ثقافة السرد

أريد أن أحب هذا المساء

د. لطيفة لبصير*

علي أن لا أفتح النافذة… أجلس قريبة جدا منها، وأختبئ في معطفي البني، على الرغم من أن ارتداءه يؤلمني، لكنني لا أريد أن أنسى ارتداءه، كلما انتابتني الوحدة، وأتذكر أنامل العجوز وهي تنسجه ببطء غريب، وكأنها كانت تطيل عهد لقاءاتي المتكررة للسؤال عنه. لكنها ربما لم تكن تعرف أنني كنت أيضا أتذرع بالرغبة في استبطاء صنعه، كي أزورها مساءات متكررة وأرتشف الشاي الثقيل الذي يهيئه زوجها، وهو يستمع إلى الأغاني القديمة الجميلة، محدثا دندنة خاصة في قلبي.

لم يكن العجوزان يتحدثان عن أزمنة البرد التي أستشعرها بداخلي، كنت أشعر بأنني باردة الأطراف والضلوع، رغم أنني لم أتجاوز الثلاثين إلا قليلا. وكانا يبدوان دافئين جدا، رغم الشيخوخة التي أحنت بعض أطرافهما. وكنت كلما قررت أن أرتشف الحب، أبحث عن الشرفة المطلة على بيتهما المجاور وفي المساء الحاني الرتيب، أنتعش معهما بضوضائهما الصغيرة التي يحدثها المسجل القديم وهو يكرر أغاني قديمة جدا، تحدث لديهما ولدي أنسا خاصا. أجلس بالقرب منهما وأحلم بالأيام القادمة… كان زمنهما غريبا عن الزمن الذي أعيشه، فقد أمضيت سنوات وأنا أغير جلد العشاق بنفس السرعة التي أتناول بها وجباتي السريعة،  والتي تحدث لي سوء هضم احتياطي متكرر، لن يزول إلا بالأسباب المختلقة للذهاب إلى العجوزين أو للإنصات إليهما من نافذتي الخاصة. كنت كمن يجالسهما كل مساء، كي يرتشف الحب في تثاقله العذب الذي يبدأ كل يوم ويتكرر دون إشباع.

قبل أشهر قليلة، دعاني العجوز إلى عيد ميلاد زوجته، وأخبرني أنني الجارة الوحيدة التي سترافق لحظتهما العمرية الخاصة، لأن الجميع لا يفهمون زمنهم الخاص. أخذت معي شالا برتقاليا دافئا وحلوى مهيأة تماما لظروف أسنانهما الاصطناعية. كان العجوز قد استنبت في المنزل ورودا مختلفة، ونفخ بالونات صغيرة، ولطف الطقس بروائح من العود والعنبر. وحين دخلت، قال لي على الفور إنها ذهبت إلى الحلاق لإجراء تسريحة جميلة، وأكد لي بثقة بالغة:

– سترين، ستكون فاتنة، صدقيني…

أجبت وأنا أفكر في كلامه:

– أصدقك تماما… أعرف ذلك.

بدت العجوز جميلة جدا، وهو يحدق في عينيها. كانت تشع ببريق غريب جعلني أشعر بأن ما يبعثه لها من دفء عينيه، هو ما يتجلى على وجهها الطفولي، فقد جعلها طفلة بنظراته العاشقة.

وضعت الشال البرتقالي على كتفيها، وجلست تداعب بعينيها، وكأنها تكتشف المنزل من خلال لمسات زوجها الذي نثر الورد الأحمر في كل مكان وأشعل شموعا صغيرة.

كان العجوز قد هيأ كعكة تقليدية للاحتفاء بحبيبته، ووضع شموعا قليلة جدا للعجوز ذات السبعين ربيعا. هذا ما أسر لي به وهو يناولها القطعة الصغيرة، قال لي :

– لقد أمضينا نصف قرن معا، لكنها مازالت تبدو لي كما لو كانت شابة في العشرين أو الثلاثين، لا أستطيع أن أراها غير ذلك…

– نعم، هي كذلك.

قهقه قليلا، وقال:

– أنا أراها كذلك… ما زالت يانعة جدا في عيني.

أتذكر ذلك المساء لحد الآن، كنت قد عدت وأنا أحمل في داخلي الكثير من الرغبة. كنت أرغب في أن أفعل شيئا ما. لقد هزمني حب العجوزين، وجعلني أصرخ بأعلى قوتي: إنني أرغب أن أحب هذا المساء.

شيء غريب كان يربطني بالمكان. الصور والذكريات التي تزين جدارات الغرف. لكن صور ابنهما الوحيد عمر لم أكن أراها هناك. أخبراني أن كل شيء يوجد في غرفته المغلقة. كانا يحدثاني عنه كل حين ويتمنون عودته من البلد البعيد، هذا ما كان يجعل العجوزين ينخرطان في حزن غريب، لا يرحل إلا بإضرامهما الحب كل مساء.

أغرق الآن في حزن غريب جدا. أريد أن أحب هذا المساء، ليتني أستطيع. أمتلك من العجوزين أحلامهما الصغيرة ورغبتهما في تغيير اللحظة التي كانا يصنعانها معا.

الحب صنع. هكذا تعلمت.

الحب رغبة تخلقها الثواني وترتبها الذكريات الصغيرة التي تتآلف في كل دقيقة.

الحب فراشة حائرة لا تدري من أي الزهور الغريبة ستلتهم رحيقها الحالم.

الحب مساء حان بين روحين التحفا جسديهما المليئين بكل الطقوس والذكريات…

الحب انتظار…

لكن هذا الحب لم يشتعل في أي مساء لي، كنت أهيئه، وأبدأ بالبطء الشديد لتهييء مراسيمه. أعد المكان، وآخذ حماما ساخنا وأنتعش بالعطر، وأهيء الرقعة الصغيرة، أضع عليها براد الشاي، وبعض الحلوى الصغيرة، وأنصت إلى الموسيقى التي أحبها. لم أعد أستطيع أن أستمع إلى كلاسيكيات العجوزين، كانا قد دأبا بانتظام وطيلة الأعوام العشر التي سكنت فيها هذا المنزل على طقوسهما الاعتيادية. كانا يهيئان لي طقسهما الخاص، من خلال النافذة المفتوحة… أعرف أنهما كانا يدركان تماما أنني أرقبهما من النافذة كي أنتعش بالعشق الذي حملاه كل هذه السنين. لذلك، كانا يبقيان الأثر الصغير لعشقهما أمام نافذتي حتى أحب أنا الأخرى مساء ما…

أنصت لصوت  بافاروتي، وهو يمنحني الحياة، يصدح بذلك الصوت الذي يجعلني أستيقظ قليلا من النوم الصغير، وأدرك أن بافاروتي ودعنا قبل أشهر قليلة. لم أكن أعتقد أنه سيفعلها وهو يغني للحياة. أجعله ينساب في كل أرجاء المنزل، وأذهب إلى المطبخ لأبحث عن قنينة ماء، لأتذكر أنني ودعت العجوزين أيضا في الأشهر القليلة الماضية. كانا قد انسحبا من النافذة، دون إذن ودون سابق إنذار. كان انسحابا غريبا. فجأة، صرخ العجوز ذات صباح جميل، جعلني أعدو مثل المجنونة إلى مخدعهما الأبدي. كانت العجوز قد غادرت دون مقدمات صغيرة، وبقي العجوز أمامي. عرفت بعدها أنه انتهى في تلك اللحظة، فلم يمر شهران على غيابها حتى انسحب، هو الآخر مثقلا عاتقي بوصية قاتلة. أسلمني مفاتيح مخبئهم المليء بالطقوس والأيام والذكريات والأحلام، وأوصاني بانتظار ابنهم الذي قد يعود وقد لا يعود يوما ما…

صوت بافاروتي يغرد في كل مكان. أعرف أنني لا أستطيع أن أفتح النافذة، لأنني حتما لا أريد أن أرى نافذتهما الموصدة التي اعتلاها الغبار قليلا، ونسج العنكبوت خيوطه حول بابها .

ذات مساء، قررت أن أدخل المكان. من الصعب جدا استلام بيت كان مليئا بالحب، من الصعب جدا استلام وصية انتظار رجل قد لا يأتي. نفضت كل الغبار، وهيأت شايا وجلست في منزل العجوزين، وبدأت أنتظر، وصرت أذهب كل مساء وأستمع إلى عالمهما  السري، وأتفحص ألبوماتهما الكثيرة والمتعددة… كل ذلك يجعلني أسأل نفسي هل يكون الحب أبديا؟ هل يمكن أن نحب نفس الشخص عمرا كاملا؟ لماذا يعيش الحب بهذا الشكل؟ لماذا لا أشعر به ؟ لماذا لا يحتويني شخص ما كل مراحل العمر، وأغرد أو أطير فوق السحاب؟ وهل كان العجوزان يقظين حتى يجعلا من بعضهما اشتعالا مستمرا لكل أحاسيس الانجذاب؟

كنت أتردد كثيرا قبل أن أقرر دخول الغرفة السرية، كشأن قصور الأفلام التي اعتدت على مشاهدتها، أتخيل ربيكا المجنونة… غرف كثيرة مازالت يقظة في ذاكرتي تبعث فيَ كل الوساوس. لكنني كنت أرغب في أن أعرف ما يوجد داخل هذه الغرفة.

كانت في يدي مفاتيح كثيرة بدأت أجربها الواحد تلو الآخر، إلى أن دار المفتاح في القفل، وانفتح الباب المغلق. رأيت أمامي صورة كبيرة للعجوزين في وسط الغرفة، أخافتني قليلا. أحسست بنظرات اللوم في عينيهما وكأنهما لا يرغبان في أن أطلع على حديقة ابنهم السرية. كنت أشعر بالرهبة أمام ذلك المكان. الغرفة غريبة جدا، رائحة الجلد القديم، والأحذية المترامية في كل مكان والكتب الكثيرة، التي أكلت الرطوبة بعضها… كل ذلك كان يمنح المكان شكله المهجور. لماذا أهمل العجوزان هذه الغرفة؟

أحضرت منديلا من المطبخ، وبدأت بتنظيف المكتب الحديدي، وأنا أبحث بين الأوراق الكثيرة عن شكل هذا الغائب، ووجدته أخيرا… كان يحدق بعينين سوداوين وابتسامة حالمة. كان ينظر مباشرة إلي. انشغلت بالبحث عن صور أخرى. وجدت ألبومات متعددة تعود إلى زمن قديم، ترسم أشكال الطفولة وملامحها التي تنسحب رويدا رويدا، كلما تقدم السن. وفجأة، وجدتني أبحث في كل الأمكنة عن الصور أولا، وأترك المكتوب. لا أريد أن أقرأ أية مخطوطات الآن. أريد فقط أن أتشبع بالصور الكثيرة الموجودة في هذه الغرفة. سأترك المخطوطات لاحقا، حتى أكتشف إثمها في ما بعد. سأعشقها على مهلي. وضعت أمامي صورا كثيرة، كلها  توقفت في سن الثلاثين أو تعدتها بقليل. بدأت أبحث عن شكله الآن، ألم يبعث صورا في هذه المرحلة من العمر؟ لماذا توقفت الصور؟ سيكون في العقد الأربعيني، كما أخبرني العجوزان. لا شك أنه سيكون وسيما في هذا العمر. في هذه الصور، كان يبدو جذابا، أخاذا. شيء ما يجعلني أسقط في غرامه، شيء ما من سحره. خمنت كثيرا في هذه الجاذبية، هل تكون نابعة من غيابه؟ من صوره القديمة، من زمن آخر، ربما نسجته الأعوام العشر التي حكى فيها العجوزان عنه؟ لكن لماذا كانا يتحفظان على صوره؟ هل كانا يخشيان أن أعشقه، أن أشاركهما عشقه؟ ولماذا سلمني العجوز أوراق الانتظار؟ هل كان يراني قريبة منه؟

سأترك كل شيء جانبا، وأحمل الصور معي إلى الخارج، هناك وضعتها على المكان الذي ضم والديه سنوات طويلة جدا، وهيأت لها شايا معتقا، وجلست أرتشفه وأنا أستمع إلى الأسطوانات العتيقة. كان ينقص جلساتي هذه الصور القديمة. بدأت أقبلها طويلا، وأصرخ: أريد أن أحب هذا المساء. أريد أن أحب هذا المساء…

لقد سقطت في عشق الصور. وقبلها، سقطت في عشق الذكريات العتيقة التي حكاها العجوزان. الآن، أتمم الحكاية. أحمل معي الصور في كل مكان، الصور تخبرني بأنني أرغب في هذا الشخص. شيء ما لا أدري ما هو يجعلني أتشبث به. شيء ما يجعل للصور العتيقة والذكريات طعمها الخاص. شيء ما يجعلني أعشق كل شيء مضى. غرقت في بحار غريبة، لماذا بدأت أحلم أحلام يقظة خاصة أرسمها كما أريد؟ هل الحب صنع؟

لا أدري لماذا تذكرت في تلك اللحظة  قصة “غراديفا”، حين هام نوربير هانولد عشقا بغراديفا التي لم تكن سوى ثمثال… سقط في غرام مشيتها الراقصة، أية غرابة؟ هل صرت أشبهه؟

كان نوربير يقضي أيامه في علم الآثار، لكنني أمضيت أيامي في الجريدة والعشاق. في لائحتي العديد من المقالات والكثير من الهزائم في العشق. هل صرت أشبهه في البحث عن الحب؟

أدور في الغرفة، وأنا أرى عمر، يرقص معي برفق، رأيت عينيه الجميلتين الحالمتين، ورأيت تفاصيل جسده، ومررت بيدي على صدره وأنا أصرخ من النشوة: أنا أنتظرك… لن أرحل عن هذا المكان.

صحوت على سواد الليل، شعرت بالخوف لأنني أجالس الأموات والغائبين. وخفت أكثر حين بدأت أسأل نفسي، هل هذا المكان حقيقي ؟ هل هذا المكان من صنعي؟ هل خلقت هؤلاء الناس؟ لكن المكان موجود والصور والأشياء والجيران يعرفون العجوزين… هربت باتجاه بيتي، التقيت بالجارة، تعمدت أن أحييها وأن أتحدث عن العجوزين وعن غيابهما، وتأكدت أنها على علم بهما… دخلت بيتي وأنا في غياب تام، وجلست لأجد أنني حملت معي صورا كثيرة لعمر، وضعتها أمامي، وقلت له بأعلى صوتي: سأحبك هذا المساء. كم كنت في حاجة إلى عالمك .

كان علي أن أعود في اليوم الموالي، لأشرع في قراءة المخطوطات الكثيرة… دخلت حديقتي السرية، وبدأت أقرأ ما لذ وطاب من الرسائل الموجهة إلى العجوزين، وهو يحكي عن غربته هناك ورغبته في العودة يوما ما إليهما. عثرت على مخطوطات ملفوفة… برديات عتيقة، فتحتها وقرأت: رسائل إلى علياء.

شعرت بالخوف والغيرة. من ستكون هذه المرأة ؟

لكنني غرقت في الحروف والكلمات والألوان الغريبة، التي يشبه بها هذه المرأة المتحولة على الدوام، غير الثابتة، التي تحتمل كل الأحلام والرغبات. كانت رسائل موجهة إلى امرأة مصنوعة، أو مرغوب فيها، هل رأى تلك المرأة أم رغب في رؤيتها ؟ لست أدري، ولكنني وجدتني أفترض افتراضا قاتلا لي: أأكون أنا المرأة التي كان يبحث عنها؟ وجدتني أتلقى الرسائل وألتهم المخطوطات العنيفة بحب. كم أهداني من الصور والرغبات، كم جعلني أهيم بين الكلمات، كم قبلته… ألف مرة، كم رأيته ينظر إلي وكأنه يراني، ويرغب في… كان يبحث عن الحب الحقيقي. كان يتحدث عن العشيقات المزيفات اللواتي عرفهن واللواتي لا يمتلكن أي حس، كان يبحث عني بكل تأكيد…أنا… علياء…

نهضت من مكاني، واتجهت إلى النافذة. بدا لي العجوز وقد سلمني مفاتيحه السرية، وكأنه سلمني عشقا وانتظارا قاتلا. صرت أنتظره، مثل العجوزين تماما. وبدأت أعشق مخدعه السري. كل مساء أذهب إلى البيت وأفتح الأسرار… عشت شهورا متعددة أنتظر، وصرت أعشق هذا الرجل وأعشق انتظاره. بدأت أعتاد الجلوس معه، لم أكن أعرف أنني كنت ألهث خلف شيء ما… لست أدري ما هو، ولم أحصل عليه طيلة هذه السنوات التي مرت. أدرت أسطوانة فيروز، وأنا أتجول في المنزل الحبيب، تنطلق فيروز في أغنيتها التي حدثني عنها العجوز طويلا، وكانت مدار حديثنا ذات مساء، كانت الأغنية” نسمت” لسعيد عقل. وكان المقطع الذي تكرره فيروز يضغط على قلبي الآن أكثر من أي وقت مضى، وكأنني أسمعها لأول مرة.

” ويحه ذات تلاقينا على

سندس الغوطة والدنيا غروب

قال لي أشياء لا أعرفها

كالعصافير تنائي وتؤوب”

كنت أنتظر هذه الأشياء التي لا أعرفها…

ولأول مرة، منذ بدأت أدخل هذا البيت، أسمع طرقا على الباب، شعرت بنوع من الوجل الخفيف، وأنا أفتح. وجدت رجلا أربعينيا قبالتي. حياني ودخل. سلمت عليه بحرارة شعرت أنه استغربها، وطلبت منه أن يجلس. تغير كثيرا عن الصور. هذا ما قلت لنفسي وأنا أنظر إليه. وقبل أن ينطق، قلت له بحرارة بالغة:

– أنت عمر، لقد انتظرتك طويلا…

بذهول غريب، قال لي:

– لست عمر، أنا كريم صديق عمره، جئت لزيارة العجوزين.

شعرت بخيبة عميقة، وجلست بالقرب منه:

– لقد توفي العجوزان منذ شهور.

بدت ملامح الأسى على وجهه:

– للأسف، تمنيت لو رأيتهما قبل مماتهما، أو لو حضرت الجنازة. ولكن من أنت؟

– أنا جارتهما وصديقتهما الوحيدة في هذا الحي. كانا قد كلفاني بالمنزل وبانتظار عمر. أين هو الآن؟

نظر إلي بدهشة غريبة، ثم قال لي:

– ظننتك تعرفين كل شيء يا سيدتي، عمر مات منذ ما يقرب من عشرين عاما…

صرخت دون أن أدري، ثم قلت:

– لا يمكن، لو عرفا بموته قبل موتهما لهزهما حزن بالغ…

– العجوزان يعرفان بموت ابنهما الوحيد، وهما من قام بدفنه…

– ولكنهما كانا ينتظرانه…

– سيدتي، عمر مات ضحية عنف في أمريكا، وقد عدت بتابوته، ودفناه هنا. لكن العجوزين أصرا على أنه ما يزال على قيد الحياة… ومنذ ذلك التاريخ، وهما ينتظرانه، بل إنهما ابتعدا عن العائلة وعن كل الأصدقاء الذين يتحدثون عن موته، وبقيت الوحيد الذي يستضيفونه، لأنني أتحدث عنه وكأنه ما يزال على قيد الحياة… صدقيني لولا هذا الاعتقاد لمات العجوزان منذ سنوات. لقد قررا أن يعيشا الحياة كما يرغبان، وأن يحبا بعضهما أكثر وأكثر. وأنا أزورهما كلما جئت إلى هنا…

أحسست بأنني سأتهاوى على الأرض… ماذا كنت أنتظر، صورا وذكريات وأحلاما وهواجس ورغبة. نظر إلي الرجل وقال:

– يبدو أنك صدمت بذلك…

– نعم…

– أنا أيضا صدمت، حين انقلب العجوزان إلى ذلك الحال. لكنني وجدت أن ابنهما كان الأمل الوحيد لهما في الحياة، وكان عليهما أن يجعلاه على قيد الحياة كي يستطيعا الحياة، الحياة دون انتظار موت يا سيدتي…

– نعم… كما يحدث لي الآن.

– عمر كان مختلفا جدا، عاش مسالما إلى حد كبير ومات ضحية عنف أحمق…

استأذنت من الرجل في أن أعود إلى بيتي قليلا، قال لي :

– ما رأيك أن نتعشى هنا معا، في هذا البيت؟

ذهلت من غرابة الطلب، لكنني مثل الذي لم يعد يعرف شيئا، أجبت:

– نعم…

– سأهيء العشاء… اسمعي أنا أحب المساء كثيرا وأحب هذا البيت، فلي فيه ذكريات كثيرة…

– وأنا أيضا أحب المساء وأحب هذا البيت…

عدت إلى بيتي، وأنا أشعر بهبوط ما ، لقد سلماني مفاتيح انتظار ذكريات ماضية، وكنت مهيئة تماما لأن أجعل الماضي حاضرا. كنت في حاجة لشيء ما… ولكنني تعلمت الانتظار والجلوس والإنصات العذب والأمل، لماذا لا أعيش هذا الانتظار؟ لماذا لا أكون مثل العجوزين وأقرر الحياة والأمل والحب حتى لو لم يكن هناك شخص ما.

الأشياء كلها تستحق الحب، الارتشافات الصغيرة للشاي، الكتابة من زمن لآخر لشخص ما، الهواء الذي أستنشقه في فصل الخريف المرتبك، الجارة التي أحييها وأنا ذاهبة للعمل، الأسطوانات المسروقة التي استمعت إليها في بيت العجوزين، الحب الذي منحتني رسائل عمر، الإيمان العميق بأنني علياء التي كان يصنعها عمر، الصور الكثيرة والعوالم الماضية، كل شيء يستحق الحب…

هيأت نفسي، أخذت دشا ساخنا، وأحسست أنني أريد أن أحب هذا المساء. لبست فستانا أبيض، ووضعت أقراطا سوداء، واستحممت بالعطر، حملت حقيبة اليد المطرزة، ولبست حذاء أبيض ذو كعب عال حتى أتراقص في مشيتي، ووضعت مساحيق صارخة لتبرز خطوط ملامحي التي نسيتها تماما، وقصدت المنزل… ورغم أن المفاتيح كانت معي، ضغطت على الزر، وانتظرت قليلا حتى انفتح الباب. كان أمامي كريم، وبنبرة هادئة ونظرة الإعجاب أفسح لي المجال لكي أدخل، وقال لي:

– أنت جميلة هذا المساء…

– تقولها وكأنك تعرفني قبل هذا المساء…

– نعم، أشعر بأنني أعرفك قبل هذا المساء .

قلت بداخلي:

– …أنا أريد أن أحب هذا المساء.

 

 

*كاتبة وباحثة من المغرب

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق