ثقافة المقال

الكتابة كقيمة إبداعية

جمال علوش

 

إن الكتابة كعملية إبداعية، لا تتأسس إلا من خلال الوعي بالذات.. كأنا فاعلة، الذاكرة كمخزون والمحيط كفضاء/فضاءات يتم الاشتغال عليها، سواء في وحدته أو في كليته، في عموميته، أو بكل خصوصياته، والتي تشير إلى هموم واهتمامات الأنا بكل تجلياتها، بكل التفاصيل…

سواء أكانت وحدة كاملة أو مجزأة. ولا تتحقق الكتابة إلا من خلال رغبة واعية، مستلزمه للكثير من شروطها أو لحد أدنى متفق عليه، كالقراءة، مكتوبة أو شفاهية. وكذلك التأمل والتفكير في صياغته العلمية والعملية. ولكي تكون واقعية لا بد من أن تكون من داخل الممارسة الحياتية المادية المباشرة وغير المباشرة للذات الفاعلة. مع إبراز فاعلية الشعور واللاشعور عبر جدلية الازدواجية لا العكس. من خلال الثلاثية التالية: الذات/الذاكرة/المحيط. ولا يمكن أن تؤسس لنفسها ذلك إلا في الإطار التاريخي، كهم لا بد أن يكون له الهدف المميز، ككتابات تحقق بالفعل كهم ثقافي، فكري، حضاري وإنساني داخل وخارج نسق واضح. وما يحمله ذلك من خلفيات أيديولوجية أو غير أيديولوجية، بمفهومها الواسع للاكتشاف، وليس فقط للفهم والمعرفة. سواء حضرت التناقضات ـ وهي دائماً كذلك ـ أو لم تحضر، وهذا ما لا يوجد أو يتحقق إلا نادراً.. لأنه وفي النهاية، تبقى الكتابة هي اختراق التناقضات بكل تجلياتها، سواء أكانت من الداخل أو الخارج. تتفاعل الكتابة، كماً أو كيفياً، كما تتفاعل الذات الكاتبة، في كل محاولاتها حتى الساقطة، واعية أو غير واعية. والوعي هنا لا يتحقق بالكم المعرفي فقط، بل لا بد من التجربة الإنسانية، ناجحة أو فاشلة. وكذلك اختراق الأشياء، الظاهرة والباطنة، المكشوفة وغير المكشوفة، حتى تتميز الكتابة بمفهومها العام والشامل عن باقي الكتابات، معقدة أو بسيطة. وهنا لا أتحدث عن عملية واقعية الكتابة أو لا واقعيتها كإبداع، لأن الذات الفاعلة واقعية وواقعيتها زمكانية. وهكذا فعملية الكتابة هنا كإبداع، واقعية الواقع، حتى خارج لا واقعيتها!وهذا الأمر ليس مطلقاً، لأن نسبيتها تتولد فيها، وتتواجد كظل ملتصق بها، وإلا لما تعددت الكتابات الإبداعية واختلفت.والكتابة، قد لا تبدأ انطلاقاً من الفكر وقد لا تنتهي إلى الواقع فقط. لأن ذلك يسقطنا في فخ ابتكارات الذاكرة لفضاء إمكانية التخيل.والواقع لا يمكن أن يكون قاراً ولا جامداً في امتداد مطلق لكل مكوناته ومحتوياته، حتى الطبيعية منها.مع الدفع بتحقيق شروط الكتابة في سياقها التاريخي زمكانياً،لها دور حضاري بكل خلفياته الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية/السياسية، والأبعاد الإنسانية والوجودية.وبكل ما يحدثه ذلك من تساؤلات معلقة ومعاناة ذاتية وجماعية بحثاً في أفق للخلاص وعن إمكانيات التغيير لكل ما هو غير قادر على الامتداد في مد البديل من أجل خلق الجديد الإنساني وهو الهدف الرئيسي، وبامتياز، للكتابة كقيمة إبداعية. وهذا الإنسان هو الهدف بصفته الكائن القادر على فك وفهم رموز الحياة ووجوده الكوني، مخترقاً بذاته الخلاقة إبداعياً وفلسفياً، مطلق التساؤلات، باحثاً عن البدائل علمياً وعملياً، في الصراع اليومي، بكل ما لذلك من معنى داخل المجتمع والواقع. هكذا إذاً،يمكن للكتابة كعملية إبداعية بكل رموزها،أن تحقق مهماتها الاجتماعية داخل المسؤولية التاريخية، أو أن تقترب من ذلك حسب إمكانيات الأنا الفاعلة فيها، مخترقة الكثير من القلق الحضاري والإنساني للوجود. إذاً، فمن القادر على فعل وتحقيق ذلك،إبداعياً وفنياً،وعلى إيصالها،الكتابة، إلى تحقيق مهماتها في إطار التساؤلات داخل الصراعات والتناقضات الوجودية لحياتنا اليومية،والبحث في اختراق الصمت والتهميش، البحث عن البديل/البدائل، تجاوزاً للأزمات، واضحين أولاً لا موضحين، لأن المسألة هنا هي البحث في الفعل الإبداعي لقيمة الكتابة وليس العكس؟.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

*جمال علوش: شاعر مغربي يقيم في هولندا.

 

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق