الموقع

الأدب الإسلامي: إلى أين يمضي؟

د. مأمون فريز جرار

الأدب الإسلامي ظاهرة جديدة قديمة: جديدة؛ لأنها وجدت من يروّج هذا المصطلح «الأدب الإسلامي» ويتبنّاه، فيكتب فيه المقالات والبحوث والكتب، وينشئ له رابطة عالمية لها مكاتبها الإقليمية والفروع، وتعقد له المؤتمرات والندوات، وأصبح الأدب الإسلامي مادة تدرس في جامعات في المشرق والمغرب، بل صار تخصصاً تُنال فيه الدرجات العلمية العالية.. وهو ظاهرة قديمة في الفعل، وإن لم ينتشر مصطلحاً، فالأدب الذي نشـأ في ظـلال العهد النبوي، نصرةً لله ورسوله ودفعاً عن الدين، كان أدباً إسلامياً امتدّ من بعدُ في القرون يحمل الرؤية الإسلامية للوجود والحياة، ويعبِّر عنها تعبيراً فنياً، مع وجود انحرافات هنا وهناك تمثلت في الرؤية الدنيوية المنبتّة العلاقاتِ مع الآخـرة، المبنية على عالم الشهادة، والمنغلقة عن عالم الغيب.

هذا الأدب الإسلامي القديم الجديد لقيَ التجاهل حيناً من رواد الأدب الذين نَأَوْا به في تصورهم عن قيود الدين؛ لأنهم رأوا في الأدب المنطلق أو المنفلت إبداعاً لا يملكه الأدب الإسلامي، وجعلوا موازينهم موازين الغربيين لا القيم الإيمانية.. ولقي الأدب الإسلامي الرفض من طرف أولئك، فهاجمه من هاجمه ونفى أن يكون هناك أدب مرتبط بالدين: أدب إسلامي أو مسيحي أو يهودي.. ومع ذلك استطاع رواد الأدب الإسلامي في العصر الحديث تجاوز العقبات والتجاهل والمعارضة، وها هي مكتبة الأدب الإسلامي تنمو وتكبر، وكم صارت الحاجة ملحة لإصدار طبعة جديدة من دليل مكتبة الأدب الإسلامي! ليرى المعارضون والمتجاهلون ثمرات هذا الأدب في الإبداع والدراسات النقدية: في الشعر والقصة والرواية والمسرحية والخاطرة والسيرة وأدب الرحلة، وفي النقد التنظيري لفنون الأدب المختلفة، وفي النقد التطبيقي لشعر وشعراء، ونصوص قصصية وأدباء، وفي إعادة النظر في تاريخ الأدب، وفي ترجمة نصوص أدبية من العربية إلى اللغات الأخرى، ومنها إلى العربية.

يضاف إلى ذلك كله ـ وهو شيء كثير ـ هذه الدوريات التي تتبنّى الأدب الإسلامي وتنطق باسمه، وهي دوريات لعلها تبلغ العشر، في طليعتها مجلة (الأدب الإسلامي) التي تصدر عن رابطة الأدب الإسلامي، ومجلتا (قافلة الأدب) في باكستان والهند، ومجلة (المشكاة) التي تصدر في المغرب.. وقد استطاع عدد غير كبير من الأدباء الإسلاميين احتلال مكان مرموق في خريطة الإبداع الأدبي في عدد من بلاد العرب، ولن يكون ذلك الأدب دون المأمول إن شاء الله..

والآن ماذا عن مستقبل الأدب الإسلامي؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من تحديد مرادنا لهذا المستقبل وتصوّرنا له.. الأدب الإسلامي أدب رسالي، هو جزء من أدوات الدعوة؛ يهدف إلى نشر الرؤية الإسلامية والتصور الإيماني، وإمتاع المؤمنين بفنون الأدب المختلفة من غير إخلال بالضوابط الشرعية. وحتى يحقق هذا الأدب رسالته لا بد أن ينتشر بين الناس لا المؤمنين وحدهم؛ لأنه وسيلة إلى نشر الإسلام بأسلوب فني محبّب رشيق، وهذا يقتضي مواصفات فيه تجعله رائجاً مقبولاً لا محصوراً بالمتدينين وحدهم. في ضوء هذا التصور ومن خلال مراجعة مسيرة رابطة الأدب الإسلامي العالمية خلال سنوات وجودها يمكن أن أقول: إننـي غـيـر متـفائل بمسـتقبل الأدب الإسـلامـي، وهـذا الأمـر لا يقتضي التشاؤم بل يدفع إلى العمل لإصلاح الخلل.

إنني غير متفائل؛ لأن العاملين للأدب الإسلامي لم يستطيعوا اختراق أسوار الحصار في وسائل الإعلام، وأخص منها المطبوعة من جرائد ومجلات؛ فما تزال أسماء أكثرهم مجهولة لدى الجمهور على كثرة إنتاج عدد غير قليل منهم، فليس للأدباء الإسلاميين حضور إعلامي جماهيري، والعاملون للأدب الإسلامي مقصِّرون في حق أنفسهم في التعريف بالأدب الإسلامي ونقده، وهو أمر أتقنه الآخرون أكثر من الإسلاميين، ولهذا نجد رموز الأدب من شعراء وقاصّين وكُتّاب رواية، بل أعلام الكـتابة الصحفـية، من ذوي الاتجـاه غيـر الإسـلامي؛ مما يجعل في أيديهم أدوات التأثير وصناعة الرأي العام والتوجيه الأدبي. ومن العوامل التي لا تدعو إلى التفاؤل ضيق مساحة منشورات الأدب الإسلامي من كتب ومجلات، وانحصار قرّائها في المتدينين. وأضرب على ذلك مثلاً: مجلة (الأدب الإسلامي) التي كان يصل إلى الأردن منها ثلاثمائة نسخة تُوزّع من خلال إحدى وكالات التوزيع، وكان المرتجع منها كبيراً والمباع قليلاً، وقد كان العدد أول الأمر خمسمائة، ثم توقفت الوكالة عن توزيع المجلة، وقد سعى الإخوة في المكتب الإقليمي في الأردن لدى وزارة التربية والتعليم لشراء المجلة للمكتبات المدرسية، وهي خطوة جيدة لكنها قليلة الأثر؛ لأن المكتبات المدرسية شبه معطّلة؛ لافتـقاد الحصـة المكتـبية وقلّـة الوقـت المـتاح للطلـبة للانتفاع بما فيها.

ولكنْ هناك نقاط مضيئة في هذا الجو المعتم تجعل الأمل في المستقبل يأخذ مساحة أكبر؛ فوجود الإذاعات الإسلامية والمحطات الفضائية (الإسلامية) مع تحفّظ بعض الإسلاميين على بعضها، هذا الأمر إن أحسن الأدباء الإسلاميون التعامل معه يمكنهم أن يروِّجوا الأدب الإسلامي من خلال الوسائل المتاحة بالبرامج الأدبية المتنوعة، وهذا يتيح للمشاهدين والمستمعين المجال لمعرفة الأدب الإسلامي والانتفاع به.. ومثل ذلك مواقع الإنترنت، وأضرب عليها مثلاً طيباً، هو (رابطة أدباء الشام) التي استطاعت استقطاب أدباء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وصارت مرجعاً مهماً للأدب الإسلامي؛ لأن هذا الموقع يحتفظ بمواده، ويستطيع القارئ الرجوع إليه للإطلاع على ألوان من الأدب الإسلامي.

وقفة مع رابطة الأدب الإسلامي:

هذه الرابطة الأدبية العالمية التي يمكن أن نعدّها «الإطار العام» الجامع لدعاة الأدب الإسلامي ومنتجيه. لقد نمت الرابطة نموّاً عَرْضياً أو أفقياً طيباً، فافتتحت مكاتب إقليمية شملت مواقع كثيرة من المغرب غرباً حتى بنغلاديش شرقاً، ولعل هذه المكاتب تبلغ عند كتابة هذا المقال أحد عشر مكتباً إن لم تكن أكثر من ذلك، ويتبع بعض المكاتب فروع. وللرابطة مجلاتها وإصداراتها من الكتب، وللمكاتب أنشطة في لقاءات أدبية أسبوعية أو نصف شهرية، ولها مسابقاتها ومواسمها الأدبية، وكل ذلك علامة عافية طيبة، لكن الذي يقلق أن هناك «اعتماداً» مالياً من الفروع على المركز يجعل أكثرها معرّضاً لهزّة عنيفة إن حدث أمر ما قطع هذا المدد؛ فميزانية أكثر المكاتب تعتمد في نصفها أو أكثر من ذلك على المدد المركزي، ولا يخفى ما في هذا الأمر من الخلل والإشكال.

وأمر آخر مهم وهو أن العمل في الرابطة في أكثر الأحيان لم يرتقِ إلى «المؤسسية» بل يعتمد على «الجهد الفردي» الذي يصل بصاحبه إلى درجة الإرهاق؛ فقد وهب عدد قليل وقتهم للرابطة وشؤونها، واستنام كثير من الأعضاء بدعوى أن الأمور تسير على ما يرام، وإن يكن آخرون من المتفرجين قد يتهمون «العاملين إلى حدِّ الإرهاق» بالدكتاتورية والاستئثار بالعمل! فإلى الله المشتكى وحده، وبخاصة أن رضا الناس غاية لا تدرك.

وأختم بالسؤال: إلى أين يمضي الأدب الإسلامي؟

هذا السؤال يلقي بمسؤولية كبيرة على كل من يؤمن بالأدب وسيلة دعوة؛ ليدرك الواقع ويستطلع المستقبل، ولِيزرعَ اليوم ما يكون حصاداً طيباً في المستقبل بتوفيق الله تعالى. المطلوب من الأدباء الإسلاميين، ليحققوا واقعاً طيباً ومستقبلاً مشرقاً للأدب الإسلامي، أن ينتقلوا من مرحلة الهواية إلى مرحلة الاحتراف. والمطلوب من الباحثين في الأدب الإسلامي أن يرتقوا إلى مرحلة النقد المنهجي لهذا الأدب؛ لفرز الغثِّ من السمين، ووضع الأمور في نصابها بعيداً عن المجاملة وبعيداً عن التجريح الذي يمزج بين الشخص والنص. والمطلوب من الأدباء الإسلاميين أن يتحلّوا بالروح الإيمانية التي تقبل النقد/ النصيحة ـ كما سمّاه الدكتور عدنان النحوي ـ ومن لم يستطع شيئاً ولم يصلح لمجال من الأدب فله مجالات أخرى قد يصلح لها. والمطلوب احتضان البراعم الأدبية الناشئة وتنميتها فنياً وتحصينها إيمانياً؛ لتكون أشجاراً طيبة تؤتي الثمرات النافعة في الدنيا والآخرة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق