ثقافة المقال

خواطر عن ثورة الشّباب

يوسف الباز بلغيث*
ما أجملَ ما يدورُ بشوارع أوطاننِا و مشاعرِ شبابِنا في خضمِّ هاته الأيام العصيبة.. ! و ما أتعسَها من مشاهدَ تلوحُ بأفقٍ كئيبٍ أمامَ عينَيّ الأبيِّ الباكي، الـمتأسّفِ على إنجازاتِ وطنِه؛ متحسّرًا على انهيارحضارته!

إنّ المتابعَ لسلسلةِ الثــّوراتِ هنا وهناك لَيتساءلُ عنْ الذي يجري في الميدان، ويقف بينَ موقفين متناقضيْن؛ أحدهما مُرٌّ سلسٌ وثانيهما حُلْوٌ عَسِرٌ. وكانَ ما يطفو إلى سطح الأحاسيس – في أثناء هذين التّناقضين – أنْ لابدَّ مِن طرْح السُّؤال التـّالي :” هل التّغييرُ يعني مَسْحَ كلِّ ما أُنـْجِزَ؟ أم إنّه تعديلٌ في مسَار العَرَجِ الذي نأملُ تقويمَه في سياستنا وأفكارنا، ونُبقي على ما اسْتَحْسَنَّا في ما لم نفكّرْ في تغييره.. وكان بمأمنِ الرِّضَا لدينا..؟ “ونحنُ نهيبُ بتلكَ اللّحظاتِ التي قرّرَ الشّعبُ أنْ يأخذَ مكانَه ويُسْمِعَ ثورتَه لِـمَنْ أمدَّهُ صوتـَه فخانـَه، وألجمَه بعدَ أن قَضى من ثروته وَطَرًا،بعد سنواتِ الخُنْع والذّلّة!

في معادلةِ ” الثــَّروةِ والثــَّورةِ ” تتباينُ الـمواقفُ إزاءَ تقديرِ حَجْمِ الـمُرتقَبِ منهما بعد زوالَ الغيُوم ؛ أو بمعنى أوضحَ ستكونُ المعادلةُ صعبةَ الحلِّ أو على الأقلِّ ستحتاجُ إلى وقتٍ أطولَ إذا كان البديلُ لمْ يَطْفُ بعدُ إلى خيالِ الحالمِ الثـَّائر بقدْرِ الـمَأمُولِ منه حلاًّ للمعادلة.. وستمرُّ الأيامُ و ترجعُ الـمياهُ إلى مجاريها ، و ستنقشعُ الغيومُ ويؤوبُ إلى السّماءِ الصّافيةِ عُصفورُها الحزينُ بعد لهْثٍ مريرٍ عن فرحتِه المغتصبة ؛ و لكنَّ الثـّورةَ الحمراءَ سيبقى لهيبُها يُطاردُ كلَّ مَنْ سجَدَ لتلكَ الأصنامِ، واهبًا ثرواتِ الشّعبِ – و قبلَ ذلك ضميرَهُ و شرفَهُ – طمعًا في خلودٍ – مهما طالتْ سنواتُ بذخِه – سيُخرجُه حتمًا من الدُّنيا مخزيًّا ذليلاً. و قد أتى إليها سَعيدًا مُكرَّما.

لا عجَبَ في غرُورِ و تجبُّر كلِّ مَنْ غرَّهُ تسليمُ قومِه لِسَوطِه، و أُجْريَتِ الأنهارُ تحتَ نـَعْليْهِ، و عُلّقَتِ الجِنانُ فوقَ تاجِهِ ، و هو يرَى كلَّ هذا بعينِ القوّةِ و الخلودِ.. و لكنَّ البُؤْسَ الذي طالَ – ومازالَ – ما دونَهُ كان كافيًا لِـيُقِيمَ الله عليه حجَّةً يُقَوَّمَ بها جبروتَه البائسَ، فيُدركَ نفسَه من الضّياع قبلَ أنْ يضيعَ و يبقى آيةً لِـمَنْ خلفَه. والـمنطقُ الجديدُ لِفهْم الشّعوبِ يُوحي في غير التباسٍ بأنَّ عهدَ الفراعنةِ و الأباطرة والجبابرة قد ولَّى، وأنّ الكلمةَ لنْ تكونَ سوى للشّعبِ ..ذلك البركانُ الخامدُ الذي لنْ يبقيَ أو يذرَ ما في طريقه حينما تصطلي نارُ عنفوانِه الغافية .

الجُرحُ الذي أجَّجَ ألمَ الكرامةِ في مشاعرِ شبابِنا هُوَ نفسُه باعثُ الكرامةِ في ألم شوارع الأمة.. ولا غروَ أنَّ الحريّةَ التي نطاردُها في خيالاتِنا بأشعارِنا وأغانِينا و أحلامِنا وبصوتِنا الخافتِ الـمَبْحُوحِ، ستتحَرَّرُ منْ قيدِ الرُّؤى السّاحرةِ السَّرابيّةِ، لـتُشَيِّدَ مراسيَها القارّةَ بانتفاضاتِ شبابنا. على أنْ نُفوِّتَ الفرصةَ على كلِّ مُترصّدٍ – قريبًا كان أم بعيدًا- لينالَ مأربَه منْقلبِ الثـَّرْوةِ، و يدُكَّ غيرَهُ في فمِ الثـَّورة و يُنسينا القضيّة الأم..

فيا شبابَ الثـّورةِ الحمراءِ؛ حافِظوا على ثورتِكُم بقدْر محافظتكم على ثروةِ و ميراثِ ومكتسباتِ أوطانِكم.. بلْ بقدْر إيمانِكم العميق بأنَّ هذا الوطنَ العزيزَ لنْ يأتي أبناءٌ آخرونَ من قارّاتٍ أُخَرَ ليبنوه و يحموهُ و يـُحِبُّوه.. و لْـنُغَنِّ سويــًّا :

يا شـعْبُ .. ليْلُـكَ مُقْــــمِــرٌ     و نـهارُكَ السَّـــاجي انْفـلـق ْ
سيَّــانَ..ليـْلٌ.. أو ضِيـَــا    ءٌ .. أو شـُــروقٌ .. أوشَفــقْ
فالعِــــــزّةُ الــــحمْـراءُ .. هَـا    صُنْهـَـا، و لَـوِّنْ ما سَبـَـقْ
و أعُــوذُ مــن شيْطانِــــهـا  إنْ سـَوَّدَتْ وجْـــــــهَ الأفُــــــقْ

*كاتب من الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق