ثقافة المقال

دعونا نكسب الإيمان ولا نخسر العقل!

بلقيس الملحم*

حين يؤمن الإنسان بما لا يفقه, ويُحسَم السؤال بمنعه فيغدو مُسلَّما مسبق النتيجة, وتُحدُّ المعرفة بالحكمة. فسلِّم على العقول!! كان ولا بد أبدأ بهذه المقدمة التي تُعرِّي حقيقة ” منهج التعليم الديني” السائد لدينا, والذي لا يزال يُلقِّن الإجابة قبل السؤال: هذه فتوى علمائنا أو رأي مذهبنا أو عُرف بلادنا ويجب الاحتكام إليه وحده! ذلك بافتراض أننا الجهلاء والبسطاء, نعتقد ونحفظ ونردد دون النظر على مدى توافق عقولنا مع ما نؤمر به, فنحن الطَّيِّعون دائما والأقل من أن ندرك الحقيقة بأنفسنا, بينما خلق الله الإنسان ليفكر ويبحث عن الحقيقة. والسؤال هنا: ماذا لو كان مرشدك واهما وإن كان لك من الناصحين؟؟ كيف لك أن تتجاهل عقلك إلى هذا الحد من السذاجة؟

لا عيب في أن نرفض بعض ما يقولون وننقد ما يقدم لنا في مناهجنا الدينية, العيب أن لا نمتلك إجابة وافية حين نُسأل عما نفعل, فنحن مكلفون حين نكون عقلاء, بمعنى أن الفقه هو ما يقودنا لا الدين البحتيِّ المُلزِم التكليف!! ألا ندرك مغزى قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ” حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا” و ” استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك” هي دعوة للتعقل والفقه إذا قبل أن تكون دعوة للسلوك الديني الموروث الغير واعٍ؟ ألم يقل تبارك وتعالى “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ألم يقل ” لعلهم يتدبرون. يتفكرون. يتذكرون. يعقلون” فما وجدنا غير الموت جزاء نافذ فيمن كفر, والعقاب نافذ فيمن أذنب؟ في حين يفتح الله بابه للتوبة كل يوم. والتخيير يؤول للإنسان نفسه استقلالا بعقله ومصيره.. إلا أن المنهج السائد يرى غير ذلك حين يرى وجود عقل الإنسان مثل عدمه. في حين أن الله أوحى إلى النحل!

ينظرون إلينا بأننا فاسقون آبقون إن أبدينا وجهات النظر المُغايرة أو ناقشنا قائمة المحظورات والمحرمات التي تزيد وتنقص حسب مزاج الرأي العام!! متناسين بأنهم عجزوا عن إقناع غيرهم المختلفين ممن هم في نفس درجة العلم ولم يفلحوا سوى في إقناع البسطاء بثقافة التَّجهيل والتَّهويل والعجز والضعف. هم أنفسهم من يعتقد أن الأفكار والمعتقدات إنما هي بالوراثة والتقليد والتلقين والتربية والإكراه المباشر وغير المباشر, في حين ينكرون ذات المنهج على من يُقلِّد ويُلقِّن من غير مذاهبهم ورؤاهم. وهم بصدد إذهال المتلقِّي بمفردات تلهب عاطفته ولا تحرك عقله, مُحوِّلين مجتمعنا إلى عالم افتراضي يُمثِّل فيه الكاذبون أدوارا مفقودة بسمعهم وطاعتهم العلنية فقط والمثالية المُزيَّفة! والجميع سِواهم يدفع فواتير الأيدلوجيات والافتراضات المُحرَّمة والاجتهادات المذهبية, متجاهلين بأن الإنسان بإمكانه الانضواء تحت راية الدين دون المذهب التقنيني, فهو يستطيع بنفسه أن يتصور ويتخيل ويحكم ويقبل ويرفض..

دعونا إذا نكسب الإيمان ولا نخسر العقل وإن كان لنا ذلك فلا بد من رفع الحصانة عن الآراء المذهبية والاجتهادات الفقهية والموروث الطائفي وهذا محال في ” منهجنا وللأسف” إذ تعطيل العقل هي الغاية وهي بمعنى أن إكراه الآخرين واستغفال عقولهم هو ضمان لبقاء الدين وكأن الدين يُخشى عليه من الفشل؟؟ في حين أن العبد يسأل بشكل فردي يوم القيامة وهو على نفسه بصير, لذا نجد الخطاب الديني التعليمي للأسف وبطريقة غير مباشرة يقول وبكل صراحة: مسموح بالنفاق. أو قل مجبورون على النفاق, بغض النظر عن قناعة الإنسان واحترام عقله وتفكيره.

متى يدركون بأن الفكر, هو المنطق والقناعة والبرهان والحرية والبحث المسؤولية والحجة والفهم وهو نتاج لتحريك العقل لا ما يُحفظ ما قاله الآخرون..

ليس عيبا ولا جرما ولا ذنبا ألا أقتنع برأي غيري من منظومتي الدينية ولا مجبرا على الخرس أمام ما لم أقتنع به من مدرستي الفقهية التي أنتمي إليها. فالاجتهاد يُلزم به من اختار لنفسه الاجتهاد والعداء للطائفة الأخرى مجبر عليه من أراد لنفسه هذا الشقاء !!

*شاعرة وكاتبة من السعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق