قراءات ودراسات

أساتذة العدم والضّجر واليأس في الأدب الأوروبيّ

أنس إبراهيم

“إنّ جريمة الإنسان الكبرى هي أنّه وُلد”، قال بدرو كالديرون دي لا باركا (1600-1681)، وعندما نقرأ في أدب “أساتذة العدم”، شوبنهار، سيوران، بيكيت، بيرنهارد، كونديرا، وغيرهم، سنجدُ هذه الجُملة وقد ظلَّت تكتب بصيغ متعدّدة كأنّها جوهر مئات مسرحيّات العبث كرائعة بيكيت “في انتظار غودو”، والرّوايات كـ”الخلود” لكونديرا، والنُصوص الأدبيّة الفلسفية كـ”العالم كإرادة وتصوّر” لشوبنهاور؛ وكذلك في الأدب الأوروبي، الذي كُتبت معظم نصوصه بعد النّصف الثاني من القرن المُنصرم، وشاعت حتّى صار لها تأثيرٌ سحريّ على “عُشّاق السواد” في أوروبا والعالم.

بثلاث مسلّمات أساسيّة، تختصِرُ نانسي هيوستن تقديم كِتابها “أساتذة اليأس، النزعة العدمية في الأدب الأوروبي”، بترجمة وليد السويركي (كلمة، 2012). وهي: أولًا، النُخبويّة والأنانية، بافتراض مفاده أنّ أغلب البشر لا يستحقون أن يُسمُّوا أفرادًا، فهُم يشكِّلون كتلة متجانسة، محكومة بغريزة القطيع، مبتذلة وامتثاليّة وغبيّة. لكنّ “أستاذ اليأس” يحيا ذاته كشخص متوحّد، يحتمل العزلة ويدلِّلها ويجعلها واقعه الوحيد. وفي الآن ذاته فهي، أي العزلة، عقيرته بالشكوى مما تجرُّ عليه من آلام نفسيّة وعقليّة. ثانيًا، الاشمئزازُ من الأنثويّ الذي تمثّل به الأمّ، من يقذف بنا في الزمن وفي العالم، والولادة هي “جريمة الإنسان الكُبرى”. وأخيرًا، احتقار الحياة الأرضيّة، إذ ليس هناك في الوجود ما يمكن النّظر إليه سوى الحقائق المرعبة: العزلة، القابلية للفناء، تسرُّب الزمن، تحلُّل الجسد. وبما أنّ العالم ينظر إليه كمسرح لحركة دائمة الارتجال غريبة ومضحكة، فالعدميّ ينأى بنفسه عن هذا كلّه، في عزلته.

يتشبّه العدميُّ بالرب الإله؛ منعزل، مترفّع، خالِق، كاره للأنثويّ والتّناسل. وفي زمَنٍ مضى، كان الإنسان ينظر إلى نفسه بوصفهِ جزءًا من هذا العالم غير منفصل عنه. لكن في لحظة ما من التّاريخ، انفصل الإنسان عن العالم، وأدرك حضوره في العالم بوصفه عبثًا.

تؤرِّخ هيوستن بشكلٍ سريع لهذه اللّحظة في مقدمّة كتابها، لكنّها في النهاية تصل إلى أنّ هذه اللحظة، وهذا التهدّم في حالة الانسجام المتخيّلة بين الإنسان والعالم، هما ما قادا في النّهاية إلى “النزعة العدميّة” في الأدب الأوروبيّ. وهي النّزعة التي استعرضتها من خلال نصوص العديد من الكُتّاب، منهُم آرثر شوبنهار، إميل سيوران، وصامويل بيكيت.

آرثر شوبنهاور: “بابا عدم”!

“الإرادة، كمُرادف لمفهوم الغرائز عند فرويد في التحليل النفسيّ، هي جوهر الأشياء قاطبة في هذا الكون، والمادة الأصيلة الوحيدة لأيّ ظاهرة من الظواهر”. ولكن، من يُريدْ؟ ليس نحن من يُريد حقًا، إنها الطّبيعة، النّوع والعالم. وباختصار، إنّ ما يحرِّك الإنسان حقًا عند شوبنهار هو الدّوافع والنزوات غير الخاضعة لسيطرته، ولذا، فلا فائدة حقًا من النّدم على أفعال الماضي، فإنْ “كُنَّا تصرَّفنا على نحوٍ ما، فلأنّه لم يكن بوسعنا التصرّف على نحوٍ آخر”.

الحريّة إذًا تعادل الوهم البشريّ عند “بابا عدم” شوبنهار، كما تصفه هيوستن في كتابها. والبشر محكومون بالإرادة التي تسبقهم وتتجاوزهم، فنحنُ لا نملك من الأمر شيئًا؛ “مجرّد ظواهر عارضة” لـ”إرادة العالم”. وضمن هذا المنطق، فإنّ الفرد بحدّ ذاته غير مهمّ البتّة، فهو ليس سوى تجسيد عابر، وسرعان ما يحلّ محلُّه الجيل اللاحق.. فالذي يهمّ “الإرادة”، كما يفهمها شوبنهاور، هو استمرار الحياة في حدّ ذاتها، موضِّحا هذه الفكرة بكلماته: “مثل تتابع قطرات الماء من الشلّال الهادر بسرعة البرق، فيما قوس قزح، التي هي وسيطه، ثابتة في سكون الراحة، لا يصيبها شيء من تلك التبدُّلات المتواصلة، هكذا تبقى كلّ فكرة أو تصوّر، أي كل نوع من الكائنات الحيّة، عصيًّا تمامًا على التتابع المستمر للأفراد. والحال، أنّه، في الفكرة، أو في النوع، تتجذّر إرادة الحياة في الواقع وتتجلّى، ولهذا أيضًا، فإنّ المهم فقط هو استمرار هذه الإرادة. وعلى سبيل المثال، فإنّ الأسود التي تولد وتموت هي مثل قطرات الشلال، لكنّ فكرة “الأسد”، أو شكله، يشبهان قوس قزح الذي لا يتبدّل من فكرة الشلّال”.

تعلّق هيوستن: “يموت الفرد إذًا، لكنّ النوع يبقى”. ووصولًا إلى “السّواد المُطلق”، أو “العدم المطلق”، ينطلق شوبنهار من هذه الفكرة الأساسيّة لديه عن لا أهميّة الفرد، إلى ضرورة الكفّ عن مخافة الموت. بل، على النّقيض من ذلك، يجبُ أن نرغب فيه فهو خير ما يمكن أن يحدث لنا: “إنّ الموت هو الفرصة العظيمة لكي يكفّ الإنسان عن أن يكون “الأنا”: وطوبى لمن يغتنم هذه الفرصة”. وإذا لم يكن الموت خير ما يمكن أن يكون، فإنّ اللاكينونة هي خير الأمور جميعًا، مؤكّدًا: “إنّ السعادة الوحيدة هي أن لا تولد”. وهنا تعلّق هيوستن: “يا للأحمقِ الكبير! كأنّ السعادة يمكن أن توجد دون “أنا” تشعر بها! وكأنّ هذه الأنا يمكن أن توجد دون جسد”!

صامويل بيكيت: “ولادتي كانت خسارتي”

الأجساد لدى بيكيت محكومة، بطريقة أو بأخرى، برعبه الأصليّ من الأماكن المغلقة، وإذًا بالثّبات. فلاديمير وأستروجين ينتظران غودو، في ثبات مرعب، أجساد أخرى سجينة في مزهريات، أو مدفونة في الرمال حتى العنق، أو عالقة في خندق، أو مستلقيّة على ظهرها بشكل دائم، وأخيرًا، الرّاوي في “اللامسمَّى”، مزروعًا في جرّة تبتلعه بالتدريج. ذلك هو عالم بيكيت المسرحيّ، الذي منه تبدأ هيوستن زيارتها إلى بيكيت، وتستبقه بكلماته عن ذاكرته التي تعود إلى ما قبل الولادة: “أتذكّر شعوري بأنَّني كنت محشورًا، حبيسًا، وغير قادر على الإفلات. كنت أبكي كي يسمحوا لي بالخروج لكنّ أحدًا ما لم يكن يسمعني. لم يكن يصغي إليّ أحد. أتذكّر أنَّني كنت أعاني دون أن يكون بوسعي التخفيف من تلك المعاناة بأيّة طريقة”. هذه الكلمات كما تُسمِّيها هيوستن “إعادة تركيب لاحقة” للذاكرة عن حدثٍ لم يكن ممكنًا لكائن في رحم أمّه أن يختبره، لكنّ تلك الصّورة هي التي حدّدت علاقة بيكيت بالعالم، وبالمرأة، وأورثته رعبًا من الأماكن المغلقة ومن الثّبات والانتظار والعجز.

علاقة مشوَّهة مع الأم “ماي”، وكذلك علاقة مشوّهة مع الأب “بيل”، وفي نظر هيوستن، عانى بيكيت، كغيره من “عشّاق السّواد” كما تُسمّيهم، من عقدة مشتركة لديهم جميعًا: التناقض الوجداني. أن يحب بيكيت أمّه وهي تمنعه من أن يعيش حياته كما يرغب. أي أنّه يحبّ من يحول بينه وبين أن يعيش حياته؛ وهكذا فلا يمكن له إلَّا أن يرغب بالموت، وأن يعمل في مساحة ضيّقة يصعب فيها التنفّس.

ولكن إبّان الحرب العالمية الثانية قرّر بيكيت مغادرة إيرلندا وترك أمّه ووطنه نهائيًا. وانتهت الحرب التي شارك فيها بيكيت بصفته “صندوق بريد” استخباراتي، لتكون تجربة في “التقشّف” اللغوي، التي ستؤثّر على كتابته لاحقًا التي اتّسمت بالاقتضاب والوضوح والمباشرة. ويشدّد بيكيت على أنّ طابع مقاومته كان شخصيًا وفرديًا، ولم يكن وطنيًا أبدًا: “كنت أناضل ضدّ الألمان الذين كانوا يحيلون حياة أصدقائي إلى جحيم وليس من أجل الأمّة الفرنسيّة”، ذلك أنّه كان يعيش في فرنسا آنذاك.

لكن بعد الحرب، تراكمت الذّنوب. رأى الحرب وقد أوغلت في التّدمير، فشعر بالذّنب لأنه لم يستطع منع وقوع الكارثة، ولأنّه ترك أصدقاءه المقرّبين يموتون ولم يمت هو نفسه، ولأنّه ترك أمّه وحيدة طوال سنوات الحرب. تراكمت “حجارة” الذنب، ولم يتبقّ سوى تجربة “الإشراق”. وكانت التّجربة في زيارة قصيرة له لغرفة أمّه، وصفها في رسالة إلى صديقه جيمس نولسون: “أدركتُ أنّني أذهب، من جهتي، نحو التقشّف، نحو خسارة المعرفة والحذف، نحو الطّرح لا الجمع”. وكانت آخر خطوات بيكيت في اتّجاه خسران المعرفة، الكتابة بالفرنسيّة، بلغة أجنبيّة، كحال آخرين عاشوا التّجربة ذاتها؛ ميلان كونديرا وسيوران وغيرهما.

الفرنسيّة تعيق في مكان، ولكنّها تُحرِّرهُ في مكان آخر؛ من جويس، عملاق الأدب الإيرلندي، ومن كلّية ترينيتي، من إيرلندا، ومن الطفولة.. “لقد صار كاتبًا”، لمّا قطع علاقته بالماضي تمامًا بلغة أجنبيّة. ومن هناك، لن يهتمّ بالإنسان إلَّا بوصفه “لا يعرف ولا يستطيع”، ليصل لاحقًا إلى عبقريّة تتوّجها جائزة نوبل، وإلى ملاحظة أخيرة بشأن الإنسان على لسان بوتزو في “في انتظار غودو” بأنّ النساء “يلدن منفرجات السيقان فوق القبر”، أي “لا نكادُ نولد حتى نموت؛ وما يحدث بين الواقعتين لا يستحقّ الذكر”، مجرّد “حشرجة مستهلّة”.

إميل سيوران: في الضّجر، كما هو، أو كما هو متخيّل

“الضّجر” يحبّ الرفقة، كما البؤس. وهو في سنّ الخامسة، أصيب الطّفل الصّغير إميل سيوران بالضجر. أتخيّله جالسًا فوق سور المقبرة التي كان مواظبًا على الذّهاب إليها للعب الكرة بـ”الجماجم البشريّة”، تلك التي كان يهديه إيَّاها حفّار القبور في تلك المقبرة. هناك يجلس إميل الصّغير، وتصيبه نوبة ضجر مفاجئة: “كانت نوبة الضّجر تلك التي أصابتني بعد ظهر يوم لن أنساه أبدًا، أوّل يقظة وعي حقيقيّة لي.. لولا الضّجر لما كان لي هويّة.. الضجر هو العثور على الذّات – بإدراك بطلانها”. ألقت تلك النّوبة العدم مصاحبًا الضّجر في قلب سيوران إلى الأبد، لتدفعه إلى إقرار حقيقة واحدة وحيدة: العدم هو كلّ شيء، وفي كلّ شيء، من قلب الطّفل الصغير، إلى الثّورات الكبرى التي يرى سيوران العدم رازحًا في حواشيها وهوامشها، يطلّ عليها من نافذته متربّصًا بها كأنّه كما وصف نفسه مرارًا “رسول العدم”. ومن نافذته ينظر إليها هازئًا من تلك الأصوات الشابّة الغاضبة على العالم مصرّة على تغييره، واثقًا من نبوءته التي جاء كي يكتبها في مياهه الملوّنة بالغرق؛ العدم هو السيّد، يصاحبه الضّجر، رفيقهما البُؤس، فكفُّوا عن رغبتكم بتغيير العالم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق