ثقافة المقال

يا أيها الموسيقار، اِسْـتَـبْـقِ سِحرَكَ!‏

بقلم: عاطف سليمان*

لا مدى له في أيِّ مكان.‏
هو خارجَ الأمكنة، حصراً، وبالضرورة.‏
لستُ أتذكَّرُ متى، بالضبط، التقيتُ اسمَ إدوارد سعيد أولَ مرةٍ. وقتَها، جلبَ له اسمُهُ تداعياتي ‏وتداعيات الأصدقاء؛ فأسكنَّاهُ في نمطِ المهاجرِ الذي أثرى واستقرَّ، ثم تجنَّسَ بجنسيةٍ مفيدة وتحصَّنَ، ثم انكبَّ ‏على صوتِهِ الأكاديمي والنضالي يشحذُهُ ويبثُّهُ.‏
تواترَ اسمُهُ في ذلك الوقت ولَفَتَنَا مثلما لفتتنا دائماً الأسماءُ الخليطةُ، فصففناهم سوياً؛ أشباحاً من ‏أصولٍ عربية، يتألقون في أرجاء الأرض، يتحققون في غفلةٍ منا، وبصرف النظر عنا، ومن غير ما حاجةٍ إلينا ‏ولا حتى بصفةِ شهودٍ لِنيرانِهم الصاعدة. ولا بد أننا غبطناهم على اغترابهم الممتاز إلى حد أننا تغاضينا – ‏راضين – عن أنْ نجهد أنفسَنا لِنكون أرقَّ، نوعاً ما، نحوهم.‏
إنْ كنا عرفنا بعضَهم، ببساطة، لأنَّ شهرتَهم حلَّقتْ، فقد عرفنا آخرين لأنهم كانوا يقتربون. وكان ‏إدوارد سعيد يقتربُ.‏
اقتربَ إدواردُ بخُطى لها سَمْتُ القبول والـمُؤاخاة، ولعل الصفة الـمُتطلَّبة لِوصفِ خطواته بقيتْ شاغرةً ‏إلى أنْ أسعفَنا هو نفسُهُ بها حين ناولَنا كتاباً كاملاً: «خارج المكان».‏
من لا مكانِهِ في أيِّ مكان إذا به يهمُّ – متفاهِماً مع مرضِهِ – بتسويةِ المسألة التي وسمتْ حياتَهُ منذ ‏وُلِدَ بعيبٍ قدميْهِ “الـ فلات فوت” مُضمِراً الإشارةَ بأنه لن يغدوَ أبداً «في مكانِهِ» أينما ذهبتْ به هاتان ‏القدمان على اليابسة وإنْ غدا محسوداً حتى من أبيه. سوَّى إدواردُ مسألتَهُ بالكتابةِ الكريمةِ عنها عبر صفحاتٍ ‏بمثابة معارج وجدانية وخرائط مكنونة، ائتمننا على ما فيها وآزرتْهُ في تخليصها ذاتُ إدواردِ الجوانية، الهاجعة، التي ‏لا برهان على وجودها، غير أنها تفصِحُ عن بسالتها وتنبثقُ من أغوارها في ذرواتِ أزماتِهِ القاصمةِ حتى إنه ‏يندهشُ من ذلك الدعم المفاجئ، التلقائي الذي يحشدُهُ له إدواردُ “الجواني” وينجدُهُ. وربما كانت محبوبتُهُ، التي ‏لم يذكر اسمها، الفتاة سليلة الإلهة ديانا في “برين ماور” هي الوحيدة التي رأتْ تلك الذات رأيَّ العينِ، ‏وصادقتها. وقد نبهتْهُ بالفعل ابنتُهُ “نجلا” – بداهةً – وهي تَشهدُهُ في موقفٍ، واقِعاً في الحَرَجِ، ذات مرةٍ، بقولِها ‏له: «استخدمْ سحرَكَ!».‏
ربما بدأ إدواردُ كتابَهُ بُغيةَ أنْ يأتلفَ مكاناً، ولو في البال، ولو بأثرٍ رجعيٍّ، إلَّا أنَّ روحَهُ رفَّتْ في كتابِهِ ‏وصيَّرتْهُ رَحِماً دافئاً؛ فيتملَّكُ إدواردُ من حيث يحتسبُ – بحقٍ – الأمكنةَ بِحالها قاطبةً، حتى – أو بالرغم من – ‏إنه يقرُّ في النهاية برضاهِ عن استمرار بقائه في غير مكانه.‏
أشعرُ أني تجاسرتُ للغاية إذْ حاولتُ تدوينَ كلمة عنه، عن كتابه، عن “ضهور الشوير”، المنتجع ‏الريفي الرعوي اللبناني، الذي خَلَدَ إليه “آلُ سعيد” طيلة أصياف ربع قرن من حيواتهم، وعشية مرضه الحاسم ‏طلبَ الأبُ – وديع سعيد – أن يُدفَنَ في “الضهور” بعد موته، ولكن كل أهلية وثروة الأرملة – هيلدا – ‏وذريتها لم تشفع في إقناع أي شخصٍ من مُلَّاكِ الضهور ليبيعَ لهم متريْن لزوم المقبرة المرتجاة.‏
القاهرة، القدس، نيويورك …‏
وحدَها ضهور الشوير بدتْ مثل البُقعة التي يمكن أن تكونَ خارج حُكْمِهِ: “خارج المكان”، رغم ‏ضجره منها وقنوطه، ورغم “المهمات” التي تربصتْ له هيلدا بها هناك.‏
يكتبُ إدواردُ سعيد النوتةَ الموسيقية لضهور الشوير فيتبصَّرُ بها قارئُهُ، ويتذكَّرُ المملكةَ المتاخمةَ؛ ‏إسكندريةَ لورانس داريل، الإسكندرية الموسيقية. ومن “طنطا” تجيءُ “إيــﭭــا” وتحِلُّ في صيفيات ضهور الشوير ‏لتُذيقَ الفتى لذَّات حُبِهِ الأول وتطوي بكارةَ جسده وتخوض به ومعه مُتعاً مشبوبةً يتابعانها لاحقاً في ‏الإسكندرية: مدينة جوستين رأسا.‏
‏(ثمة مفارقة كرَّسَهَا عنوانُ الكتاب، فـ”بنيامين نيتانياهو” نشرَ من قبلِ كتاباً بعنوانٍ متبجحٍ: «مكان ‏تحت الشمس»، وهو – في أفضل الأحوال – مغتصِبُ المكانَ وناهِبُهُ. أمَّا إدوارد سعيد، صاحبُ المكان ووارثُهُ ‏في ذلك السياق، فكتبَ على غلاف كتابه: «خارج المكان» بترفعٍ يليقُ بمقامِهِ وبوجوديتِهِ وبالمكان).‏
#عاطف_سليمان
‏—————–‏
عن “خارج المكان”، إدوارد سعيد، (ترجمة: فوّاز طرابُلسي)

*كاتب وروائي مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق