الموقع

رحلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬الفاضلة

بقلم: حبيب راشدين

الآيات الشيطانية في مزامير الديمقراطية :حتى لا يخدعنا الساسة بسفسطة رواقية تشغلنا في البحث عن جنس ملائكة الديمقراطية، وتتاجر معنا بحور عين دولة القانون، يفترض بالشعوب التي تتأهب للانعتاق من إصر الاستبداد أن تحتمي بأكثر من بوليصة تأمين ضد التزوير والعبث بمبدأ “الشعب مصدر السلطة الأوحد” لأن التزوير الحقيقي لإرادة الشعوب يبدأ عند صياغة العقد الاجتماعي وتحرير الدساتير، ولأن الديمقراطية في صيغتها الغربية التي تسوق اليوم لشعوبنا كحل سحري هي تآمر متواصل على حكم الشعب.

في استهلال المقال الأخير، كتبت أقول: “ربما يكون الرئيس قد أضاع فرصة أخرى لتمييز الصدق من الكذب في دعوات التغيير والإصلاح عند أفرقاء المشهد السياسي، ومواجهة دعاة إسقاط النظام لوراثة السلطة، بمشروع إصلاحي حقيقي، ينهي فيه تفكيك مؤسسات دستور 89 المترهلة، ويضع قطار البلد على سكة التغيير والإصلاح، التي تبدأ بصياغة عقد اجتماعي جديد تكون كلمة الفصل فيه للمواطن، حتى يطمئن المواطن لصدق مبدأ الشعب هو مصدر السلطة الأوحد”.

وقد ختمت المقال بدعوة القارئ إلى التفكير في ما طرحه الرئيس، وما يطالب به شخوص المشهد السياسي، والبحث في البدائل الممكنة التي لم تطرح بعد، حتى لا نكون مرة أخرى ضحية نقاش محتويات إصلاح دستوري “قد يسجن داخل أروقة البرلمان، وبين النخبة المصطفاة من النخبة، فلا بأس أن نواجههم كمواطنين بالبدائل المتوفرة حتى لا تسوق لنا مجددا ترقيعات خرقاء لعقد اجتماعي لم نشارك من قبل في صياغته، فكان مصدرا للفتنة مستدامة، وحاضنا لأزماتنا السياسية في العقدين الماضيين”.

تفكيك أسلحة الاستبداد الشامل

دعونا نبدأ من حيث انتهت إليه ورقة الإصلاح كما عرضها رئيس الجمهورية، وما هو متداول في أدبيات أفرقاء المشهد السياسي من داخل البرلمان ومن خارجه، فالجميع يريد في ظاهر القول الذهاب إلى إصلاح يسمح ببناء دولة مدنية حديثة، ديمقراطية، تحترم مؤسساتها الدستور، ويخضع فيها الجميع لسلطة القانون، تؤمن بمبدأ التداول السلمي على السلطة، ويجسد فيها الفصل بين السلطات، واحترام إرادة الناخب بوصفه مصدر السلطة الأوحد، ويثبت فيها حياد الإدارة، وامتثال المؤسسة العسكرية والأمنية للشرعية الدستورية، فضلا عن استقلال القضاء والمساواة أمام العدالة، واحترام حقوق الإنسان، وبجملة واحدة، بناء دولة السلطة فيها مجردة من أهم أسلحة الاستبداد الشامل.

هذه عناوين مشتركة في جميع الديمقراطيات العريقة، وتتصدر اليوم لائحة مطالب الشعوب العربية، وهي كما نرى عناوين شريفة لا يردها عاقل، لولا أن التجربة علمتنا واجب التدقيق في المضامين، وأن “ما نعتقد معرفته يحجب عنا في العادة ما يجب أن نعرفه” كما ينصحنا بذلك عالم الاجتماع واللسانيات الفرنسي غاسطون باشلار. فماذا يعنيه دعاة الدولة المدنية بهذا المصطلح؟.

الأركان الأربع لعقيدة دولة للقانون

التعريف البسيط والمتداول لمفهوم الدولة المدنية قد يجمل في بعض الشروط التي يفترض أن تجتمع في الدولة ومؤسسات الحكم، تسمح بتمييزها عن الدولة المستبدة القديمة والحديثة، في صيغها العسكرية والمدنية، الجمهورية والملكية على السواء، وهي أربعة مبادئ.

-أن تكون الدولة محكومة عبر مؤسسات تنفيذية وتشريعية منتخبة قابلة للمراقبة والمساءلة، والتغيير، وسحب الثقة، والمحاسبة.

-أن يكون الحاكم والمشرع مدنيا بالضرورة، يستمد شرعيته ومشروعيته من المواطن الناخب، المالك الفعلي للسلطة، عبر مسارات انتخابية مؤمنة من التزوير والعبث.

-أن تنظم العلاقة بين الحكومة والمواطنين عبر الدستور، بوصفه العقد الاجتماعي للمجموعة الوطنية المشكلة من مواطنين لا من رعايا، ووفق ما يشرع من قوانين تخضع لأحكام الدستور، ويخضع لها الجميع دون استثناء.

-أن يحرص دستورها وتشريعاتها على إنجاز فصل حقيقي بين السلطات: الإجرائية، والتشريعية، والقضائية، مع توزيع متوازن للسلطة والصلاحيات بين السلطات الثلاث.

حكم العساكر بدستور دولة مدنية

وبالرجوع إلى دستور 89، فإن المبادئ واردة ولو تحت عناوين وصيغ تحرير مختلفة، لكنها واردة. فالسلطتان: التنفيذية والتشريعية سلطتان خاضعتان للمبدأ الأول من حيث أنهما سلطتين منتخبتين قابلتين نظريا للتغيير والمساءلة، ورأس الجهاز التنفيذي والحكومة من المدنيين، جاءوا عبر صناديق الاقتراع، حتى وإن شاب المسارات الانتخابية قدر من التزوير. ولا شك أن المبدأ الثالث وارد، بحيث أن العلاقة بين مؤسسات الدولة، وبينها وبين المواطنين تخضع نظريا للدستور ولأحكام القانون، ونظريا أيضا ثمة فصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، مع قدر من التوزيع المتوازن للسلطات والصلاحيات.

فمن حيث الشكل، يمكن توصيف الدولة الجزائرية المنبثقة عن دستور 89 بأنها دولة مدنية، مثلها مثل أي دولة ديمقراطية غربية، على الأقل من جهة التوصيف النظري والمرجعية الدستورية، فأين الخدعة إذن؟ ولماذا يوجد هذا الشعور بتسلط نظام استبدادي يحكم فيه العساكر بدستور دولة مدنية؟ وأين هي الضمانات، في ما هو مقترح من إصلاحات، لكي لا نخرج بتعديل دستوري آخر يواصل الخديعة بطرق أخرى؟

السؤال الذي ينبغي أن يسيطر على اهتمام كل من هو مدعو للمشاركة في صياغة مفردات الإصلاحات، هو سؤال واحد كبير، تتفرع عنه الأسئلة الثانوية حول طرق بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة: “كيف نجسد بأدوات دستورية وقانونية مبدأ الاحتكام لإرادة الناخب ليكون المالك الفعلي للسلطة؟ ” ومتى توصلنا إلى الجواب الشافي والكافي لهذا السؤال نكون قد اهتدينا لسبل تفعيل المبادئ الأربعة الحاكمة في الدولة المدنية، ووضعها على المسار الصحيح.

حين تتآمر الديمقراطية على حكم الشعب

حتى تتضح الصورة، دعونا نطرح السؤال نفسه على أعرق الديمقراطيات الغربية التي تسوق لنا اليوم كمثال ونموذج. وحتى لا نهضمها حقها، سوف نستعرض أربعة نماذج لملكية دستورية برلمانية، وجمهورية برلمانية، ونظام شبه برلماني، ورابع رئاسي. وهي النماذج الأربعة المتبعة في الغرب، في إسبانيا، وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدول المشاركة اليوم في العدوان على ليبيا، بحجة حماية حق الليبيين في الانتفاع من نظام ديمقراطي يحترم إرادة الناخب، فهل كان العدوان الذي تشنه حكومات هذه الدول على ليبيا نابعا من إرادة شعوب هذه الدول؟ وهل استفتت الحكومات برلماناتها بوصفها الممثلة لإرادة الناخبين؟ وهل كانت هذه الحكومات تنفذ إرادة الناخبين حين اختطفت بلايين الدولارات من المال العام لإنقاذ النظام المالي الربوي والمصارف المفلسة، وأضافت أعباء على الطبقات الأكثر فقرا؟ وهل يملك المواطن الناخب بين فترتين انتخابيتين القدرة على التأثير في قرارات الأغلبية في البرلمانات والحكومات؟.

الجواب يعرفه الجميع، وفي الطليعة الشعوب الغربية التي تتداول عليها الخديعة من اليمين واليسار، ومن المحافظين والإصلاحيين. فمنذ النشأة الإغريقية الأولى لما يسمى بالديمقراطية، لم نشهد أي إصلاح يفعل مبدأ تجسيد سلطة الناخب، فكيف يعقل أن يكون استدعاء الناخب كل أربع أو خمس سنوات لاختيار ممثليه في الحكومة والبرلمان كاف لتجسيد مبدأ “حكومة من الشعب وإلى الشعب وبالشعب” إذا كان المنتخبون يفعلون ما يشاؤون بين دورتين؟ وكيف تكون الحكومة من الشعب وبالشعب، إذا كانت جميعها تسارع، بعد النجاح واستلام السلطة، إلى خداع الناخب والتنكر للوعود الانتخابية. وقد رأينا كيف أفلس الرئيس الأمريكي أوباما في الوفاء بوعد إغلاق معتقل غونتنامو، وإنهاء الحرب في العراق، وكيف هرول إلى إنقاذ المصارف المفلسة بعد أن كان يعد بمحاربة الفساد داخل صفوة الأوليغارك.

حراس البوابة لأقل الأنظمة سوءا

والحال لا فرق يذكر بين استهتار النخب الحاكمة في الديمقراطيات الغربية بشعوبها، وما ينسب لدول نامية، تحكمها دساتير تتضمن نفس المبادئ الأربعة للدولة المدنية الديمقراطية، إلا من حيث ما تظهره النخب الحاكمة في الغرب من ذكاء في تلبيس الحق بالباطل، والتفوق في إدارة أدوات التأثير الناعم على الرأي العام، ومن حيث حجم الثراء المتراكم بين يديها من نهبها المتواصل لثروات الدول والشعوب المستضعفة. وقد رأينا كيف انساقت الحكومات الغربية إلى التنكر لأهم مبادئ الديمقراطية، وخرقها لمنظومة حقوق الإنسان بلا استحياء حين تعرض أمنها لتهديد بسيط، وشاهدناها من قبل تتحول إلى فاشيات، ودول استعمارية وإمبراطوريات عدوانية، قتلت في حربين أكثر من ستين مليونا من بني البشر، وما زالت تقتل وتفتك بالشعوب المستضعفة في حروب محلية متواصلة.

لست واثقا هل أن تشرشل هو من زعم أن “الديمقراطية هي أقل الأنظمة سوءا” لكني واثق من أن معظم النخب الحاكمة ترفض منذ ثلاثة قرون تصحيح مواطن السوء في النظام في الديمقراطي، وتقاتل بضراوة الدعوات المتكررة لمعالجة عوراته، لأنها في الأساس ترفض أن يتطور النظام إلى نظام يجسد فعلا مبدأ سلطة الشعب، ويحمي صوت الناخب من التلاعب، ويجبر المنتخب على الوفاء بالتزاماته الانتخابية التي هي الشق المقابل للبيعة في صفقة التمثيل، لأنها مثلها مثل الاستبداد لا تريد إشراك العوام مع الصفوة في إدارة الشأن العام، كما ترفض الصفوة من أرباب المال والأعمال اقتسام الثروة بالعدل، أو على الأقل خفض الفوارق الفاضحة في الدخل.

تحكيم قوانين السوق في بورصة السياسة

ثمة عيوب كثيرة في النظام الديمقراطي الغربي الذي يسوق اليوم لشعوبنا، وكأنه الحل السحري لجميع مشاكل المجتمعات العربية، وقد نتوصل إلى التوافق على صيغ مقبولة لمشكل الفصل بين السلطات، ومنح قدر من الاستقلالية للقضاء، وربما تقبل النخب السياسية بقوانين تسمح بضمان قدر من الحيادية للإدارة، وبمستوى مقبول من استقلاليتها عن الجهاز التنفيذي، لكني أشك أن نجد عندها قبولا لتفعيل المبدأين الرئيسين لأي ديمقراطية لا تقوم على خداع المواطن الناخب، وأعني احترام السلطة المنتخبة لصوت الناخب، وحمايته من التلاعب والتزوير أثناء العملية الانتخابية وحتى انتهاء العهدة، والثاني احترام الوعود الانتخابية بوصفها الشق المقابل للبيعة، لأن مجمل الخداع في اللعبة الديمقراطية إنما يأتي من تقييد سلطة المواطن الناخب في مدة زمنية لا تتجاوز يوم الانتخاب، وفي تنصل المنتخبين من الوعود الانتخابية عند أول فرصة، إن لم يكن في اليوم التالي لإعلان النتائج، وقد يكون المخرج كما سنرى لاحقا في الدعوة إلى تحكيم قوانين السوق في بورصة السياسة.

وقبل الدخول في الجدل القائم والمفاضلة بين النظام الجمهوري الرئاسي الذي كان يدافع عنه رئيس الجمهورية، والنظام البرلماني الذي توافقت عليه معظم التشكيلات السياسية عندنا وعند أشقائنا العرب، يكون من المناسب أن نستشرف معا في المقال القادم الصيغ الممكنة والمتاحة لتجسيد هذين المبدأين الحاكمين في أي نظام ديمقراطي متوازن، لا يستبطن خداع المواطن الناخب، بل يمنحه منذ البداية ضمانات كافية تقيه شر التلاعب والعبث بصوته، أو الضحك عليه بوعود كاذبة. فمن المهم، وقد أتيحت لنا اليوم فرصة إصلاح نظام الحكم، أن نتطلع إلى ما هو أفضل، ولا نكتفي باستنساخ النموذج الغربي الملغم بألف لغم ولغم، خاصة أن موروثنا الحضاري الإسلامي يسمح لنا بتجسيد هذين المبدأين ونحن مطمئنون إلى توافقهما مع نصوص شرعية صريحة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية الشريفة، ومن سنة الخلفاء الراشدين الذين أداروا، في وقت مبكر حسب رأيي، دولة مدنية حقيقية يحترم فيها ولي الأمر نص البيعة، ولا يفصل في أمر إلا بعد الرجوع إلى جماعة المسلمين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق