الموقع

سفينة الأمل الميؤوس منه..

جمال الهنداوي

عالقة في الذهن ادوار الفنان العربي الكبير”زهير النوباني”..وقد يكون أشدها التصاقا في الذاكرة أداءه اللافت في شخصية الكاذب مدعي البطولة الزائفة” بطيحان” وهو يطيل التخير لسلاحه متحيرا ما بين السيف والبندقية رغم أن الأعداء كانوا داخل مضارب العشيرة.. منتظرا أن تنتهي الأمور سريعا قبل أن يضطر إلى اتخاذ ما قد يفضح جبنه وخسته وتخاذله.. فمن غير الممكن عدم استرجاع هذه المشاهد ونحن نرقب الزحف السلحفاتي المتثاقل المتقطع بالأعطال الفنية “المفاجئة” لسفينة الأمل وطول إصرار منظميها المدعوم بالإيمان الغلاظ بان وجهتهم هي غزة رغم إن العالم بآسره يعرف أنها لن تعدو العريش مستقرا لها..

فبقدرة اقل من بطيحان على الإقناع.. انفض سيرك سفينة الأمل بما كان متوقعا-أو مخططا- له من البداية..واقتصرت مهمته على رحلة ترويحية هادئة ساكنة في البحر الأبيض المتوسط بواسطة سفينة” متهرئة وتعبانة وقد تكون هذه هي آخر رحلاتها وإذا بيعت في السوق قد لا تحصل على أكثر من 150 ألف دولار مقابلا لها” كما قدر قيمتها بخبرة التاجر الشاطر السيد سيف الإسلام القذافي، مضيفاً” وفيها عشرة من الفتية الصغار وشباب متطوعون”مما قد يضيف بضعة دولارات أخرى على القيمة المقدرة.. مما قد تعد صفقة جيدة مقابل المانشيتات العريضة التي ستبرز بطولات القائد الأممي في أعالي البحار..

أساطير سطرت وأحلام روج لها عن فرق وارتجاف إسرائيلي ورعب تخطى قدرات الدولة العبرية لتشمل العالم الغربي كله من طلائع العقيد الزاحفة..وكلام كثير عن وساطات وتوسل وشروط واسترضاء وتذلل وركوع من قبل الإسرائيليين الذين أتوا طائعين يحملون العنب في يد والجزية في يد أخرى يقدمونها عن يدٍ وهم صاغرين قربانا لإقناع عميد الحكام العرب بان العريش اقرب إلى القدس من غزة.

ولكن المؤسف في الأمر أن كل هذا الزعيق الضاج والهاتف لم ينجح في استراق بعض الوهج الاردوغاني الذي سفح فيه من الدم الكثير..وخصوصا أن الغرب اعتبره من الدم الذي لا يجوز له أن يراق..وليس عشرة”صغار” يرسلون للذبح فداءً للقائد الأممي ولا نوائح تندبهم.. فالقذافي، وان كان يتوجب علينا الاعتراف بتحصله على مواهب واضحة كمنتج جيد وسخي..ولكنه مخرج سئ  وقارئ أسوأ للاحتمالات التي يمكن إن تتمخض عنها مثل هذه الترتيبات الأقرب إلى الفواصل الترفيهية نسبة إلى الواقع السياسي المعقد الذي تعيشه المنطقة.. ..وان كل ما أفرزته هذه العملية المشبوهة هو إظهار إسرائيل بمظهر الحريص على تخفيف الحصار وأنهم”الناطور”الشرعي على كروم فلسطين الذي يهلل سيف الإسلام على نجاحه باستلال بعض العنب منها..

ولكن كل هذا لا يهم..فالعملية برمتها لم تكن إلا فقرة روتينية لقتل الضجر الذي يعتري ملك الملوك في فترات راحته الإجبارية ما بين لقب ولقب..وهي وسيلة مبررة لدفع الفواتير المتأخرة لبعض الإعلاميين الذين لا يملون من ممارسة دور المرآة السحرية مرددين عبارات المديح الزائف للشرير الذي يقبع على كرسي الحكم..ولكن المرآة قد أسرفت في خداعك هذه المرة سيدي القائد..فما حاجة غزة إلى سفينة متهرئة وبعض الصبية..وكيف ستكسر أكياس الدقيق المكدسة في العريش حصار الشعب الذي أسفت ممارسات أمثالك بقضيته.. وألم تكن العريش اقرب إلى ليبيا من اليونان..ولم كل هذه الإطالة في الطريق..هذا إذا استثنينا الظن المسبق الأقرب للسوء والإثم حول جدوى إرسال مثل هذه السفينة أصلا..

بعد حادثة سفينة الحرية والتهور الإسرائيلي المجرم في مواجهتها.. قام بعض الغاضبين بنحت نموذج مجسم  للسفينة المنكوبة.. والطواف به زاعقين متقافزين في شوارع إحدى مدننا العتيدة..وان كنا نستطيع أن نعد مثل هذا الفعل كمثال نموذجي على القدرة العربية اللافتة على إحالة أي شيء.. وبالمعنى العريض لعبارة أي شيء..إلى محض تهريج..ولكننا ..وبمنتهى الثقة..يمكننا اعتبار مثل هذه الممارسات أكثر نفعا وتبريرا ومنطقية من الرحلة الهشة المتحلة لسفينة الأمل..ذلك الأمل الذي نرجو أن لا يطول انتظار الشعب الليبي الشجاع والشهم والكريم إلى بشائره.. والذي نتمنى أن تكحل أنواره أرضهم الطيبة والمعطاء..وان تشرق على عيونهم شمس الحرية المنتظرة..والذي من المؤكد إنها لن تبزغ من العريش..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق