قراءات ودراسات

كتابة القصة القصيرة ل هالى بيرنت

عرض وتقديم د.محمد عبدالحليم غنيم

يقولون فى الغرب : ” حتى الآن لا تزال معالم القصة القصيرة غير محددة كفن أدبى ” أما عندنا فحدث ولا حرج ، فكم من كتابات هنا وهناك ، يطلق عليه اسم قصة قصيرةوهى أبعد ما تكون عن هذا الفن .. والواقع أننا كقراء وكتاب قصة قصيرة ونقاد على السواء فى حاجة إلى قراءة هذا الكتاب الصغير عن فن القصة القصيرة والذى ترجمه إلى العربية فى لغة سهلة المترجم والكاتب المعروف أحمد عمر شاهين ونقف أولا عند التعريف بمؤلفة الكتاب : ” هالى بيرنت ” يقول عنها المترجم انها عملت فى مجال القصة القصيرة كاتبة ومشرفة على مجلة القصة : ” story ” الأمريكية لمدة تقارب الأربعين عاما ، وقد اكتسب خبرة كبيرة من خلال قراءة آلاف القصص واكتشفت عددا لا بأس به من كبار الكتاب الأمريكيين المعاصرين .
ونترك المؤلفة جانبا لتنفحص الكتاب فنجده قد جاء فى تسعة فصول قصيرة ذيلت بعدد من نماذج القصة القصيرة لستة من كبار الكتاب فى هذا الفن .
فى الفصل الأول الذى جاء تحت عنوان : ” ما هى القصة ؟ وكيف تكون قصاصا ؟ ” تورد المؤلفة عدة تعريفات للقصة القصيرة على لسان مجموعة من كبار الكتاب ، فيعرفها أرسين كالدويل “بأنها حكاية خيالية لها معنى ، ممتعة بحيث تجذب انتباه القارئ وعميقة بحيث تعبر عن الطبيعة البشرية ” وترى الكاتبة الأمريكية كاترين آن بورتر: أن على القصة القصيرة أن تقدم فكرة فى المقام الأول ثم وجهة نظر ومعلومة ما عن الطبيعة البشرية بحس عميق وفى النهاية يأتى الأسلوب ”
ولأن المؤلفة معنية بهذا القارئ الذى يريد أن يصبح كاتبا فإنها تنصحه أن يستثمر تجاربه الذاتية فى كتابة القصة القصيرة التى هى فى النهاية مزيج من الواقع والخيال ، فيقول سومرست موم ” لا شىء يحدث فى حياة الكاتب ولا يمكن استخدامه فى القصة ” وما على الكاتب بعد ذلك إلا أن يستجيب لشيطانه الإبداعى ” حين يسيطر عليك شيطانك الإبداعى لا تحاول أن تفكر بوعى ” ألق بنفسك فى التيار وأطع ” ومن المؤكد أن الموهبة كفيلة بالباقى .
وفى الفصل الثانى : ” البحث عن قصة – الذاكرة والقصة ” ترى المؤلفة إنه لابد أن يكون لدينا شىء نقوله إذا أردنا كتابة قصة قصيرة وهنا تلعب الذاكرة ومعها الأحلام دورا كبيرا بوصفهما مادة لبناء أحداث القصة أو الحبكة على حد قولها ” إن ترتيب أجزاء الذاكرة والإبداع والخيال كل ذلك هو الذى يكون المادة التى نعرفها جميعا باسم الحبكة ، وهى فى الغالب أساسية للقصة ”
ولعله من المفيد أن ورد كلمات المؤلفة عن أهمية الحبكة ، إذ تقول : ” ما زالت الحبكة ضرورية للقصة كالعصب الذى يجرى بطول يرقة الحشرة يوجه حركتها وتقدمها نحو هدفها ، الحبكة وسيلة للحفاظ على حركة الشخصيات وشد مشاركة القارئ إلى نهاية القصة ، وهى الحبل الذى نعلق عليه حب الاستطلاع والتشويق والدراما والسلوك البشرى والإحساس بالزمن، وبدون الحبكة فمن المرجح ألا يهتم القارئ كثيرا بمتابعة القصة إلى النهاية ” و إذ تقول المؤلفة فى الفصل نفسه أن الحبكة لا تدهش القارىء فقط بل المؤلف أيضاً ، وأن الحبكة جيدة متعة لكل قارىء تطرح سؤالاً مهماً : وهو ما الذى يجعل من الحبكة حبكة جيدة ؟ و ترى أن مصدر الحبكة الجيدة هو التماسك و المنطق النابع من الحالة نفسها ، ثم وجهة النظر.و كعادة المؤلفة فى الاستئناس بأراء كبار الكتاب، تورد تجربة جان هجنز فى بناء الحبكة،إذ يقول : ” فى أعمالي المبكرة وقعت فى مصيدة التفكير بالحبكة أولاً ، ثم أخلق الشخصيات لتحقيقها .الآن أبدأ بتصور، ثم أخلق الشخصيات وأدعها تقوم بتصرفاتها الطبيعية وعمل الحبكة لما تحدث فى الحياة ”
وفى الفصل الثالث ” الشخصيات ” تقول المؤلفة ” ما الإبداع الروائي و القصصي إلا دراسة و تأمل لشخصية المؤلف والآخرين ، على أية حال نحن فى القصة القصيرة نركز على شخصية واحدة فأية قصة قصيرة تبني بالدرجة الأولي على الاهتمام بشخص واحد و التركيز على دوره فى الحياة . وعلى الكاتب أن يكتب عن شخصيات يعرفها ، فكل الشخصيات لها بداية ما فى الواقع الحقيقي ، وغالباً ما نعتقد أننا نعرفها و نفهمها ، أو فشلنا فى فهمها ، و نأمل بعملية الكتابة أن نعرفها أفضل ، ومن الطبيعي أننا نكتب بشكل أفضل إذا كتبنا عن محيط أو بيئة نألفها بشكل كبير . وتدرك المؤلفة دور وجهة النظر فى بناء الشخصية ، فترى أن بناء الشخصية يرتبط بالطبع بوجهة النظر التي تتبناها لقصتك ، وتقارن بين سرد القصة بضمير المتكلم و سردها بالضمير الغائب ، و تعطية أهمية أكبر للأخير حيث يسمح بمدي أكبر فى الاقتراب من عقول و نيات الشخصيات الأخرى . فالسرد بالضمير المتكلم لا يتيح فرصة للرؤية فى كل مكان إلا عن طريق السماع ، و لكن بدون ضمير متكلم ، يمكنك أن تغطي وجهات نظر عديدة بما فيها الراوي العليم بكل شىء .
و فى ختام هذا الفصل تنصح المؤلفة الكاتب بأن يتبع الملاحظة الآتية :
1 – يمكنك إضافة الحيوية و الصدق و الشرعية على شخصياتك بأن تدع شخصيات أخرى تتحدث عنها بشكل جيد أو ردئ بتعاطف أو نفور قبل أن تظهر فى المشهد و بعده .
2 – قف خارج شخصيتك و انظر داخلها ثم ازحف و تقمصها .
3 – انظر إلى ردود أفعال شخصياتك و تبريراتها ، فى سلوكك أنت و حاول أن تجد فضائل أو عادات مشابهة داخلك ، و حاول أن تفهما جيداً حتى لو أدنتها .
4 – جرب هذه الوسيلة الخيالية : ضع صفات شخصية ما فى جسد شخصية أخرى ، أعط فستان إحدي السيدات لسيد أخرى ، أعط أطفالاً لامرأة لا تنجب الأطفال و انظر كيف يؤثر ذلك على شخصياتك .
و نواصل مع المؤلفة عرض فصول الكتاب ، ونقف عند الفصل الرابع الذى جاء تحت عنوان ” الأسلوب” فتعرفه من خلال أراء كتاب القصة ، فالأسلوب هو أساس فن الأدب ، بالأسلوب تكتشف نفسك ثم تقدمها للعالم لتقول ما تريد قوله، وإذا كانت لك شخصيتك الخاصة فلابد أن يكون لك أسلوبك الخاص ، وواضح أن العبارات السابقة لا تعرف الأسلوب بقدر ما تؤكد أهميته فى القصة والأدب عامة .
لكن ما هو الأسلوب ؟
الواقع أن المؤلفة هنا لا تعطينا إجابة شافية ، و كعادتها تحيلنا على أراء كبار الكتاب لتدعم به ما يؤكد وجهة نظرها فى أهمية الأسلوب و مفهومه و وظيفته ” إن ما يحدث فى القصة هو الذى له الاعتبار الأكبر ، وأهمية الأسلوب الناجح هو أن يقدم الحقاق التي تود أن تقصها بتأثير و إقناع أكبر ، مع الوضع فى الاعتبار أن الأسلوب النثري ليس شعراً ، كما أن الأسلوب الجيد لا يعني استخدام الكلمات غير الشائعة ، و لكن استخدام الكلمات العادية بطريقة غير شائعة ” ثم نختتم هذا الفصل بعبارة للناقد سدني كوكس حيث يرى أن الأسلوب هو المحرك الفعال لتقديم وجهة نظرك ، إنه نعم الخيال الحر، إنه ذاتك و أعماقك الغامضة ، و حين تركز ذاتك فى عملك ، دون أن تترك جزءاً منك يقف ناقداً أو معجباً أو مرشداً ، فلا عجب إن كتبت ما لا تعرف أنك تملكه .
وفى الفصل الخامس ” الكاتب و الكاتبة ” تتحدث المؤلفة عن عادات و طقوس الكتاب عند الكتابة ، مثل همنجواي و سنكير لويس و وفركنر و الخلاصة أن مهنة الكتاب شاقة و صعبة ، لكنها لذيدة و ممتعة ، و تقول على لسان كاترين آن يورتر ” على الكاتب ألا ينتظر الوحي و الإلهام ، بل يعمل على استحضارهما ، فالكتابة ليست قضاء وقت فراغ جميل ، و هي ليست شيئاً يحدث بلا ألم بل هي مهنة مرهقة وجادة ” ويقول فوكنر ذات مرة فى مقابلة معه ، أنه يعتبر الكتابة 99% موهبة ، 99% نظام ، 99% عمل و أضاف على الكاتب ألا يقنع أبداً بما يعمل و أنه ليس ممتازاً بالقدر الذى كان يمكن أن يحققه .
فى الفصول السادس و السابع و الثامن على التوالي تتحدث المؤلفة عن مراحل القصة ، فجاءت عنوانين الفصول على النحو التالي ” البداية – المواصلة حتى النهاية – المراحل النهائية ” وترى المؤلفة أن البداية القوية جوهرية للقصة القصيرة فإذا لم تستطع أن تشد انتباه القارىء من البداية و تجعله يتعلق بالقصة فلا فائدة من الاستمرار. و لأن مرحلة البداية مهمة جداً تنصح المؤلفة الكتاب بألا يتحدثوا عن القصة قبل كتابتها ، لأنه إذا حدث فالكتابة الفعلية لن تحدث أبداً فى أغلب الحالات ، و تقدم المؤلفة نصيحة أخرى فى صورة تحذير فتقول ” تحذير آخر أسوقه لكاتب القصة القصيرة لا تكتب أبداً قصة حكاها لك شخص آخر ، فقد تبدو جديدة و أصلية حينما تسمعها لكنها غالباً تبدو غير ذلك ، ثم على الكاتب أخيراً أن يكون واثقاً من حبكته منذ البداية حتى النهاية ، فالكاتب الأرجنتيني ( يورخيس ) يتحسس الحبكة منذ لحظة البدء فى الكتابة و ليس قبل ذلك . يقول : حين أبدأ الكتابة ، أستخدم الطريقة الخاطئة ، أكتب فقرة فقرة و أغير ما أشاء و أنا أكتب ، حتى أجد الطريقة المناسبة لسرد القصة ، فأنطلق بقدر ما أستطيع ، ثم أعود ثانية لأعيد الكتابة ، وشطب ما ليس له لزوم ”
وترى المؤلفة أن أهم الفضائل فى العملية الإبداعية أن يغرس الكاتب فى نفسه القدرة على مواصلة الكتابة وإنهاء ما بدأه فى أول ومضة إلهام جاءته ، فمئات من القصص لم تتعد الفقرة الثانية و بعضها لم يتعد العنوان . إذن ما المطلوب من الكاتب لكى يواصل كتابته بدون انقطاع ؟ الواقع أن أفضل إجابة لهذا السؤال فى رأيى ليس تجربة المؤلفة فى نفسها فى أخذ أجازة قصيرة جداً لتناول مشروب أو بعض الطعام أو الانغماس فى محادثة تافهة مع صديق … ثم العودة إلى المكتب و الاندماج فى القصة من جديد من البداية ، و لكن تجربة الكاتب ” شين أوفاولين ” التي أوردتها فى نهاية هذا الفصل ، حيث يقول ” إن الكاتب هو العين التي تكتشف الهدف ، مثل الكاميرا تبدأ فى الحركة من زاوية إلى أخرى ، تتراجع مسافة لتلتقط مشهداً كبيراً ، و تنزلق بخفة من شخصية إلى أخرى ، و فى كل ذلك تركز تماماً على الاتجاه الذى نريد ، فحين تنحرف عن الهدف قليلاً ، فى القصة التي نكتبها قد نتوقف ، لكن ما نلبث أن نعود أخيراً للتطور المنطقي للسبب نفسه الذى اخترناه من البداية ”
فى الفصل الثامن ” المراحل النهاية ” تقول المؤلفة أنه من الصعب على الإنسان الحكم على عمله بالنجاح بعد الانتهاء منه مباشرة ، لذلك من الأفضل للكاتب أن يبتعد عن عمله الجديد لمدة يومين على الأقل أو أسبوع على الأكثر . إذن على الكاتب أن يعود إلى قصته محاولاً أن يراها و كأنه كاتب آخر قد كتبها ، و فى هذه الحالة يستطيع أن يتبين أوجه القصور أو الضعف فيها . ثم يبدأ يعد ذلك فى كتابة قصة من جديد و هنا تنصح المؤلفة الكتاب بألا يستعينوا بصفحات من الكتابة السابقة فى الكتابة الجديدة .
” ملاحظات أخيرة “هو عنوان الفصل الأخير لهذا الكتاب الذى بين أيدينا ، فما أهم الملاحظات التي تزودنا بها المؤلفة ؟ فى الواقع هي ملاحظات متعلقة بكيفية النشر فى المجلات الأدبية، لكن الأهم من هذا ، والذى يستحق أن نقف عنده هو نصحية المؤلفة للكتاب بقراءة أعمال كتاب القصة العظام و أفضل المعاصرين ، وأن على الكاتب ألا يقلد أحداً حين يكتب، وعليه أن يبتعد عن العواطف السقيمة والحشو و الشفقة على النفس و الوعظ و الخطأ فى النحو، والتعصب والكسل و بذلك نتجنب الركود لآخر العمر .
أما نحن فنرجو أن يكون عرضنا قد جاء وافياً شاملاً ، ولعله بعد ذلك يدفع القراء والكتاب إلى قراءة الكتاب بإمعان ، إلى الجانب قراءة القصص الملحقة به ، وهي كما أشرنا سابقاً لكبار كتاب القصة القصيرة المعروفين فى هذا العالم ، إذا تمثل نماذج فنية راقية لهذا الفن .

الهوامش :
كتابة القصة القصيرة ، تأليف هالى بيرنت ، ترجمة أحمدعمر شاهين ، دار الهلال ، القاهرة ، 1996
On Writing the Short Story
by
Hallie Burnett

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق