ثقافة المقال

حديثُ النَّاصية

بقلم د.فراس ميهوب

لا أَعرفُ كيف تَمَّ اِخْتراعُ الكِتابةِ، وَلكنِّي أَظنُّ أنَّ أَوَّلَ من كَتبَ، فَعَلَ ذَلكَ لِيشكو ظُلماً وَقع عَليه، فَأَرسَلَ الرَّقيمَ إلى القَاضِي، أَو عَجِزَ عن نَقلِه لِثقْلِ ما فيه، فَجعلَه مِخدَّةً يَضعُ رَأسَه عليها لينامَ مُرتاحَ الضَّميرِ.
أمَّا أنا فأردْتُ أَنْ أَعملَ فلَّاحاً في وَطنَيَ العَربي، فَرأيْتُ الصَّحراءَ تَشربُ مَاء المَطرِ الَّذي جَادَتْ بِه السَّماءُ، فَيَبِسَ الشَّجرُ الَّذي زَرعْتُه، وما تَبقَّى من أَرضِي صُودِرَ لِبناءِ مُنْشأةٍ سِياحيِّةٍ.
تَركْتُ الأَرضَ، وَذهبْتُ إلى الجَامعةِ لأَدرسَ الطِّبَّ ، تَخرَّجْتُ، لكنِّي وجدْتُه صَارَ مَيداناً للسَّمْسرةِ و التَّشاطرِ، أَكثرَ من سِوقِ العَقاراتِ.
عُدْت إلى كنزي الوَحيدِ، وَرثْتُه عن جَدِّي وأَبي، مُدَّخَراً ليوم العَوَزِ الأَكبرِ، فَأبصرْتُ قِرْطاساً، ويَراعاً، وحِبراً بَنفْسَجيَّ اللون كخيارٍ وحيدٍ، قرَّرْتُ تَعاطي هَذا الخَليطِ الرَثِّ، كي أظلَّ على قَيدِ الحَقيقةِ والعَقلِ أَطولَ فَتْرةٍ مُمْكنةٍ.
تَأمَّلْتُ قِصصَ الحَياةِ الَّتي نَعيشُ، فَفهمْتُ أنَّ أغلبَ أَحداثِها لا تَسِيلُ بشكلٍ منطقيٍّ أَبداً.
لاحظْتُ أنَّ العُشَّاقَ; يُغيِّرون أَديانَهم وَمَذاهبَهم من أَجل الحُبِّ، ولمْ أصادفْ كَثيراً من رِجالِ الدِّين مُستعدِّين لِتَغْيِيرِ أَنْفُسِهم من أجل مُعتقَدِهم، يَرتدُون لِباسَ الهَيئةِ، ظَانِّين أنَّ ذَلك كُلَّ شَيءٍ ليكونوا على حَقٍّ.
أدمْتُ النَّظر إلى من ترك حبيبه في مُنتصفِ الطَّريق، وطَفلٍ ينامُ مُتوَسِّداً ذراعيه على رَصيفِ الإمْلاقِ، وأمٍّ شابةٍّ تَرحلُ قبل الخريفِ، ورَجلٍ صادقٍ يُلامُ.
رَغبْتُ بإصلاحِ النُّصوصِ، ولو بِحبرِ الأماني على كَواغِدِ الوجدانِ، لأمنحَ المَحرومَ وسادة الأملِ، وأُشجِّعَ صادقَ القُول والفِعل، فلا يَنحرُه اليأسُ.
أمَّا الأعَمارُ والأقَدارُ، فليس لها إلَّا ربٌّ رحيمٌ، وصبرٌّ مُعينٌ.
اعتلى الفاسدون المَنابرَ، وتَركُوا للأَشرافِ حُريَّة الاختيارِ ما بين الذُلِّ والمَقابرِ،
فلا بأسَ أن تُقْلِقَ الكَلماتُ المُؤنَّفةُ رُؤوسَهم الصَّلِفَةُ.

لو اِستطعَنا في وَطنِنا العَربيِّ أن نَبني واقعاً أفضلَ، لنضبَتْ مَنابعُ الإلهامِ تقريباً، وافتقرَ المُبدِعُون إلى الخَيالِ، وأُجهِضَتْ مقالاتٌ ورواياتٌ قَبْلَ الوِلادةِ; ولما تَعرَّضَتْ للمَنعِ والإيقافِ فيما بَعْدُ.
السَّجينُ هو من يَحلم بالحُريَّة، أمَّا الغنيُّ فلا يحلمُ بالخبز، ولا الفَقيرُ بالفَاقةِ.
إنَّه الفَنُّ، يَرتبطُ بِالمُعاناةِ بِحبلٍّ عَلنيٍّ ، و بِيئتُنا العَربيَّة قَاسيةٌ، مُحرِّضَةٌ على الإبداعِ، ومَحَلٌّ مُؤاتٍ لِلشِعْرِ والأَدبِ.
شيءٌ من القَهر والرَّفض; ضروريٌّ ليخرجَ مِدادَ القَلمِ؟! ولكن إنْ فَاضَ عن الحَدِّ خَنق، فقد يموت المُبدْعُ من الشَّجنِ، وإلَّا كيف مَاتَ أمل دنقل في عزِّ الشَّباب، و اِستعجلَ خليل حاوي الرَّحيل.
وَيجب ألَّا يَنْهَمِكَ المُبْدِعُ دائماً بِيوميَّاتِ الحَياةِ; حتَّى الغَرَق في قَعرِها المُظْلِمِ، وإلَّا لمَاتَتْ كلُّ القَصائد في قَلبِ شَاعرٍ مُوهوبٍ، وهو يَنتظرُ في طَابورِ الفُرْنِ.
لَكنَّ الحُريَّة تبقى شَرطاً لازماً; كي لا تُسْقِطَ الرَقابةُ الذاتيَّةُ; كٌلَّ أجنَّةِ الحِكاياتِ البَهيَّةِ ، من مُخيِّلةِ كَاتبِها، وهو ينظر إلى سَوطِ نَمرودٍ.
تُثقِلُ القَضايا حَاضرَنا ومُستقبلَنا، من خَنجرِ الاستعمارِ الدائمِ في فلسطين القَلب، إلى الجَهلِ والتَّعصُّبِ، وَالحُروبِ، وَالفِتنِ الدِّينيَّةِ وَالطَّائفيَّةِ…
كلُّ هذا كَافٍ لإيقاد شُعلةِ الابتكارِ، لكنَّه اِنفَجرَ، وحَرقَ، فَأَصبحَتْ صَفحاتُ أيَّامِنا مَليئةً بِالخِزي من كُلِّ صَنفٍ.
صِرنا مَسكونين بِالموتِ، والتَّدوينِ عن الفَوتِ، وَدَنونا من فَقْدِ ثَقافةِ الحَياةِ والأملِ بِغدٍ مُشرِقٍ.
لا عَذرُ لي في سُقْمِ القَريحةِ، فَحَسْبِي أن أوجِّهَ مَرآةَ قَلبي إلى يتيمٍ، أو وَالِدَي شَهيدٍ، أو صَبيَّةٍ فَقدَتْ أَخِاً أو حَبيباً، أو طِفلٍ مُشرَّدٍ، لأعلمَ أنَّ الكتابةَ مهمةٌ سَهلةٌ نسبيَّاً.
نَزحْتُ بَعيداً عن ذَاتي المُدْنَفَةِ، لأغْزِلَ قِصَّصِي، وَكي لا أدورَ في الفَلَكِ الضَيِّق لمَعاناتِي الشَخصيَّةِ، مهما كَانَتْ حِدَّتُها وصِدْقُها، وانْصَهرْتُ رُوحي بِالأَبطالِ الحَقيقيِّين; المَاثلين في الوَاقعِ الأَليمِ ، فَمسيرةُ حَياتِهم هي الحَدَثُ الأَجَلُّ.
أمَّا الحَبْكَةُ فهي جَاهزةٌ تقريباً، يَلزَمُها بَعْضُ الصَّنْعَةِ، وَالعَناوين تفرضُها الصَيرورةُ ، والغَايةُ أَخيراً، هي الحُضورُ في العُقولِ، واِستفزازُ المُهَج.
نحن في مَسْرَح العَبثِ الأكْبَرِ، تَعمُّ فيه الفُوضى واللَّامَعقولِ، لا يَصلحُ أَبطالُه أَنْ يَكونوا كومبارساً في زَمنٍ آخر عادلٍ.
وَاجِبُ الأَديبِ، حَسَبَ رَأيِيَّ المُتواضِع، أَنْ يُعيدَ تَوزيعَ الأَدوارِ، فَيسنُدَ الأسَاسيَّ منها إلى المَقهورِ والمُعذَّبِ والحَزينِ، أمَّا سَارقُ النَّفطِ والغَازِ، أو الفَاسدُ فلا يُخرِجُه من القِصِّةِ ، ولا يَتحامَلُ عليه، ولكنَّه يُعطِيه دُورَه الَّذي يَستحِقُّ، أَيْ سَارقَ نفطٍ وغازٍ، وليسَ زعيماً، أو بَطلاً هُمَامَاً، لأنَّنا صِرنا في عَصرٍ، الزَّيفُ هو المُوضوعُ، والمُزَيَّفُون يَتَنَطَّعُون لِلْصَدَارِة.
كُلُّ ما في الأَمْرِ، أَنْ يَتمَكَّنَ المُبْدِعُ من أَدواتِه كُلِّها بِاستقلاليَّةٍ كَاملةٍ، كَمَنْ يَقومُ بِتأليفِ وَإخراجِ مَسرحيَّةٍ، و يُنتجُها أيضاً بِنفْسِه، فَلا يَتأثَّرُ بِاتِّصَالِ فُلانٍ لَوضْعِ جَميلةٍ لا تَعرفُ ألف باء التَّمثيلِ، وَعديمةِ المُوهبةِ ، مَكانَ فَنَّانةٍ مُوهوبةٍ ولكنَّها شَاحبةُ الوَجهِ قَليلاً، وَتَصلُحُ تِلقائيَّاً لِدورِ البَطلةِ في قِصِّة حُبٍّ، لأنَّ طَلعتَها مازالَتْ خَاليَةً من عَمليَّاتِ التَّجميلِ، فَيُصبِحُ الإقناعُ سهلاً، وَعَفويَّاً.
أَليسَ مُذْهِلاً، أَنْ نَرفُضَ قَطْعِيَّاً في بُيوتِنا، وَضْعَ البَرَّادِ في غُرفةِ النُّومِ، وَنَرْضَى مع ذلك أَنْ نَضْعَ شِبْهَ جَاهِلٍ وَزيراً لِلتَعليمِ، أَو لِصَّاً وَزيراً للمَاليِّةِ…
ليسَ الأدبُ مَسؤولاً وَحيداً عن إصْلاحِ المُجْتَمَعِ العَربيِّ ، وَلكنَّ الأَديبَ بِمقدورِه أَنْ يُزعجَ بِصرختِه الفَاسِدِين، وَيَنْشُرَ الرَّغبةَ بِمُسْتَقْبَلٍ وَاعدٍ، وَيَمنحَ الفُقراءَ، الشُّرفاءَ، والصَّادقِين، ولو ذَرَّةَ أَمَلٍ.
أَجِدُ طَبيعيَّا تَوظيفَ الفِكْرِ، في خِدمةِ الحَقِّ، وَمَصالحِ الشَّعْبِ، لا أنْ تَكونَ الثَّقافةُ جِسراً لِلعبورِ الشَّخصيِّ ، أَوْ أَسوأَ من ذلك حِمَاراً للإيجارِ، فَالسُّوقُ مُزدحَمٌ، لِلأسفِ، بِحميرِ الإيجارِ، الجَاهزةِ لإيصالِ أيٍّ كَانَ، إلى أيِّ مَكانٍ، مُقابِلَ بَعْضِ الدَّراهمِ البَخْسِةِ.

27/02/2018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق