ثقافة السرد

العمل الشريف

غسان حمدان

سأعمل راقصاً في ملهى ليلي، وإذا طلبتني النساء على مائدتهن سوف ألبي دعوتهن. هكذا واجهت أمي التي كانت جالسة وراء مائدة الطعام تنظف الأرز للغداء، وقد جمدت دهشتها على وجهها النحيل، وجحظت عيناها السوداوان من وراء عدستي نظارتها السميكة، بعد يأسي من العثور على وظيفة، بعد بحث طال أكثر من عامين رغم شهادتي العليا وخبرتي في مجال الكيمياء. ازدردت ريقها واستغفرت بصوت واطئ، وشرعت في عملها مرة أخرى دون أن تعيرني انتباهاً، كأنها لم تسمع ما قلت، أو تصورته مزحة أو تعليقاً ساخراً على وضع السوق وصعوبة البحث عن وظائف شاغرة. لكنني أكملت متجاهلاً عدم اهتمامها وأنا آخذ نفساً من السيجارة:‏

– أتتصوريني أمزح كما قلت لك سأعمل راقصاً في الكازينو أمام النساء وسأقبل بلا أي تردد هداياهن السخية.. آه، لماذا لم أفكر بذلك من قبل؟!‏

رفعت رأسها مرة أخرى وفمها مفتوح وحدّقت بي، في عيني، في وجهي الذي نبتت فيه شعيرات لحيتي منذ أيام نتيجة تخصيصي وقتي كله في الدوران والبحث عن وظيفة، ولو كانت حقيرة، مما لم يدع لي فرصة كافية لأعتني بنفسي لكنها لم تقل شيئاً وعادت إلى تنظيف الرز ولمّا سألتها عن سر صمتها، صرخت في وجهي غاضبة:‏

– ألا تخجل من نفسك؟ ما هذا الهراء الذي تقوله؟ عمرك صار سبعة وعشرين عاماً وما شاء الله خريج جامعة، تحدثني بهذه الترهات! إذا سمعك أحد ماذا يقول؟ ها، ماذا يقول؟!‏

– لماذا تصرخين هكذا؟ أقلت شيئاً يغضبك إلى هذا الحد؟!‏

– ما شاء الله! تريد أن تصبح راقصاً وتسألني لماذا أغضب؟! تريد أن تلوث سمعتنا بجنونك هذا وتسألني لماذا أصرخ!؟‏

فأجبتها بثقة نفس، وكنت توقعت موقفها منذ أمس عندما أتتني هذه الفكرة:‏

– ماذا تريدين أن أفعل، ها عامان مضيا ولم أجد عملاً. الدوائر، المعامل والمحلات التجارية رفضتني ولم يكتفوا بهذا، بل أبلغوني أن هناك كثيرين من أمثالي في قائمة الانتظار وهذا يعني.. أصلاً دعي هذا الموضوع وأنت تعلمين به.. أنا تركت موضوع شهادتي العليا ونسيت أنني قد دخلت الجامعة يوماً. بدأت من الصفر، حتى ماسحو الأحذية وحمالو المرفأ، لم يدعوني أعمل‏ لأنهم لا يريدون أحداً يأخذ لقمتهم وأنت تعلمين بهذا.‏

فسألت ساخرة وهي تشير بعينيها إلى صورة تخرجي من الجامعة، على الجدار:‏

– لماذا إذاً دخلت الجامعة أصلاً؟ لماذا لم تعمل عند خالك المرحوم عندما احتاجك بعدما أكملت الثانوية؟‏

-أنا من أراد مواصلة دراستي؟! أنسيت والدي الذي رفض أن أدخل السوق والتجارة باعتبارهما فاسدين؟ أنسيت أنه أصر على مواصلة دراستي حتى أكون سيداً لنفسي؟‏

فنشجت وهي تهز رأسها:‏

– يا خبر أسود.. ابني سيعمل راقصاً بعدما عرفنا بالشرف والكرامة..‏

لم أجبها، أهملتها وأشحت بوجهي عنها أعبث بدخان سيجارتي. لكنها لم تسكت:‏

– ما مت حتى أرى هذا الوضع.. يا رب، خذني؛ رحماك يا ربي!‏

فزعقت:‏

– دعك من هذه الكلمات الميتة! حتى الشحاذين لا يقبلونني بينهم، تريدين إلى من ألجأ؟..  تريدين أعمل قاتلاً أسرق الناس؟ أتصور أن القتلة أيضاً لن يدعوني أعمل!‏

لكنها ازدادت نشيجاً وبقيت في عالمها تنوح وقد نسيت تنظيف الرز.‏

– أماه، نحن في مطلع الألفية الثالثة. أتفهمين ماذا يعني هذا؟! لقد ماتت الخرافات والاعتقادات الشعبية.‏

– عشت حتى أسمع هذا الكلام! أين أبوك حتى يسمع كلامك؟!‏

فتذكرت المرحوم الذي توفي قبل عامين في حادثة سقوط من مبنى وهو يعمل حداداً.. لقد طلب منّي أن أكمل دراستي العليا وأحصل على أعلى الشهادات حتى لا أصبح مثله عاملاً بسيطاً مهدداً بحوادث العمل الشاق والبطالة معاً.‏

-لقد رأف الله بأبيك عندما أخذه! لو كان حياً وسمع منك هذا الكلام لمات جنوناً! ماذا أقول لها؟ هي تعلم أن كل فرص العمل قد ولت منذ التصميم الأخير الذي اتخذته الحكومة وصادق عليه مجلس الشعب: انفتاح الأسواق الداخلية للمنتجات الأجنبية والعضوية في منظمة التجارة العالمية.‏

– أماه، اسمعيني أنا أعرف بماذا تفكرين، ولكن اقبلي أن الرقص ليس عملاً رذيلاً أولاً، وثانياً: السمعة بين الناس أصبحت من المنقرضات، لم يعد أي شخص يهتم بها.‏

– ولكن..‏

لم أعطها مجالاً لتتكلم وأضفت قائلاً:‏

– وكلام الناس ونصائحهم وافتراؤهم.‏

لكنها قطعت كلامي عناداً:‏

– أنا لا أحتمل كلامهم.‏

خمدت لهيب غضبي قبل أن يحرقني وإياها وقلت بهدوء:‏

– دعيهم يقولون فأنا لست مرشحاً في الانتخابات كلام الناس لا يصبح لي ولك خبزاً. فكري جيداً التعويضات التي دفعوها لنا بعد وفاة المرحوم قد نفدت ويجب أن نبحث عن رزق والرزق الموجود هو هذا.‏

فنظرت إليّ صامتة، مكسورة، ودمعة كبيرة قد انزلقت على خدها الذي حفر به الزمان تجاعيد عميقة. فحزنت عليها ولكنني صمدت أمام دموعها يجب أن لا أفوّت هذه الفرصة الذهبية فقالت ساخطة:‏

-ولكنك لا تعرف الرقص.. أتجيد الرقص أصلاً؟!‏

لقد فكرت بهذا الموضوع، حقاً، إنني لم أكن أجيد الرقص كما تقول ولكن قليلاً من التمارين سيحل هذه العقدة”!‏

سوّت خمارها الأسود وضمت شعرها الأشيب وهي ترمقني بنظرات ساخرة. مسحت دموعها ولأنها لم تسمع شيئاً مني اعتبرت صمتي تأييداً لها، فشرعت في عملها مرة أخرى أحسست أن الفرح قد زحف إلى بؤبؤي عينيها.. لا، لن أدع هذه الفرصة تذهب مني”.‏

– سأرقص رقصة لا تحتاج في نظري إلى تعقيدات كثيرة، وهي رقصة “ستريبتيز”!‏

– وماذا هذه الرقصة السهلة في نظرك؟‏

قالتها ساخرة ولكنها لم ترفع رأسها عن صينية الرز‏.

– رقصة التعري.. يعني مع أنغام الموسيقى يخلع الراقص قطعة قطعة من ملابسه وهكذا إلى أن..‏

فضربت كفاً بكف وهتفت:‏

– ماذا؟.. لن يكفيك الرقص أمام الناس وتتعرى أيضاً؟!.. لا حول ولا قوة إلاّ باللّه!‏

لم أجبها، أصلاً لماذا أناقشها في هذا الموضوع؟! هذه المسألة تخصني أنا لا هي ولا أحتاج لاستشارة أحد هذا هو العمل الوحيد المتبقي لي وهو عمل شريف.. سأحلق ذقني بعد الغداء وأستحم وألبس أفضل ملابسي، وقبل الغروب أذهب إلى الملاهي الليلية وأقابل .. ولأنني رشيق ولمسة من الجمال قد حطت على وجهي فحتماً سيقبلونني وكذلك اقتراحي في تخصيص هذه الرقصة للرجال!‏

***‏

فتحت الباب بمفتاحي بعد منتصف الليل بقليل وجسمي كله يؤلمني يا أولاد الهرمة، لماذا عاملتوني هكذا؟! فوجئت بأمي التي كانت جالسة على السلم المؤدي إلى الطابق العلوي تنتظرني نهضت من مكانها وهي تنظر إليّ بحزن تزحزحت من مكانها وأفسحت لي الطريق صعدت إلى غرفتي ونظراتها الحزينة تلاحقني. لقد رأت آثار الكدمات على وجهي وتمزق ياقة قميصي الجديد جلست على السرير وحملقت في اللوحة المنصوبة أمام مكتبتي الكبيرة التي طالما افتخرت بها إنها‏ لوحة جميلة بلا شك، وقد اشتريتها قبل خمسة أعوام من فنان بائس مدمن على الكحول، بثمن بخس، لكنها رائعة وألوانها زاهية. تصوّر فتاة جميلة بملابس من العصر الفيكتوري في عربة مكشوفة تبتسم وأشجار الصنوبر خلفها تعطي اللوحة منظراً أخاذاً دخلت الغرفة واقتربت مني وبعد فترة صمت سمعتها تقول:‏

– عشاؤك حاضر يا ابني، لقد وضعته على المدفأة أجلبه هنا؟‏

لم أرفع رأسي ولم أقل شيئاً. بقيت محدقاً إلى اللوحة. ثمة ريح تمر من بين خصلات شعرها الذهبي ويلاعبها. كانت في يدها باقة أزهار برية كأنها راجعة من نزهة.‏

– لقد خفت عليك كثيراً.. (وبعد هنيهة).. يبدو أن النساء هجمن عليك من شدة الغرام!‏

ابتسمت ورفعت عيني عن باقة الورد إلى أشجار الصنوبر خلف الفتاة كأنها قضبان حديدية. كم أردت في تلك اللحظة أن أهجم على هذه القضبان كأنها هي سبب فشلي، ولكن الوعي لطمني فصحوت على الحقيقة، وتذكرت رحلتي الفاشلة ونهايتها المأساوية:‏

– ذهبت إلى كازينو “الليالي” وطلبت مقابلة المدير ولمّا عرضت عليه اقتراحي نظر إليّ بسفاهة ووعدني أن يفكر في هذا الاقتراح، لكنني عرفت أنه يريد التخلص منيّ، ولمّا أصررت وقلت له إنه قد انقشع زمن رقص النساء وتعريهن وآن أوان ظهور الرجال وعرض فحولتهم بدل الأنوثة التي شبعنا منها، طلب من حراسه البلطجيين أن يطردوني، لكنني قاومت.. ثم سكتُّ أداري مرارة هزيمتي وسمعتها تقول:‏

– حذرتك يا ابني لماذا تتشبث بهذه الحماقات؟‏

قطعت كلامها بحدة:‏

– كل النوابغ هكذا بدأوا! من سقراط حتى أنا! الأقارب يعارضونهم ومن بعدهم الناس.. ولكن التاريخ يخلّدهم لعبقريتهم.‏

وصوبت عيني على عينيها، ونظرت شرزاً باعتباري مصراً على كشفي الفريد ومصمماً على تحقيقه . فذهبت يائسة وتركتني مع عوالمي وأشجاني ودعاؤها يملأ فضاء غرفتي.. أخرجت سيكارة مدعوكة من جيب قميصي وأشعلتها. أطفأت مصباح النوم ورحت أدخن في الظلام وأفكر في مستقبلي. كان ثمة ضوء واهن يأتي من الشارع من خلال النافذة لكن. أثاث غرفتي لم يكن يتبين بوضوح بل كان مثل الأشباح. ولفتت نظري شعلة السيكارة الحمراء كأنها نبراس في الظلام، وخطرت فكرة في رأسي.‏

**‏

في غروب أحد أيام الخريف، جلس رجل شاب طويل ذو سترة بنية اللون في مقهى الأصدقاء وطلب الشاي. كان المكان يعج بطقطقات النرد وقرقرة الجوزات وقهقهة الزبائن وسعالهم وصخبهم، والجو مشبع برائحة التبغ والمعسل.. نظر خفية إلى وجوه الرجال، تجنباً لتلاقي أعينهم بعينيه وآملاً أن يعرف أحداً توقفت نظراته على رجل في منتصف الخمسين من عمره في إحدى‏ الزوايا جالساً بين أصدقائه يلعب الورق. جحظت عيناه وركزّ نظراته عليه، كيف يصدق أن هذا الرجل العاقل المحترم هو الرجل نفسه الذي رآه يقيم مهرجاناً من التعري أمس؟! عندما جاء صبي المقهى بالشاي سأله عن ذلك الرجل، فأجابه:‏

– هذا أستاذ نادر العلواني، ألا تعرفه؟‏

– كلا، لست من هذه الحارة، ولكنني رأيته أمس يرقص في الشارع ويتعرى. أليس مجنوناً؟ فماذا يفعل هنا؟!‏

فغمز الصبي ضاحكاً:‏

-كما يقولون إنه فقط في الليل يجن ويرقص ويتعرى ويكسب النقود! (ونظر إلى ساعته).. وبعد قليل ستبدأ رقصته المشهورة أتعلم أنه أول من ابتدع رقصة التعري للرجال؟!‏

دهش وهو ينظر إلى شيب ورزانة العجوز:‏

– ولكن لماذا لا يعمل في الملاهي؟‏

-أووه، قصته طويلة.. وعندي شغل كثير.‏

وهمّ بالانصراف، لكن قبضة الشاب، التي أمسكت ذراعه، أوقفته. أخرج الشاب ورقة من فئة الخمسين ووضعها في جيب سروال الصبي. ابتسم ووعده بالعودة بعد بضع دقائق.. وبعد ما عاد الصبي بالشاي مرة أخرى، جلس أمام الشاب:‏

– كان علواني هذا، كما يقولون، بلا عمل وفي أحد الأيام وبعد بحث طويل خطرت له فكرة، فطالب برقصة التعري للرجال وهذا يعود إلى ثلاثين عاماً، كما يقول كبار السن، لكنه لم يجد آذاناً صاغية فقرر في إحدى الليالي أن يرقص تحت مصابيح الشوارع ويتعرى ويكسب النقود.‏

-يعني يعمل لنفسه.‏

– نعم، ولكنه لم ينجح في تلك الليلة، إذ قبضت عليه الشرطة وقدمته للمحكمة، فسجنوه خمسة أعوام وبعد ما خرج من السجن أعاد الكرة فأدخلوه مستشفى المجانين. فمكث هناك عشرة أعوام أخرى..‏

– ولكن لماذا لم يعمل في الملاهي الليلية؟‏

– لأنه في ذلك الوقت لم تكن قد ابتدعت هذه الرقصة… وبعدما خرج من دار المجانين، وتأسست نوادي الرقص للرجال، لم يقبله أحداً لكونه عجوزاً، ولهذا فهو يرقص في الشوارع، متحدياً دائرة الضرائب، والناس يتعطفون عليه ويعطونه بعض النقود.. أتعلم نه خريج جامعي بل يقولون عنه إنه قد نال الدكتورا في الكيمياء!‏

خرج إلى الشارع وسلك طريق الأمس المؤدي إلى شارع باستور منتظراً مشاهدة الرقصة كانت النجوم البهية كثيرة، كأنها تنتظر أيضاً.‏

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق