ثقافة السرد

عبد الرحمن

صالح جبار خلفاوي

بقي يتطلع نحو النخلة الرابضة في بداية الزقاق .. وكأن شكلها الغريب يراه لاول مرة .. فقد كان جذعها يحمل ثلاث رؤوس متفرعة بصورة ملفتة للنظر .. بقي على هذه الحال فترة امتدت حتى الظهيرة .. الى ان سمع صوت امه تقول له :

‎ادخل فقد برد شايك .. واضافت : مالي اراك اليوم ساهما ..
‎لم يررد عليها واستمر بتحريك ملعقة الشاي بهدوء .. حرك راسه نحو الشمال واليمين ليحس بانه بافضل حال .. لكن في داخله كان هناك هاجسا يتمرى بلا توقف .. شعور غريب لم يعهده .. الطرقات على الباب اعادته الى وعيه .. يأتيه صوت امه من المطبخ :
‎- اخرج لترى من الطارق .. ؟
‎وكالعادة كانوا اصدقائه الذين يلعب معهم كرة القدم في زقاقهم الضيق .. ترك الباب مفتوحا ومضى معهم الى اللعب .. يقع حي البستان في الطريق الرابط بين محطة القطار والمزار المقدس حيث يؤمه الناس طوال أيام الأسبوع بلا توقف .. هناك نشأ عبد الرحمن وأخوته الثمانية .. كانوا عائلة كبيرة .. غادر أبوهم الحياة في رحلته الأبدية في وقت مبكر .. تركهم صغارا مع أمهم التي ما فتات تجاهد لإيصالهم إلى الدراسة الجامعية .. الحي عبارة عن بيوت تكاد تكون قديمة .. فقد بنيت ابان العهد الملكي والحكومات المتعاقبة لم تول لها اهتمام .. لذا صار حيا شعبيا بكثافة سكانية عالية .. شب عبدالرحمن مع اخوته وسط كم هائل من الضجر من السلطة وحزبها المتسلط على انفاس الناس ..
‎ كان ما يطلق عليهم ( الرفاق ) يجوبون الازقة المنهكة بجرد القاطنين بقوائم جاهزة كل اسبوع .. لمعرفة المناؤين لهم لاجل الزج بهم في السجون .. اذ كانت هناك عمليات مداهمة للبيوت ليلا يقوم بها منتسبي الحزب بالتعاون مع الاجهزة االامنية التي كانت تبطش بلا وازع ولا رحمة .. الى وصلت الامور الى حد لايطاق ..
‎بقي عبد الرحمن رغم صغر سنه يتابع الموقف من بعيد .. ويمارس الطقوس التي كانت تمارس في عاشوراء .. اذ كان الجميع يهب في نصب السرادقات وطبخ الطعام امام البيوت وتوزيعه على المارة .. الف مع مجموعة من اصدقائه .. حلقة تساهم في ارتياد المواكب وتقديم الخدمة لهم كانوا عصبة من فتية امنوا بربهم .. فبرزوا في الحي بعد ان تقربوا من احد رجال الدين ويدعى الشيخ جميل ..
‎كان هذا الشيخ مازال شابا لكنه كان من طلاب الحوزة .. واثناء العطل التي يرجع بها الى الحي .. يحاول ان يتقرب من الشباب لغرض حثهم على الصلاة والعبادة وامور اخرى تنفع المجتمع .. وبالفعل استطاع كسب عدد لابأس له من الصبية والشباب اليافع ..
‎صار عبد الرحمن يتأخر بالرجوع الى البيت .. وبدأ سلوكه يتغيير .. اذ لم يعد يلعب كرة القدم في الزقاق ..وعدم القفز على نخلات العم ابو سلام جارهم الملاصق لقطف التمر وهولم ينضج بعد ..
‎ قلقت عليه والدته رغم انها كانت مسرورة في داخلها .. اذ ترى فلذة كبدها يصبح رجلا مهيوبا وتحس بتلك الطيبة تنمو داخله مثل بذرة رعتها طويلا خصوصا بعد رحيل والدهم السريع والمفاجىء ..
‎فقد ترك رحيله فراغا كبيرا على الاسرة التي بقيت تعتاش على فتات التقاعد الذي لابسمن من جوع .. سرت في الحي شائعات واقاويل كثيرة ان هناك من يكتب على الجدران شعارات مناوئة للحزب مما استنفر الجهاز الحزبي وجعلهم يعيشون في دوامة من التحري والتفتيش عمن يفعل ذلك ..
‎اعترف لهم بان الشيخ جميل من زوده بها .. وهنا ثارت ثائرتهم فدعوا بالويل والثبور ومضوا الى الحسينية التي يلقي خطبه فيها فلم يجدوه .. لم يتوقف الامر على ذلك رغم ان افراد حزب السلطة دخلوا الانذار فكانوا يتجولون طوال الليل في الازقة والشوارع المحيطة بها وجعلوا من المدارس مقرات لهم لاجل المتابعة الا انهم فشلوا في الوصول الى مبتغاهم .. بل زادت وتيرة الكتابة على الحيطان وامتدت الى الاحياء القريبة ..
‎مما جعل السلطة تستنفر جميع اجهزتها لتثويض هذه الظاهرة .. ايضا الوضع العام كان ملبدا اذا في نهاية العقد السابع وبداية العقد الثامن من القرن المنصرم كان الوضع السياسي في المنطقة بركان يغلي اذ سقط الشاه بثورة شعبية وبرز رجال الدين كقوة ثورية تريد الاصلاح ..
‎في احدى الليالي عاد عبد الرحمن متاخرا .. ليجد امه ما زالت مستيقظة وقد اتعبها التفكير : – لم تتاخر ياولدي وانت تعرف ان الوضع مخيف .. جلس على الاريكة الخشبية تطلع في صورة والده المعلقة على الجدار المقابل في الغرفة المطلة على الشارع .. صرح بهدوء ”
‎ – كم اشتاق لرؤية ابي ..؟
‎ شعرت الام انه يتهرب من سؤالها .. لذا اعادت عليه السؤال بحرقة ..
‎ – لا تخافي يا امي ليس هناك ما يقلق .. – كيف لا اقلق واليوم اخذ رجال الامن صديقك حسن الى دائرة الامن ..
‎- يجب ان نضحي والا بقينا خانعين طوال الدهر ..
‎ بدت الامور تسوء بشكل متسارع .. وكثر اعتقال الشباب .. كل يوم يصحو سكان الحي على اعتقال احدهم او اكثر من ذلك .. فتداول الناس بينهم حينما يسمعون الاعتقال ” – خطية خوش رجال كان مؤدب واخلاقه عاليه ..
‎ في المساء انزل الحزب تعميما على اعضاءه .. بمنع الناس من ذكر هذه الجملة لانها تكشف مدى وضاعتهم .. وبالفعل انتشروا في الاسواق والمحلات وابلغوهم بعدم ترديد هذه الجملة والا تعرضوا للمحاسبة .. المحاسبة تعني استدعائهم الى مقر الحزب وكيل السباب لهم .. والتلويح بالتعرض على اعراضهم وامور اخرى يندى لها الجبين .. تطور تأخر عبد الرحمن عن البيت الى غياب يستمر عدة ايام .. مما شكل نقطة فارقة لدى عائلته التي احست ان ابنهم هو احد الشباب المقاوم .. رغم صغر سنه فقد كان طالبا في الدراسة المتوسطة ..
‎التي استمر في غيابه عنها للتفرغ لعمله الجهادي .. كان اخوته رغم خوفهم من بطش السلطة الا انهم في دواخلهم سعداء وفخورين باخيهم الذي يجسد امامهم البطولة في التصدي لسلطة غاشمة لاتعرف سوى البطش والقسوة في التعامل .. وحصل ماكانوا يخشونه ..
‎ فقد حضر احد جيرانهم من العاملين في احد الاجهزة الامنية وطلب من والدته احضاره .. تحركت داخلها حاسة الامومة شعرت بقلق رهيب ان الامر خطير وليس هناك من مناص من اعتقاله .. بين اضطرابها وخفقان قلبها الذي ازدادت دقاته اجابته وهي تلهث :
‎- ماذا تريد منه ؟
‎ – لا مجرد سؤال في دائرة الامن واعيده لكم ..
‎ – لكن الوقت متاخر .. – يا خالة عملنا يبدأ بالليل .. لا تخافي ..
‎ – لكنه لم يعد لحد الان .. حينما اغلقت الباب شعرت بان الدنيا تدور بها ورأسها يكاد ينفجر من ارتفاع الضغط .. انها تواجه مشكلة حقيقية .. كانت الامور تتسارع بالتدهور وراح الرفاق كما اصطلح عليهم بتشديد مراقبتهم لدور الناس ومتابعة كل شاردة وواردة حتى استشعر الناس الخلاف بينهم .. فكان اهل المحلة يبتعدون عن مقراتهم واماكن تجمعهم التي تحولت فيما بعد الى مراكز امنية وتحول الحزب من تنظيم عقائدي الى جماعة مسلحة تدافع عن بقائها في موقع السلطة المتنفذة ..
‎ في بداية الزقاق الذي يقع به بيت عبد الرحمن حيث النخلة ذات الثلاث رؤوس يواجهها مخبز الارغفة .. في مكان وضع بيتهم تحت الرصد الدائم ومراقبة كل حركة من الذهاب والإياب مرصودة .. اختفى عبد الرحمن من الحي وانقطعت اخباره فيما تم القاء القبض على جميع اصدقائه باستثناء سلام الذي اصطحبه عمه المقيم في المانيا .. معه الى هناك ..
‎الاجواء متوترة والحزن يغلف الوجوه .. وسط هذه الغمامة شاع خبر ظهور مجرم يدعى ابو طبر .. دخل الرعب في نفوس الناس المضطهدين من ممارسات افراد الحزب ورجال الامن الذين ازدادوا شراسة ..
‎تدور الاحاديث عن افعال المجرم التي اضيف اليها التهويل في نقل الحكاية .. تحول الوضع الى خرافة تتحكم بمصائر المجتمع المنكفي على جراحه ..
‎دائرة الامن عبارة عن بيت من طابقين يقع امام ساحة صغيرة وضع فيها خزان الماء الكبير حيث تتفرع الشوارع الاول يذهب نحو الكورنيش والاخر نحو مجمع المدارس وبعدها الاسواق التي تتمدد قرب المزار الطاهر .. فيما كان يبنى على شاطىء النهر من الجهة الممتدة بانحناء النهر نحو الجنوب دائرة امنية مخيفة سميت بالشعبة الخامسة ..
‎بقي مصير عبد الرحمن مجهولا .. الا انه يحضر في ساعات متأخرة الى بيتهم ليخرج بعدها قبل صلاة الفجر .. في فترات متباعدة .. فيما تبقى امه مع خضات القلق الذي اطاح بعافيتها ..
‎ اقترب شهر محرم .. وحسب العرف السائد عند الناس لابد من لبس الثياب السود واظهار الحزن مع نصب المواكب الحسينية ..
‎بالمقابل زادت اجراءات السلطة وازلامها بالتشدد من منع الشباب في زيارة المرقد الشريف ورصد كل من ذهب وكان من ضمنهم عبد الرحمن .. الذي اخذ ببجامة من نوع البازة لم تشفع توسلات والدته وبكاء اخوته فيما كان جارهم العنصر الامني يتعهد لهم باعادته خلال ساعات .. لكنه لم يعد الى اليوم ..
‎ تصاعدت صرخات الحرب وبدأت الطبول تدق بقوة .. ارتفعت الاسعار وشح الوقود .. صار الحصول على لتر من النفط للاستعمال المنزلي غاية لا تدرك ..
‎ تطلع الملازم عادل في سحنة عبد الرحمن .. ونطق بشفقة مستغربة ما زلت طفلا .. كم عمرك ايها الغبي ..؟ – خمسة عشر .. – لماذا تزج نفسك في هذه المحرقة .. حتما ان امك الان تضج بالبكاء حزنا على فراقك ..
‎ الغرفة الكابية تبدو اعدت للاستجواب الاولي .. حملق الملازم في السقف .. وهو ينفث دخان سيجارته الى الاعلى .. وتمتم بصوت خفيض : احترت بامر هؤلاء الصبية .. كان صوت ضميره مرتفعا في داخله وهو يرى الشباب يساقون الى المشانق واحواض التيزاب او المثرمة التي يلقى ببقاياه في نهر دجلة طعما للاسماك ..
‎ بعد يومين خرج عبد الرحمن من التوقيف .. لعدم ثبوت الادلة عليه .. لكن بعد يومين احتجز مرة اخرى .. وبدأت دوامة التعذيب .. كان يترك معلقا في سقف الغرفة مربوطا بالمروحة السقفية ليلة كاملة بشكل مقلوب .. حتى يشعر ان معدته قرب فمه.. بعدها يخضع للتحقيق مع اناس ملثمين لايتورعون عن اي فعلة شنيعة او شتيمة قذرة ..
‎كانت ظروف احتجازه سيئة لدرجة مقرفة .. فقد كانوا اكثر من اربعين نزيلا في غرفة ضيقة لاتتجاوز الثلاث امتار في اربعة مما يجعل نومهم على شكل وجبات .. وجبة تقف على قدميها والاخرى تتمدد لمدة ساعتين وبعدها تنهض ليحل محلها الذين ظلوا واقفين .. هكذا حتى الصباح ..
‎ الايام واليالي تستمر بدون توقف .. وجلسات تعذيب واستجواب .. هزل جسمه وبدأ جلده يطفح بحكة مستمرة وظهر البثور على جسده وصارت رائحته لا تطاق من التعفن .. تخلخلت اسنانه .. احس انه هرم قبل اوانه .. لكنه بقي صارما لا يخضع في التحقيقات ..
‎ تمسكه الغريب بمبادئه جعل من ا لسجانين يحترموه .. لقد احضر له احدهم قدج ماء بارد .. تعبيرا عن التعاطف معه .. لانه كان يرى سمو ما يجاهد من اجله ليس قريب المنال او سهلا .. وان قيادة التنظيم كانت عبارة عن ملائكة يسعون الى الجنة .. يرى الامر ببصيرة راسخة .. لاشيء يزعز ما أمن به .. استمرت رحلة التحقيق خمسا واربعون يوما بايامها وليلها المرعبة .. لكنها لم تفت من عزمه واصراره بالمضي الى النهاية ..
‎دقت طبول الحرب وبدأت الغارات الجوية تشاهد في سماء بغداد .. وتسمع اصوات الانفجارات وصفير صافرات الانذار ..بدت كان القيامة قامت .. اضطربت الاحوال ارتقعت الاسعار وشحت المواد الاساسية ..
‎ساءت احوال الناس وصار الهروب من الخدمة العسكرية ظاهرة منتشرة بالمقابل زادت اجراءات البطش وحفلات الاعدام للهاربين في المناطق حيث يدعى الناس للتجمهر لمشاهدة عمليات الاعدام التي تتم في اماكن وجودهم وسط التصفيق والهلاعل الذي تقوم به المنتميات الى الاتحاد العام للنساء ويطلق عليهن الرفيقات ..
‎استدعى ضابط التحقيق عبد الرحمن في صباح يوم شديدالقيظ .. حينما دخل فوجىء بالضابط يبتسم في وجهه .. وبادره “قائلا ;
‎- يول هاي انت صغير بالعمر .. بعدك ما بالغ سن الرشد ..

‎التفت الضابط نحو السجان الذي اقتاده من عنبر السجن وامره بنبرة قاطعة :اخذو للقلم .. وخلي يقدم طلب يكبرون عمره الى سن الرشد .. حتى نقدمو للمحاكمة .. يله بسرعة حتى نخلص من الخونة ..
‎كان الارباك في مشهد الدولة واضحا .. والامور كلها تصب في اتجاه فرد واحد اسىتلم مقاليد السلطة متفردا بها ..
‎بالمقابل كان التيار الاسلامي متشددا بطريق اكثر ضراوة في مقارعة النظام المستبد .. فكانت الخسائر جسيمة لدرجة لم يتوقعها المراقبون فكان في سبيل الاجهاض على حزب الدعوة وتنامي ظهوره واتساع شعبيته .. ان ينفذ النظام من هاوية السقوط الى الحرب مع ايران .. التي اهلكت الحرث والنسل ..
‎بعد ايام من لقاءه ضابط التحقيق .. تم ابلاغه بموافقة دائرة الجنسية بتكبير عمره الى السن القانوني اذي يسمح بمحاكمته ..
‎كان الموقفين يعلمون جيدا ان الاحكام التي تصدر من محكمة الثورة احكاما انتقامية ..لاتقل عن الاعدام وفي احسن الحالات المؤبد ..
‎احتفلوا معه على بلواغه سن الرشد كما اراد الجلادون بكوميديا سوداء ..بعد اقل من اسبوع فتح باب الزنزانة .. وبدا السجان بقراءة اسماء محددة قائلا
‎- باجر تحضرون نفسكم .. تروحون للمحكمة ..
‎كانوا عشرين معتقلا من وردت اسمائهم .. انهم يعرفون النتيجة قبل الوصول الى المحكمة .. لذا اوصوا للذين مازالوا رهن الاعتقال بتبرئتهم الذمة واذا نجا منهم احد فليبغ ذويهم انهم ساروا على الطريق الذي امنوا به ولم يرهبهم الطغيان ولا التعذيب الموجع ..
‎الرحلة من توقيفه الى تحديد يوم المحاكمة .. كان عبارة المكوث في الجحيم ..لم يكن يقدم لهم من طعام سوى وجبات هزيلة من شوربة العدس والتي لم تطهى بشكل جيد وقطعة من الصمون نصفها محترق .. اضافة الى الى الوساخة المتراكمة ورطوبة المواقف التي احتجز بها .. مما اثرت على صحته .. فكان يعاني من بداية تدرن والتهابات متعددة .. لكن مع ذلك لم يثني عزمه من المضي الى الامام وهو طالب المتوسطة .. الصبي المفعم بالحيوية وبالبطولة .. ولم يكن يابه لشيء ..

‎ازاء المضايقات تعرضت لها العائلة والمدهمات المستمرة لمنزل اهله .. اضطرت العائلة الى الخروج من المنزل حفاظا على ارواحهم .. تشتت بين بيوت الاقارب في البداية ريثما يحصلون على سكن مستقر ..
‎قبل ان ينفذوا خطتهم داهمتهم مفرزة من الامن واقىتادت الابن الكبير الى دائرة الامن .. كانت هذه المداهمة ضربة قاصمة لهم .. في اليوم التالي كان البيت فارغا من اهله ..
‎صار كل فرد منهم تحت نجمة .. لايعرف مصير اخيه .. انقطعت اخبار عبد الرحمن ..وصار هاجسهم البقاء احياء بعيدا عن ممارسة السلطة ..
‎ادى اختفاء الاسرة المباغت الى اضطراب لدى الرفاق ودائرة الامن واخذوا بتعقب اثارهم علهم يصلون الى نتيجة ..
‎ارسل عبد الرحمن الى المحكمة وهو في حال يرثى لها .. وكان حكم الاعدام مصير والمجموعة التي ترافقه من السجناء بتهمة الانتماء لحزب محظور ومعادي للحزب الحاكم ولثورته ..
‎بقيت العائلة مشتتة بين بيوت الاقارب .. الى ان اشتروا قطعة ارض مناصفة مع احد الاشخاص الذي تبين فيما بعد انه احد رجال الامن ..
‎اعلنت الحرب رسميا مع الجارة الشرقية .. في شهر ايلول عام 1980 .. مما زاد الامر سوء اكثر من ذي قبل ..
‎واخذت قوافل الجنود الاحتياط والالزامي تلتحق بمراكز التدريب لرفد جبهة القتال بعد تدريب بسيط يستغرق عدة اسابيع .. بعدها يرسلون الى المطحنة .. وبدات الجنائز تتراى .. ولافتات النعي ملئت الشوارع والازقة ..
‎استطاعت العائلة من بناء هيكل في القطعة .. وتجمعوا شيئا شيئا .. كان منظرهم بائسا .. ومكان سكناهم بعيد عن الخدمات والبيوت المجاورة ..
‎جارهم كان سكيرا .. حينما ياتي من عمله ينصب منضدة ويضع زجاجة الخمر وبعض السلاطات الى ان يبدي بالهذيان .. ويخرج عليهم مهاجما ..

‎حاول الصبية التصدي له .. الا ان والدتهم منتعتهم من ذلك خوفا من عواقب الامور .. حدث شرخا بين العائلتين وساءت العلاقة بينهما ..
‎لكن دائما لم تكن الامور تجري عكس الرغبة ففي احدى الصباحات الجميلة شاهدوا من بعيد شقيقهم الكبير يعبر بيوت المحلات البعيدة متجها نحوهم .. عمت الفرحة وارسلت امهم احد الابناء الى السوق لجلب الفاكهة واللحم لاعداد مادبة ..
‎كان سؤالهم الاول بعد سلامته هل شاهد عبد الرحمن .. دمعت عيناه .. قال نعم .. فقد كنت خارجا من غرفة التحقيق وادخلوه قبل ان تعصب عيوني .. الم تتكلم معه .. انه كيوم الحشر .. لااحد يتكلم مع الاخر كل غارق في همه .. وراح يتحدث لهم عن معناته في دائرة الامن وعن القسوة وعدم الشعور بالادمية هناك .. انه عالم خارج عن المالوف .. يتعاملون مع النزلاء كانهم حشرات متى ما ارادوا سحقوها باقدامهم ..
‎في المساء اذاع التلفزيون الرسمي بواجب التحاق مواليد ابنهم الذي يلي الكبير .. وهذا فقدان اخر ولو انه مؤقت .. لكنه كان مؤلما لهم نتيجة ما عانوه ..
‎بقيت والدتهم تصارع البقاء للحفاظ على البقية من ابناءها .. كان لابد من ضرورة ان يجدوا عملا يساعدهم على غلاء المعيشة .. فانخرطوا مع العمالة المصرية التي غزت البلاد بعد فراغ السوق من الايدي العاملة ..
‎كان العمال المصريين كاي يد عاملة تبحث عن لقمة عيشها .. باي وسيلة ممكنة .. لكن البعض منهم كان من ارباب السوابق ..
‎كانت حياتهم عبارة عن سوط يجلدهم .. الاختلاط مع المصريين مريح لانهم بسطاء واصحاب نكتة ..لكن الفرق بينهم وبيننا .. نحن نكره راس السلطة وهم يعشقوقه .. لانه صاحب فضل كبير عليهم ..
‎ومن باب الصدف ان البيت المجاور لبيتهم .. شغلته مجموعة من المصريين .. ومن باب حسن الجوار .. حصل السلام والكلام وكانت مع المجموعة المصرية امراة كبيرة .. تقربت كثيرا من الحاجة ام عبد الرحمن .. في الطبخ والتسوق وغيره من امور المنزل ..
‎لم تكن مجموعة العمال منسجمة .. طالما كانت تدب الخلافات بينهم .. يهرع قسم منهم الى بيت عبدالرحمن لغرض الحماية ..
‎بقي عبدالرحمن سرا لم يكشف الى الجيران .. لكن جارهم رجل الامن افشى بالسر .. وبذلك تمت متابعتهم من جديد .. الى جاءهم خال لهم يعمل ضابطا في الجيش يسالهم عن عبد الرحمن ..
‎كان هذا الامر في السنة الثانية من الحرب مع الجارة الشرقية .. وزيارته كانت مستغربة .. لانه قليل الاتصال بهم .. سالهم عن احاولهم وكيفية مسير الامور معهم ..بعد ذلك باغتهم بسؤال غريب ..
‎- متى خرج عبد الرحمن من السجن ..؟
‎نفت الوالدة الخبر جملة وتفصيلا .. واضافت .. كيف يعرف عنوان البيت ونحن في هذا الحي الذي لم يشيد بعد ..
‎زرع السؤال لهفة بين التصديق والتكذيب .. كان عندهم هاجسا مستمرا ان عبد الرحمن سيعود ثانية .. ويتلقفوه بلهفة مفرطة .. حينما غادر ضيقهم بقيت اسئلتهم نابتة على شفاههم بدون ان تجد مجالا في الافصاح عن مكنون ذاتهم الغارقة في الماساة المستمرة دون انقطاع ..
‎كانت علاقتهم مع جيرانهم المصريين بين مد وجزر .. لانها علاقة عمل ومصلحة مشتركة .. الى ان حدث المحذور في علاقتهما فقد قام احد العمال بتسجيل حديث لاحد اخوة عبد الرحمن وهو يتهجم على راس النظام ويشتمه ..
‎كانت حادثة مؤلمة تداعياتها كثيرة .. الى ان تدخل مسؤول العمال وسحب التسجيل .. واغلق الموضوع .. على قلق ..
‎بعد فترة لم تستمر طويلا .. قتل احد اخوتهم في الجبهة ..كان لوقعه و قعا ثقيلا .. خصوصا على الحاجة والدتهم .. كان الامر جلل اذ لم يعد احدهم يقاوم صدمات الحياة والقسوة المفرطة التي عاشوها بكل تفاصيلها المللة والحرجة والخطرة في احيانا كثيرة ..
‎بعد مجلس العزاء كان عليهم معرفة مصير اخوهم المفقود .. عبد الرحمن عسى ان يعوضهم عم فقدان المرحوم صباح ..
‎كان لهم معرفة برجل من معارفهم يعمل في جهاز المخابرات يدعى سعد رغم قصر قامته الا انه كان نشطا وسريع الحركة ..
‎وحين فاتحوه لمعرفة مصير شقيقهم ..وافق على الفور وبدون تردد .. موقف لم ينس .. اثبت انه نوع من الرجولة ..
‎بعد فترة نقل لهم خبر انه وجد اسمه ضمن الموقفين في دائرة الامن بعدها تم نقله الى الشعبة الخامسة سيئة الصيت .. حاول لعدة مرات لكن محاولاته فشلت بسبب التشدد في هذه الشعبة ..
‎لكنهم لم يياسوا من رحمة الله .. اثناء مراجعة احدى الدوائر الحكومية التي تعنى بالعقارات تعرف شقيقهم الذي يكبر عبد الرحمن بعدة اعوام توثقت علاقته بموظفة هذه الدائرة .. بعد ان توطدت العلاقة بينهما كشف سره لها ..واخبرته انها ستتحقق من اسمه وتجلب له قرار محكمة الثورة ان وجد ..
‎في الموعد المحدد جلبت عدة اوراق مستنسخة .. سالته في البداية عن اسم امه ..استفسر منها لماذا هذا السؤال : ردت عليه وهي تلهث من التعب .. للتاكد من الاوراق التي جلبتها تخصه ..
‎بعد ان اخبرها باسم امه .. اعطته ورقة بنية اللون مصورة لمقتبس الحكم .. اضهرت قائمة باسماء تسعة عشر معتقلا حكم عليهم بالاعدام .. كان تسلسل اسم عبد الرحمن الخامس .. طوى الورقة واجهش بالبكاء ..

خديجة بودغوم
صالح جبار خلفاوي
عند جهينة الخبر اليقين
ان الذين جاءوا بالإفك عٌصبة مِنكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خيُر لكم .. الآية الكريمة
صديقي
لا كل ما يسمع حقيقة ولا كل ما يسمع صدق وانت ادرى بالحال .. ايعقل ان يصدر مني مثل هذا الفعل وانت القريب . . لهذه الأفعال سِماتُها فهل لاحظت ولو اشارة منها على شخصيتي .. اعرف انك ستجيب بالنفي .. لأنك واثق من افعالي وسلوكي على مدى اعواما قضيناها سوية كأخوة ..ان ما يحصل معي يا اخي الكريم تسقيط اجتماعي لسبب اجهله ولا اعرف مصدره من اين لي ان اعرف ونحن في غابة تحكمها شريعة الغاب .. حيث ينطبق الوصف القرآني ( أيُحب أحدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا .. الآية الكريمة )انهم يفعلون ذلك بإصرار مقيت .. ولا حول ولا قوة الا بالله ..
يَعزُ عليٌ ان تصدم بسماع كلام كذِب عني .. تصورت انه سيزيد علاقتنا رسوخا لأني واثق من معرفتك بي جيدا ومطّلع على اخلاقي لتعارفنا سنوات طويلة لا يمكن ان تهملها ذاكرتك .. كما اني واثق منك وأعرفك جيدا نحن ابعد ما نكون عن مثل هذه الافعال المشينة وتنسب لي بدون وجه حق الا لحقد مكنون في صدور نموذج بشري فاشل وساقط لا افهم سبب حقدهم سوى كوني أنسانا ناجحا مسالما لا توجد عندي عقدة أو مشكلة مع احد مهما بلغ حجمه ولم اوذِ حتى الحشرات .. انت عارف ومطلٌع على ما اقصده ..
يقولون البينة على من ادعى واليمين على من انكر .. وانا هنا اقسم لك باغلظ الايمان ان ما سمعته تجذيف وكذب وزور وبهتان وافك افتري به علينا .. لغاية لا اعرف مصدرها وسببها ..
القرآن يصرح بواضح القول : (اذا جاءكم فاسق بنبأ .. الآية الكريمة ) أدافع عن نفسي من هذا البهتان الجلل أمام الله ورسوله والأئمة الاطهار ومولانا وقائدنا صاحب العصر والزمان .. وغدا انا خصيم كل من ذكرني بخصلة السوء هذه .. انا اكبر من ان يشار له بمثل ذلك .. ولأني ضعيف لا استطيع رد التهمة لأنها جزء من نفاق مجتمعي وعدم مواجهتي من احد بها لا فشائها بلا دليل سوى الحقد الأعمى وشعورهم بالدونية أمامي ..
سلوك الكراهية يتصرفه القطيع مثل عدم رد السلام او اشاحة الوجه وغيرها .. من الأمور المضحكة المقززة .يشق على نفسي هذا التعامل لأني واثق من نفسي واخلاقي وتصرفاتي .. عندي سؤال : كيف لأصدقائي المقربين تصديق ما يقال .. ويتصرفون معي بذات النهج ..
يحزنني ان تشيح وجهك عني .. بالمقابل لا اهتم لهذا التصرف لأنك بنيت موقفك على ما سمعت واشيع وسط مجتمع مريض بالوسواس والنفاق .. السؤال هل رأيتني على منكراً طوال تعارفنا .. ولو تلميحا .. أما ان تبني موقفك على السمع هذا شأنك اكرر انا بريء .. بريء .. بريء قسماً بكل مقدس مما قيل واشيع وما كتب على الفيس ولا اجد سوى ان اقول : حسبي الله ونعم الوكيل على من اساء الٌيٌ ولوثَ سُمعتي دون وجه حق وشيَع هذه الاباطيل عني ..
اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس الى من تكلني الى عدو ملكته امري ام الى غريب يتجهمني ان لم يكن لك علي من غضب فلا ابالي غير ان عافيتك اوسع لي .
ختاما لا اجد من قول سوى شكرا صديقي لموقفك معي في محنتي .. شكرا لعدم ثقتك بي رغم هذه السنوات الطويلة .. ولمن مارس ضدي هذا التسقيط اقول له :
غدا انت خصمي امام جبار الجبابرة في عرصات القيامة على رؤوس الاشهاد وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين ..الحمد لله رب العالمين على كل حال ولا يحمد على مكروه سواه ..
كانت هذه المقدمة لصديقين افترقا بعد ان كانا يجسدان علاقة انسانية جميلة .. الامسيات القادمة ستفتقر لمجالس السمر .. وتمتنع زوجاتهم من عمل الشاي الساخن بنكهة الهيل .. والاولاد يبتعدون عن بعضهم البعض .. امراض المجتمع تزحف عليهم ..
يختلون كل مع اسرته وفي داخله غصة عن انزواء فرض عليهم من مجتمع يقسو بلا هوادة .. ابو علي لم يفكر بالذهاب الى مطعمه .. هذا الصباح لآنه يشعر بخدر في قفصه الصدري بينما ظلت ام علي راقدة في فراشها تستغفر الله على حال الدنيا المقلوب ..
عند نهاية الزقاق استدار قاسم المنكوب نحو بيت صديق عمره ابو علي .. مسد شعره الطويل قبل ان يتوجه نحو سيارة الاجرة التي اقتربت ليذهب الى عمله في جريدة المجتمع ..
هذا حال الدنيا .. ان تنجح يجب ان تدفع ثمنا غاليا من سمعتك او عافيتك .. او تنزوي في ركن قصي تجتر ايامك بدون ان يسأل عنك أحد .. لا يقبل أقل من الخسائر الباهظة لأفراده ..
يروى ان هذه البلاد حكمها في فترة من فتراتها ولي من اولياء الصالحين .. كان شديد الحرص على ان يكون عادلا ومحبا للخير .. يعامل الرعية كأنهم اسرته .. يطوف في الليالي الباردة على اليتامى يتفقد الارامل والامهات الثكالى .. اراد ان يبني مجتمعا انسانيا لا يمكن تسقيط الفرد لمجرد خلاف بسيط او لعقدة متكورة في احشاء مريض لا يعرف كيف يتخلص منها سوى رمي الاخرين بعاهته المستديمة ..
بقي الولي الصالح يحكمهم عدة سنوات .. عانى فيها الامرين .. الى ان صرح في احدى خطبه قائلا بصراحة مؤلمة : ملئتم قلبي قيحا .. كانوا يتفننون في الخروج على طاعته .. ومعاصيهم متفاقمة .. لم يستطع ارضائهم رغم حرصه على ذلك ..

قضى نهاره الطويل في الجريدة لمتابعة الاخبار وانجاز عدد الغد بدون اخطاء تذكر .. لكنه بقي يشعر بغصة موجعة .. ما هذا الذي يحدث .. رباه رحمتك .. نحن اناس لا نستحي منك .. لقد ادمنت السرقة .. وها انا اسرق اخبار الجريدة من موقع معادي ..
البارحة تسلمنا كتاب من الامن الوطني يشير فيه الى ان اسرائيل دولة معادية ولا يمكن التعامل معها .. رئيس التحرير حينما كان يقرأ الكتاب بصوت عال .. كانت قناة إسرائيل 24 تبث الخبر باللغة العربية .. اثار الامر دهشتنا بعدها غرقنا بضحكة مجلجلة ..
يأسف ابو علي بعد ان نهض قبيل صلاة الظهر .. من النوم الذي غلبه .. الشمس تصل الى الحائط في الغرفة المواجهة لها .. الجدار متآكل من الرطوبة .. الى الاعلى ثمة صور بالأبيض والأسود علقت باطار خشبي يعلوه الغبار ..
تعلمنا مذُ كنا صغارا ان يذبح من يريدون ذبحه بلا رحمة .. بعد ذلك يندمون ويكثر الصراخ عليه واذا كان ذا شأن يقيمون له مقاماٍ كبيرا يصبح بعد فترة مزارا يزار وتذبح له الذبائح وتنذر له النذور ويقصده الداني والبعيد طلبا لتحقيق المراد .. اكتوت مدننا بمثل هذه الذبائح على مدار قرون مرت ..
تستمر المعيشة المنغصة في آتون العذابات المتتالية .. لم تستمر الجريدة بالإصدار لانتهاء الغاية التي أصدرت من أجلها ..كانت الانتخابات افضل وسيلة عمل لعشرات العاطلين عن العمل .. اذ انتعشت أسواق الطباعة واللافتات وصور المرشحين الأنيقة كانت مثالا لسحر الأنفاق الباذخ دون وجع القلب .. وأبو علي يرجع الى البيت ببقايا المطعم الى أطفاله الأربعة وأمهم .. حياة مملة لا طائل من ورائها وتزداد قسوة من انعكاسات البشر فيها ..
محرك الحياة يمضي بصخب هادر لا يتوقف.. تحفظ له روابط شبكات التواصل الاجتماعي علاقات غامضة لأشخاص وأناس يذوبون وسط هذا الكم الهائل الاختلاط .. بلا وجوه معروفة سوى صور باهتة لظلال درست ام بقت في عذق نخلة تركت وسط رمال تمبكتو المهدمة بمعاول حركات التشدد الإسلامي .. وأمراء الحرب .. من يوقظ خديجة من رقادها الأبدي .. تلك الإنسانة الرائعة التي لن تتكرر في حياته إنسانة مثلها ..حتما أنها دفنت في قبر درس .. إزاء صحراء شاسعة لهيبها يحرق الآمال والأحلام بدون رفة عين .. أنها هناك تحت رمال الجنوب الجزائري بسكرة العنيدة ..
استطاعت ان تنجز له من خلال احدى طالباتها رسالة ماستر عن منجزه الأدبي الأخير ..ووعدته على السنة القادمة ستكون هناك رسالة دكتوراه عن مجمل منجزه وما بين وعديهما وعد لم يحسب حسابه ..
استلم رسالة من يسمين هي التي كتبت عنه رسالة الماستر .. البقاء لله رحلت فجر اليوم روح خديجة بودغوم إلى بارئها إنا لله وانا اليه راجعون ..
أسدلت الرسالة على روح الدكتورة الصغيرة التي باحت له بكل مكنوناتها كأبنة بارة بابيها عن رغبتها في تكوين أسرة .. والعيش بكنف زوج محب .. لم ترحمها الأقدار ولا قسوة عالم قصير وحياة مضنية تختصر كل الأمنيات .. لتبقى بسكرة محاطة بالرمال تغطي الأحلام بصور معتمة ..

لماذا …يا كاشف الغطاء ؟

جلس أمامي .. محاولة منه استدرار عطفي .. لم تكن حالة إنسانية حتى ارضخ لتوسله الأبله.. صحيح انه خلط بين ظروفه العائلية وما يمر به من إشكالات .. لكن الموضوع بعيد جدا عما يهذي به ..

خرج منكسرا الإحباط يغلف جسده الطويل وانحناءة ركبته اليمنى التي شكا من اعتلالها بسوفان يحاول معالجته في تركيا مع بناته المقيمات هناك ..

المشكلة أني للتو أنهيت تحقيقا لما يقارب مئة معاملة تسليف اشترك بتزويرها مع مدير فرع المصرف الواقع منتصف الطريق الى مزار كريم ..هذا الذي أبدل كنيته ليصبح من السادة الأشراف بدلا من لقبه القديم الذي يرجع الى المناطق الغربية ..

دائما الأمور تسير نحو الاسوء طالما الإدارات يديرها مرتشون سراق المال العام وشذاذ الأفاق الذين يّكونون بالمحصلة عصابة تفرض أخلاقياتها وسلوكها المنحرف مع الموظفات اللواتي يرضخن للانحطاط .. ليمسكن بعض مفاصل إدارة الأقسام بمزاج يعتريه الرغبة المكبوتة ..

بعدما دخلت الغرفة الكابية بداية يوم جديد تبعني وكان يمسك بيده فايل بعد الاستئذان طلب الجلوس ..

لوح بورقة أخرجها من الفايل قائلا :

هنا يوجود أسماء الموظفين الذين تلقوا رشاوى من شركتي وبشكل منتظم .. ثم أخفى الورقة .. طلبت منه أن يعطيني إياها ..رفض واخرج من جيب قميصه هويته قائلا :

اقرأ من إنا ..

سيدي أرحب بك كائن من تكون .. أشارت معلوماتها ( اللواء …. كاشف الغطاء ) ينتمي الى قوات الحشد الشعبي ( فرقة مسلم بن عقيل )..

وهكذا أخذت المسالة بعدا جديدا .. لا يمكن تصور عواقبه .. انقطع عن مراجعتي لكن من يتردد بدلا عنه( سعد .. ) مدير الفرع أبان ترويج المعاملات المزورة .. !

يقسم بأغلظ الأيمان انه لم يستفد شيئا وانه يراجع لعلاقة تربطه بالسيد كاشف الغطاء .. لحد ألان العمل يسير وفق معادلة التوازن ..

مع إصراري عدم التعامل مع شركته في هذا الأثناء قدم لنا شريكه إنذارا موجها له يتهمه بالتزوير وسرقة حصته والتلاعب بحسابات الشركة .. صار الموضوع أكثر تشددا لدخول طرف ثالث .. لكنه زاد إلحاحا بعد ان فتح له المدير العام ومعاونه أبوابهما له .. خصوصا وان المعاملات التي أوقفتها تتراوح مبالغها ثلاثة مليارات .. ولما يتمتعا به من خسة ودناءة كانا يستقبلاه في مكتبيهما برحابة ويشيران اليه بان مدير القسم القانوني صعب ولا يمكن الركون اليه ..

0وهكذا وجد مخلبين مؤثرين لأجل الرضوخ لمطلبه ..لكن رغم محاولات معاون المدير العام (صباح .. ) وهو المعروف بدناءة نفسه لكل شبهة وفساد ..فيما بقي ( محمد..) المدير العام ينتظر اللحظة السانحة لنيل حصته بتحريك المعاون بضرورة حل المشكلة بالطرق الملتوية ..

اشتد المرض لم اعد اطيق البقاء في العمل ..عند الساعة العاشرة من الأسبوع الثالث من مراجعة كاشف الغطاء .. دخل الى المكتب شاب متوسط الطول اسمر البشرة .. حركاته المفتعلة أظهرت انه غير واثق من نفسه .. مأزوم لا يمكن التفاهم معه .. والمهمة التي جاء من اجلها لا تحل بأسلوب الشوارع ..

أقدم لك نفسي الملازم الأول محمد ضابط امن فرقة مسلم بن عقيل ..

فهمت أن الأمر اخذ بالتوسع الجو السائد في البلد كله مع الحشد الشعبي وهذه رسالة ضغط صريحة .. إن للحشد ارتباطات بعمق الدولة وغيرها .. فكرت كثيرا في ترك المنصب حجتي في ذلك سوء حالتي الصحية .. فعلا طلبت من معاون المدير العام ذلك قدمت إجازة لمدة عشرة أيام فقد كان الجميع يعاملني بكراهية واضحة من حرس الباب إلى غرفتي ..

يقولون كل النهايات موت وأقسى من الموت غدر .. هذا مارشح من نهار أجوف إذ جاءني سعد قائلا : اللواء كاشف الغطاء يقول انك كنت تستلم مبالغ من الشركة لكن بطريق غير مباشر ..

كيف ذلك ؟

(محمود منصور ) وهو عضو اللجنة التحقيقية التي كنت ارأسها يتصل بممثلي الشركة ويقبض منهم باسمي .. كانت صدمة من شخص كنت دائم النصح .. انه الحرامي الصامت .. بعيد عن الشبهة لكنه خطر ..

بعد هذه الزوبعة .. قبل أذان الظهر اتصل بي مكتب المفتش العام ليخبرني ان اللواء كاشف الغطاء تقدم بشكوى ضدي ..

<span lang=”AR-IQ” st

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق