قراءات ودراسات

في ( كوانتوم): الروائي يحفر في الأعماق

رشاد أبوشاور

كتب الأستاذ جبرا عن القدس مدينته الأثيرة: القدس ليست مكانا إنها زمان أيضا.
ووصف إدوارد سعيد القدس: إنها مدينة موتى.
وفي فيلم ( مملكة السماء) يسأل المفاوض الصليبي قبل تسليمه القدس..القائد صلاح الدين الأيوبي:
– ماذا تساوي القدس؟
يستدير صلاح الدين قليلاً ويجيب مبتسما:
– لا شيء.
ثم بجدية:
– كل شيء.
أمّا الشاعر والروائي أحمد أبوسليم فيمضي بنا عميقا في ثرى ( القدس) ليرينا أنها ليست المعالم العريقة، الدينية والحضارية)، المتبدية على السطح، فهي أعمق، إنها طبقات من الأجساد ، من العظام، من الأزمنة والحقب، ومنها ينبعث دوي مذهل.
في العمق يدور صراع بلا رحمة، والروائي ( باحث) يستبطن المدينة ويقرأها في العمق باحثا في أسرارها، مستنطقا ما يثوي. إنه يقرأ الإنسان، وهو يلجأ إلى التاريخ والجغرافيا، ويذهب مع قوانين الفيزياء لفهم إنسان هذه الأرض، وهو إنسان، وإن كان من لحم ودم، ويبدو هشا في لحظة ما، فإنه يستعصي على القبض عليه وكسره، وحسم مصيره، وإخضاعه رغم كل ما يتعرض له من محن ومكابدات.
أحمد أبوسليم الشاعر روائي، أقولها عن قناعة، فهو قدم ثلاث روايات بين الواحدة والأُخرى سنتان، أي إنه بات يقدم رواية في كل سنتين.
هو ليس أول شاعر يكتب الرواية، فهناك شعراء عالميون أبدعوا روائيا: الفرنسي فيكتور هيغو الذي تعيش روائعه حتى يومنا وتترك أعمق الأثر في النفس الإنسانية: البؤساء، أحدب نوتردام، عمال البحر، الألماني غوته صاحب آلام فيرتر، الروسي بوريس باسترناك: صاحب الرواية الشهيرة:دكتور جيفاكو..وفي أدبنا العربي تتوفر أمثلة كثيرة.
الانتقال من الشعر إلى الرواية ليست نزوة، أو طلبا للشهرة، مع انتشار الرواية في وطننا العربي، فلدى أحمد أبي سليم ما يقوله، وهذا ما اقتنعت به بعدما قرأت روايته الأولى ( الحاسة صفر) والتي شكّلت مفاجأة لي، وربما لكثيرين غيري، فهي رواية ما بعد الرحيل عن بيروت عام 1982 ، وفي مكان وبيئة لا تمكن من الصمود والمقاومة..إنها رواية لم تكتب لتمجّد البطولة، ولكن لتقدم هول الألم والعزلة والتمزّق والخسارة.
يختار أبوسليم أمكنة وأزمنة ولا أبطال في أوقات تفيض خيبات ومآس، لا لمزاج شخصي مُر، ولكن لأنه ، كما أسلفت: يحفر عميقا، ويبحث عن أسباب المحن، وكيف يصمد من لا يملكون مبررات الصمود ..أولئك الذين يقاومون وهم يتلظون بنيران الجحيم، وظهورهم مكشوفة طعينة.

رواية ( كوانتوم) يكتبها لا أبطالها، فنقرأها بأصواتهم، بكلماتهم، ونتعرف على جوانب في نفوسهم، في عمق نفوسهم، متلمسين المخفي في تلك النفوس، وعن( رفاقهم) في التجربة المخيفة المعتمة، والبحث عن إجابات على أسئلة معذبة تحيل حيواتهم إلى معاناة دائمة لا تتوقف.
مثلي سيتساءل القراء عن ( كوانتوم) : ما هو الكوانتوم، وأنا العديم المعرفة بالفيزياء لم يمنحني العنوان شيئا إلى أن قرأت الرواية وتوغلت في تفاصيلها مع شخوصها، فاقتربت من عالم م . م وعالم هند التي تشبه أن تكون لغزا، والتي هي مع ذلك تتميز بشفافية دفعت ثمنها، ومن أل..هو الذي يسحب الستائر الثقيلة عن لغز وجوده ، وعن ياسمين، وحارس العوري، ويعقوب جابي..والأستاذ حكمت غربال الذي لا يكف عن طرح الأسئلة، وغيرهم من الشخصيات القلقة المتوترةالمُطاردة…والمقاومة في كل الأحوال.
في ( كوانتوم)، في عمق ثرى القدس يبحث المتصارعون على القدس عن شيء، ولكن لكل طرف شيئه، فهناك من يهبطون عميقا سعيا للتعرف على الأصوات، والدهاليز الممعنة في التاريخ..هناك كل( هؤلاء)..وفي مواجهتهم المبنى ( m) و بنيامين كوهين وجدعون المشوه جسدا وروحا ..وهذان طرفان لكل منهما مصالحه.
(كوانتتوم) هي رواية الهزيمة المستمرة منذ نكبة 48 مرورا بال 67 وصولاً إلى أيامنا..أما من يسّروا لهذه الهزائم فيمكن أن نشير لهم مع معاناة م.م الذي اغتصب وامتهنت رجولته..والاغتصاب هنا أبعد من أن يكون اغتصابا لفرد بعينه، إنه اغتصاب لمن يعنيهم الأمر لحرمانهم من النهوض والمقاومة.
المتسرع سيحكم: هذه رواية هزيمة، والقارئ المتريّث المتأمل سيخرج بقناعة: هذه رواية مقاومة، فيها فلسفة وحكمة وخبرة حياة، والبرهان أن هؤلاء الذين يحترقون، يموتون، يُقتلون، يشردون، يطاردون، يمتهنون..لا ينهزمون تماما ونهائيا..فهم ينتمون لمدينة تختزن في ثراها طبقات من الأجساد التي كما يبدو تعيش حياة لا تنتهي بالموت، والأحياء يمتحون منها قوة لأرواحهم، ويهبطون عميقا ليشحنوا أرواحهم بقبس من القوة المتراكمة المختزنة.
أحمد أبوسليم لم يلجأ للمفهوم الفيزيائي للكوانتوم لإبهار القارئ، ولكنه اتكأ عليه، ربما بعد أن اكتشف الصلة بين الفيزياء الكونية وهؤلاء البشر الذين لهم تجليات تبدو غير معقولة، فهناك استحالة على حبسهم، وهتكهم، وتدميرهم، فهم يتجلون حيث لا يُتوقع..وهذا سر قوتهم، وهو متجسد في صلابة رواحهم وقدرتهم الجمعية على التجدد والاستمرارية والقيامة من الموت.
كوانتوم رواية جادة، فإن أراد القارئ أن يستمتع قراءة وتفكيرا فعليه أن يعيد ( تركيب) أحداثها، وعلاقات شخصياتها، لأنها مكتوبة تماما مثل لعبة الجيغزو – تلك اللعبة التي تتكون من قطع تتحقق المتعة من إعادة تركيبها بجهد وأناة _ لتتبدى بشكلها الجميل الممتع، وهنا تتعرف على أبعاد الشخصيات، وخلفياتها، وأبعادها،وعلاقاتها، ومحنها الشخصية.
ثمة شخصية سمعت وقرأت عنها بعد حزيران 67، أقصد ( روبن هود)، وأبوسليم يستفيد من الشخصية، ويعيد صياغتها، ويعطيها أبعادا يستولدها في البيئة الفلسطينية من جديد، فنتعرف إلى شخصية غنية وجد دائما شبيه لها، وما أغنى تاريخنا الممتد مقاومة ومعاناة.
في الرواية شخصيتان يهوديتان يرسمهما أبوسليم ببراعة، ومن خلالهما يقدّم الطرف الآخر الذي حوّل حياتنا إلى جحيم، والذي وراءه مؤسسة تبدو جامعية علمية في حين إنها تلعب دورا غير علمي…
أدهشتني الفصول المكتوبة عن حرب حزيران 67 ، بحرارتها ومرارتها وقسوتها، وأعادتني إلى تلك الأيام التي عشتها مع أهلي، وأثقلت على عقلي وروحي بأسئلتها المُرّة عن ضياع القدس..ومن قبل : كل فلسطين.
كلمتي متواضعة جدا، وهي إن نجحت في تحريضكم على قراءة كوانتوم فإن هذا سيسرني..وإلاّ فالمعذرة.
لم يهدف أحمد أبوسليم الإبهار بمعرفته العلمية، ولكنه أخذنا في روايته إلى ما تسعفنا في فهمه تلك القوانين.
وبعد:
لقد لاحظ علماء الفيزياء أن الفوتون يتواجد في مكانين في نفس الوقت..وحيث لا يُتوقع، هذا في الفيزياء: فماذا عن أولئك الذين لا يمكن هزيمتهم، خاصة وهم لا يموتون..لا ينتهون عندما يكاد بهم، ويعمل بضراوة على قتلهم وإنهائهم بعد حصرهم في مكان واحد، وخيار واحد هو الاستسلام؟
وبعد:
– ماذا تساوي القدس؟
يجيب شخوص كوانتوم:
_ كل شيء …
والكل شيء هذا لم ينجم عن لا شيء..فاللاشيء لا يعطي شيئا.
هناك من يعطون كل شيء من أجل هذا الشيء: القدس..وما تمثله وتعنيه.
شكرا لأحمد أبي سليم الذي قدم رواية هي شيء له قيمة.

رشاد أبوشاور

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق