. أتمنى أن تطلعوا وتخالفوني وتوافقوني وتزيدو ا .على ما أتيت به . كل مودتي وتقديري للجميع. .

*منصورنعمان العبسي/ اليمن
23يوليو2018م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق