ثقافة السرد

قرار

بقلم : يوسف فضل

قررت زوجتي الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء  شعائر العمرة . وهذه ليست المرة الأولى التي نذهب فيها إلى مكة سواء للحج أو العمرة . لكن عنَّ على بالها  أن تقوم بهذه الزيارة إما للتخفف أو لمحو الآثام التي لحقت بها أو أنها ترمي إلى هداية زوجها وان يبتعد عن ارتكاب الآثام  لتنال نصيبها من هذه الهداية أو لربما للدعاء لله  لديمومة التفاهم والود في أجواء البيت أو التضرع لله في حل أو  حلحلة  مشاكلنا العربية.

قرأت أول لوحة حددت المسافة ما بين الرياض ومكة المكرمة تقول أن المسافة 878/كم. لم ينتابنا القلق من طول المسافة لان السيارة جيب  ترايل بليزر وحسنة التكييف . في العموم ، اكره قيادة السيارة . لكن القيادة في الليل لها طعم خاص بما اشعر به من السكون والهدوء بل والتأمل .انطلقنا ليلا ومعنا البطل وأخته هيا التي هي في الصف الثالث الابتدائي . لقد امضيا جل الوقت ما بين النوم بعد أن هيأت لهما أمهما السيارة  لتكون غرفة فندق أزيد من ثلاثة نجوم بقليل : الفرشة والمخدة والغطاء مع توفر مساحة ليناما ممدودي القامة بعد ثني المقعد الخلفي للسيارة وبين ممارسة الرياضة الدماغية بعد توفير بعض الألعاب الخفيفة والأوراق والأقلام الملونة لهما ورسومات عن قوة الملاحظة باكتشاف الفوارق السبعة وبعض الكتب المدرسية وكتب للمطالعة . وبين الفنية والأخرى كان احدهما يصحو من غفوته أو التخلي عما كان مشغولا به  ويقول:” ما طلع الفجر”. أو ” أريد شايا أو حليبا “

لا بد من التوقف المتكرر لتعبأه البنزين من الاستراحات (السياحية) الكثيرة المترامية على جنبات  الطريق وتعمل على مدار الساعة  لكن البعض (الكثير) منها مخزن للأمراض  لعدم الرقابة على مطاعمها وحماماتها . وبينما البطل يتناول العصير مع رقائق الذرة سألني:

*: أقولك شغلة؟

**: تفضل.

*: والدك ميت؟

**(مستغربا من السؤال لكني تذاكيت عليه)  : مين والدي؟

* : كم والد إليك . أبوك . جدي أنا . حقا انك غريب !

** : شكرلصبرك علي وتوضيح السؤال. نعم ميت .

*: لماذا لا يتصل بك ؟

** (ازددت استغرابا) : كيف يتصل؟

* : يتحدث معك بالجوال. ما معاه جوال؟

**:  يا مؤمن الميت لا يتصل أو يتحدث مع أحد .أو ربما  خدمات الاتصالات لم تصل إلى حيث هو موجود أو لا توجد محلات تبيع الجوالات . الله يرحمنا وأمواتنا جميعا .

* : أين هو بعد ما مات ؟

** : عاد إلى حيث أتى.

* : أين هو الآن ؟

** : عاد إلى الله . ” إن إلينا إيابهم ” ألم تقرأها في سورة الغاشية في المدرسة . هو الآن في حياة البرزخ .

*:  قرأتها في المدرسة . ماذا تعني حياة البرزخ؟

**:تعني أن الإنسان الذي يموت يبقى في حياة اسمها البرزخ . والبرزخ معناه الفاصل أي  الوقت الفاصل بين حياة الإنسان في الدنيا إلى حين بعثه يوم القيامة.

* : ما في زحمة عندهم ؟

**: ما في زحمة لان المساحة واسعة .

*: بدي أقولك شغلة؟

** : هات يا سيد شغلتك .

* : هل تخاف الموت؟

** : (صمت وتفكير من مفاجأة السؤال) حتى أن جارتي أم فضل نظرت إلي مستغربه من هذا السؤال الطفولي المشاغب .

*:لا زلت انتظر الجواب .

** : استمتع بأسئلتك لأنها تجعلني اخرج أفضل ما عندي . بصراحة لا أخاف الموت.

* : أنت رجل بطل.

** : حبيبي كل إنسان سيموت البطل والجبان . إن الخوف من الموت لن ينقذني منه ولن يغير الرواية الشخصية المكتوبة لي .والموت هو النهاية  المشتركة لكل مخلوق وقبولي بهذه الحقيقة تساعدني على تقبله . وإذا خاف الإنسان أم لم يخف الموت فلن يغير مصيره ؟  أنا أخاف وأقلق من شيء أكبر من الموت ؟

* : ما هو؟

** : مرحلة ما بعد الموت .

* : لماذا؟

** : لأن مرحلة ما بعد الموت تكون صحوة الإنسان : فإما جنة وإما عذاب.

* : والله هذه مشكلة !

** :الآن بدأت تفهمني .

*:: أنا أفهمك .

لم يضف أي سؤال آخر  بل اشغلني باستفساراته   وعاد إلى غرفة الفندق في السيارة يلعب مع أخته وهو لا يدري أنه أثار في داخلي موجة من ضباب الصمت في هذا الليل وحكمة التساؤل والكون ……..   ولماذا!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق