قراءات ودراسات

موت ايفان ايلتش* .. حتمية الحياة والموت.

حسام رزيق*

سبع وثمانون صفحة كتب ليو تولستوي من خلالها عن موت ايفان ايليتش وبالرغم من قلة هذه الصفحات وتناولها لهذا الحدث بشكل بسيط ومباشر، إلا أنها ناقشت وبعمق فلسفي كبير قضية الحياة والموت، وتفاعل الناس مع هذه الحتمية.

ايفان ايلتش رجل يمثل الطبقة المتوسطة في القرن التاسع عشر طموح، تدرج في مناصبه سائراً في الطريق الصحيح لتحقيق أحلامه، “سارت حياته على النحو الذي اعتقد إنها ينبغي أن تسير عليه: بسهولة، وسعادة ولياقة” أصبح قاضي تحقيق وعندها بدأت شهوة المناصب تعتريه وقوة السلطة تطغى عليه وكانت لذة “قدرته على إدانة أو سجن من يشاء”، وقدرته “على تدمير كل من يشاء ” هي أكثر ملذاته متعة. إلا أن مرضاً عضال أصابه، وقطع عليه الطريق، حينها بدأت المرحلة المفصلية في رحلة الحياة هذه فتحول الطموح نحو الحياة وكأن الموت ليس له وجود، إلى خوف من الموت وكأن الحياة لم تكن. في هذه اللحظات تقلبت أحوال ايفان ايلتش وتأملاته في معنى الحياة والموت.

في بداية مرضه لم يستطع ايفان أن يتقبل فكرة الضعف أو الموت، هكذا هو الانسان، كم هو غريب حاله، فبالرغم من أنه هو المخلوق الوحيد الذي يعرف الموت ويدركه تمام الإدراك، إلا أنه أكثر المخلوقات تجاهلاً لهذه الحقيقة التي يتصرف بالرغم من وجودها على أنها قد تصيب كل من حوله إلا هو، دائماً ما يسعى إلى الاستزادة من كل شيء وكأنه مخلوق أبدي، يتفاجأ بوهنه ومرضه وحقيقة موته كأنه لم يسمع بذلك أو يراه من قبل يصيب أي أحد من بني جنسه.

خلال رحلة المرض تظهر حقيقة ضعف الإنسان، قلقه، مخاوفه، يصبح تحت رحمة كلمة إيجابية من طبيب أو سر دواء ناجع، هنا تحولت الأدوار أصبح للطبيب كامل السلطة التي اعتقد ايفان ايليتش أنه امتلكها يوماً ما، أصبح كمتهم يتساءل هل سينجو بفعلته أم لا، يسأل طبيبه “هل هذه الشكوى خطيرة أم لا؟” هنا يظهر لنا جانب آخر يؤكد طبيعة تجاهل الإنسان للحقائق واستهتاره بكل ما قد يعد من طبيعة الحياة، فالإنسان (خلق في كَبَد ) ولكن الإنسان يتجاهل ذلك تماماً، فها هو الطبيب يعلق على مخاوف وقلق ايفان وحيرته من ألمه الذي يشعر به بقوله ” هؤلاء المرضى لهم تهيؤات غبية” ! ماذا لو سأل الطبيب نفسه عن ردة فعله هو لو أنه هو المريض وسمع مثل هذا القول؟ ولكنه غرور الإنسان وجهله الذي لا ينتهي، يتصرف دوماً وكأن مصائب الحياة تصيب الجميع إلا هو. مستهتر بآلام الآخرين، ويلومهم عندما يتجاهلون ألمه.

بين الخوف والأمل تذبذبت حال ايفان، روحه أتعبها الشك في الموت واليقين بقربه، اتبع تعليمات الأطباء كطفل مطيع، كله أمل، تارة يمني النفس “لعل الأمر ليس بهذا السوء” وتارة يقترب من الحقيقة، “المسألة مسألة حياة أو موت . نعم، كان ثمة حياة والآن ها هي تمضي” وخلال مروره بحالة اليقين تلك تبدأ التساؤلات تنهال عليه عن المصير “أين سأكون حين لم أعد هنا؟ ماذا سيكون هناك” بدأ يتفكر في حال الإنسان وتجاهله للموت بالرغم من معرفته به، يتساءل عن أقاربه وأصحابه حين يلعبون، حين يستمعون للموسيقى كيف للحياة أن تنسيهم أمر الموت؟ يصفهم متذمراً “الأغبياء! أنا سأسبق، وهم سيلحقون”. هذا التحول من الإيمان التام بالحياة والتغافل عن الموت إلى ادراكه العميق به حوّل حياته إلى جحيم، أصبح لا يتقبل فكرة أن من حوله ساعين إلى أمور حياتهم وكأنه لم يكن مثلهم يوماً ما، يتعجب من كذبة الحياة التي يؤمن بها كل من حوله، يتساءل هل ما يدفعهم لذلك هو مجرد الحط من شأن مشهد الموت المهيب؟

بالرغم أن “الصحة والقوة والحيوية في الآخرين تزعجه، لكن قوة وحيوية جيرازيم لا تحز في نفسه، بل تهدئه”. وهذا جيرازيم هو خادمه المخلص الذي لم يعامله بكذب أو محاولاً الحط من شأن الموت وبث الأمل بشفائه كالآخرين، عامله بصدق وبإيمان أظهر من خلاله أن الموت لا يعد أكثر من مرحلة من مراحل الحياة وهذا ما لمسه ايفان في قوله الصادق والصريح عندما طلب منه أن يستريح مشفقاً عليه من طول ساعات عمله على راحته اذ جاوبه جيرازيم “كلنا سنموت يوماً ما، فلماذا لا اتحمل قليلاً”، فجيرازيم هنا “لا يعتقد أن عمله متعباً، لأنه يقوم به لرجل يحتضر، على أمل أن يجد من يقوم له بالشيء نفسه حين يأتي موعده هو”. هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر فالتطرف في أمور الحياة وكأنها دائمة، لا يشوبها وهن الجسد، ولا تنتهي بالموت لا يؤدي إلا إلى الغرور الذي يأخذ كل أحداث الحياة إلى منحى آخر لا يجب أن تكون عليه، والتشاؤم التام أيضاً وكأن الحياة لا تعني شيئاً لأنها حتماً ستنتهي بالموت لا يؤدي إلا إلى الإحباط والبؤس. الحياة لا تخلو من الموت لذلك “على المرء معرفة ما يعنيه موته بالنسبة له، وعندها لن يكون هناك خوف، وسيكون كل يوم يوماً جديداً… بإمكان المرء تنفيذ هذا، فيرى عقله وعيناه الحياة بمنظور جديد تماماً، هذه هي الأبدية، هذه هي نوعية العقل الذي يصل السرمدية، لأنه يعرف معنى الموت كل يوم وبالتالي معنى نهاية كل شيء”**. فكما قال ابن عمر رضي الله عنه أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك). هكذا يكون التوازن، وتبلغ الروح السلام الذي تنشده، يتصالح الإنسان مع ذاته، وبالتالي يتصالح مع من حوله، يستلذ بجمال الحياة عند رخائها ولا ينكسر عند قسوتها عليه. فكل ما حولنا عابر وفي حالة تغير مستمرة.

والآن عند ادراكك بأن الموت والحياة لا ينفصلان أبداً وبإيمانك التام والذي لا شك فيه بأنه “لا يمكنك مخاطبة الموت متوسلاً: دعني أنهي عملي، اسمح لي بانتهاء كتابي، وكل الأمور التي لم أتممها، دعني أبريء الجروح التي تسببتُ بها للآخرين.” عندما تتأكد أنه “لا وقت لديك، لذا هل تستطيع إيجاد طريقة للعيش الآن، الْيَوْمَ، حيث احتمال نهاية كل ما بدأته قائم دائماً وأبداً؟”** هل ستستبدل الكراهية بالحب؟ الحرب بالسلام؟ الظلم بالعدل؟ والقطيعة بالوصال؟ لك التأمل واتخاذ القرار…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موت إيفان ايلتش / ليو تولستوي / ترجمة إيمان حرز الله / دار أثر- الطبعة الأولى ٢٠١٧م
** صحوة الذكاء / كريشنامورتي / ترجمة كنان القرحالي / دار كلمات الطبعة الثانية ٢٠١٧م

*كاتب سعودي

لمتابعته على اليوتيوب

https://m.youtube.com/channel/UCp7qWBtEGSvoETn6lQbfgBQ

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق