ثقافة السرد

عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- الجزء 31

صبحي فحماوي*

ترفَّع عنان يا عذبة إلى رتبة لواء، أصبح عنان باشا المنذر. ومع تطوُّر رتبته الأمنية، تطورت تطلُّعاته الاجتماعية، فقرر أن يبني له قصراً فخماً. اختاره ليكون مُطلاًّ على البحر، ووظف في البناء كل علاقاته الوظيفية، وجنّد كل ما يمكن، لإنجاز المشروع.
كان القصر يرتفع ويتضخم، جاثماً على ربوة صغيرة، تقعد على شاطىء البحر. وأخذ القرميد الأحمر يُتوِّج سماءه بواجهات لونها معاكساً للون البحر، لدرجة تلفت نظر المشاهدين، فتبهج المعجبين من جهة، ومن جهة أخرى، تثير سخط الحُسّاد، الذين أخذوا يتزايدون متكالبين حوله. وانتشر في بيته الخدم والحشم! وانطلقت السيارات الفارهة من وإلى قصره، هذه سيارة للمدام، وهذه سيارة للآنسة، وتلك للإبن المدلل، وهذه مجموعة سيارات الباشا، واحدة للعمل، وأخرى للسهرات، وثالثة للصيد، وهؤلاء الخدم مخصصون لغسيل السيارات، والحراسة والسواقة وبعضهم للطبخ والنفخ! وازداد لديه الثراء والوجاهة، وتعقدت علاقاته الاجتماعية، ومقابل تلك الترقيات، كانت هناك مناكفات ومزايدات حوله، وإشارات تصل إلى الوالي حول تجاوزات الباشا عنان المنذر، واستغلاله للسلطة الموكلة إليه. وبالطبع كان مساعدوه في الأمن يخدمونه في حضوره، ويتآمرون عليه في غيابه، بهدف أن يصل أحدهم الدور في الترقِّي، والحلول محله في الباشوية! (فلو دامت لغيرك، ما وصلت إليك) كانت هناك أعاصير شديدة عند القمة! القيل والقال..فالتسابق في إسداء الخدمة، يقابله تسابق في النميمة والإفساد! كانوا هم أنفسهم يرسلون إليه الهدية (والنبي قبل الهدية) ثم يبلغون عن مضمونها لمن هم في صف المنافسة ! لم يكن عنان يتوقع أن القيادة أمر سهل ممتنع، بقدر ما هي مرعبة بين عيون الحُسّاد والمتنافسين والمتزلِّفين والنمّامين والمؤلّفة قلوبهم! كان متعباً وهو يتفانى في تطبيق القانون، وإرضاء ذوي المصالح، وتنظيم شؤون الأجانب، وأنت تعرفين يا عذبة، فشؤون الأجانب كلها مرتبطة بالمواطنين ، وهؤلاء يتحركون ليل نهار، لتمرير معاملاتهم؛ فهذا التاجر يريد رخصة لاستقدام عشرين هندياً للعمل في أسواقه الاستهلاكية، وذاك يريد الحصول على رخصة تأسيس مكتب للخادمات الشرقيات، اللواتي يخدمن في كل المجالات، وذاك يريد وكالة، يحصل بموجبها على احتكار رعاية أوراق المغادرين، والقادمين الأجانب، مجرد خدمات عامة. وكل تلك الرخص، تجعل من أصحابها المواطنين العاديين شيوخاً، وأصحاب عِزٍّ ومالٍ وجاه! وبالمقابل فهم يقلِّبون عيشهم، بإرضاء المسؤولين، ومقاومة من يضغط عليهم، ويربك أعمالهم، و.. وكان عنان باشا على قمة الخازوق.أقصد: على قمة الهرم. لم يمكث الأمر طويلاً، حتى سوّدت صفحته شكاوى كثيرة:”رشى كثيرة يأخذها يا سيدي! يعطل أعمالنا يا سيدي!لا يحترم المواطنين، ويميز جماعته عنهم، فهو ليس بحرستانياً أصلياً! انظر إلى قصره الذي بناه على طراز خيالي، ليضاهي قصرك يا سيدي!” وبدأ الكلام يدخل في أذن الوالي، الذي نسي أن ذلك العنان غير الأصلي بالمواطنة، هو الذي ارتمى فوق جسده في تلك الواقعة، ليفديه بروحه! ومن هناك حصل على ترقيته الأولى! ولكن “العيار الذي لا يصيب، يدوش!” ازدادت العيارات النارية، التي لا تصيب رأس عنان باشا، ولكنها دَوَشَتهُ فعلاً! فلم تمض سنتان على سكنه في قصره البديع، حتى صدر كتاب مُوقّع من الوالي نفسه، بإحالته إلى التقاعد، وإخراجه من ملاك الأمن العام! صحيح أنها كانت صدمة مروِّعة، ولكنه بعد تفكير عميق، أدرك أن لكل بداية نهاية، وأن لكل أجل كتاباً، ولذلك لم يُجزعه حزنه لفقدانه وظيفته المرموقة، ذلك لأنه قرّر أن يعمل بعد التقاعد بالتجارة، فهو بمعرفته لكل الواصلين إلى النبع، يستطيع أن يفعل الأعاجيب بالتجارة، والعلاقات التجارية، وأن يكسب الذهب الكثير! ولكنه فوجئ أن تقاعده، قد فتح ملفه من أوله، وأن الأوراق التي في ملفِّه، تشير إلى أنه قد حصل على الجنسية البحرستانية، بموجب الوظيفة الشرطية، وأنه بإنهاء خدمته الأمنية، قد سقطت عنه الجنسية البحرستانية، فأعادوا له وثيقة السفر التي كان قد جاء بها قبل ثلاثين سنة من الخدمة الرسمية في الأمن.
صار عنان باشا في حالةٍ من الهلوسة، والشعور غير المتوازن! وغير القادر على التفكير المنطقي. قالوا له إن إقامة العمل قد انتهت، وهي غير قابلة للتجديد! وعليه أن يغادر البلاد! ولكن إلى أين؟ فالبلاد أصبحت غير بلاد! فمنذ عام 1955 الذي غادر فيه إلى عروبستان، وحتى اليوم، حصلت حروب وانهزامات كثيرة، تقهقر العرب فيها إلى آخر الدنيا، وتغيرت خارطة العالم! وهو لا يعرف الآن إلى أين سيعود! ولكن القرار كان قد صدر، وعليه أن يخرج من البلاد! وليس باليد حيلة! ماذا سيفعل؟ قرر أن يبيع قصره الذي قدَّره مسبقاً هو وزبانيته بما لا يقل عن مليوني دولار في أسوأ الأحوال، فإذا به لم يجد مشترياً له بآلاف الدولارات! ذلك لأن الذي يعرض بضاعته للبيع، يبخسها الجميع، خاصة إذا عرفوا أنه فلسطيني! ومطلوب منه مغادرة البلاد! فمن سيدفع له غالياً بتلك المناسبة؟ خرج عنان خالي الوفاض، حتى من لقب الباشاوية! وبدأ من جديد يتذكر أنه فلسطيني، بدأ من جديد يعيش حالة الحصار الفلسطيني، تماماً كأيِّ.. عاد يفكر بحيفا ويافا، وبحق العودة.. وهذا ذكرني بقصة الثعلب الذي كان جائعا وضعيفاً، ليس عليه سوى الجلد والعظم، وهو يتجوَّل باحثاً عن طعام، لم يذقه منذ أيام، وبعد طول مقاومة للموت جوعاً، شاهد مزرعة كرم عنب، حولها سور عال، فسار بمحاذاة السور، إلى أن تبين ثقباً ضيقا في السور، فدخل منه بتسلل حذر، وفي الكرم، أكل عنباً ناضجاً شهياً، وشرب ماءً عذباً من غدير هناك، واستمر يأكل ويشرب ويتنطط إلى أن تحسنت صحته، وصار سميناً. وبعد طول مدّة، سئم الثعلب، وتضايق من الوحدة داخل أسواره، فقرر أن يعود إلى موطنه، فاتَّجه نحو ثقب السور، ليخرج منه، كما دخله وهو نحيل الجسم، فلم يستطع! اكتشف أنه صار سميناً، ولا يتسع الثقب الضيق لخروج ثعلب سمين مثله! فاضطر إلى أن يقف عدّة أسابيع داخل سور المزرعة، جائعاً لا يأكل ولا يشرب، حتى قارب على الموت جوعاً، رغم وجود العنب والماء أمامه. وبعد أن عاد جلداً على عظم، خرج من ثقب السور، ثم نظر إلى كرم العنب من خارج المزرعة، وتنهد قائلاً له: لم نستطع الاستفادة منك !
عاد عنان يشحن أفكاره من جديد، وكان قد نسي الماضي، وخلّف أبناءً وبنات، ليست لهم صلة بكل فلسطين، أبناءً نفطيي الانتماء. ذهب إلى بحرستان فرداً، فارتد منها جماعة! عاد عنان هو وأفراد أسرته هائمين على وجوههم، ولكن البوصلة تشدهم، فبعد ضياع طويل الأمد، عاد فوجد نفسه من جديد! ” ليس لك خيار يا عنان، إلا بالعودة “! صدمه ذلك الخيال، تماماً كما يصطدم رأس الرجل المضبوع، بصخرة مغارة الضبع، فيسيل الدم من جبهته، وعندها يصحو، ويكتشف أنه في توهانه كان يلحق الضبع إلى مغارته! كان الضبع سيأكله، ولكن الله سلّم! وبالفعل ركب عنان سيارته الوحيدة المتبقِّية له – هو وعائلته – كانت فلسطين قبلتهم، فعادوا باتجاه أي مكان مجاور لحدود فلسطين، فلعلهم عند الحدود يشمُّون رائحة البرتقال، فتمحو من أنوفهم رائحة الضباع الكريهة! أو يشاهدون خضرة، أو يتنفسون ريحاً طرية، أو يشاهدون على الأقل، مرتفعاتها ومنخفضاتها المواجهة لهم! عادوا تجاه الحدود!
صار عنان يفكر في العودة من جديد، ولكن كيف يعود؟ فكلُّ السبل مسدودة! والجدار العازل حول فلسطين، مقوّى من الجانبين! وحتى لو عاد هو فماذا.. ؟ فكّر في الجيل القادم، وسألني ذات صباح: “ما رأيك يا عماد، لو زوّجنا كل أولادنا وبناتنا، إلى بنات وأولاد أهلنا في الأرض المحتلة؟ ما رأيك بشبابنا وصبايانا المنزرعات بمنازلهن؛ في حيفا ويافا و الجليل والقدس؟ ما رأيك في أن يلتقي الشباب والشابات على سنة الله ورسوله بالأحضان، فيتزوجون و…” كنت أنا أول المؤيدين لهذه الفكرة الحتمية…العودة الى فلسطين عريساً أو عروساً، ولم لا؟ ألستُ أنا أقدم من انتظر حبيبته عذبة، منذ أكثر من خمس وأربعين سنة؟ فكّر عنان كثيراً بالأمر، وقال لي:
” سأبحث لهم هناك، وسأزوجهم داخل فلسطين 48، ليعيشوا فيها ويخلَّفوا أبناءً وبناتاً داخل الوطن.

صبحي فحماوي روائي فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق