ثقافة السرد

عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- الجزء 32-

صبحي فحماوي

هذا ما حصل لعنان. وأما أولاد ناجي السبع، الذين كبروا في ولاية نفطستان، وهم يشعرون بامتلاك أبيهم للأموال، بينما هم ما يزالون يعيشون حياة أبناء الطبقة المتوسطة، فلقد انفجر ابنه جوهر، وبقّ الحصوة في وجهه قائلاً:” الحياة اختلفت يا أبي”! وقالت له ابنته جواهر:” الناس يقولون: أبوكم مليونير، وأنتم شحادون “! وتجرأت أمهم سلمى لأول مرّة، وقالت:” لماذا لا تكون عندنا سيارة فخمة آخر طراز؟ هل نحن ناقصون، أم إننا لا نستحق الحياة “؟ وهنا تجرّأ جوهر فأضاف: “لمن ستترك هذه الأموال يا أبي بعد ما تموت! إن شاء الله بعد مئة سنة “؟ فقالت أمه: ” كفى الله الشّر! إخرس يا ولد! “فال الله ولا فالك “! فقال جوهر، حافظاً خط رجعته:” لقد قلت: بعد مئة سنة يا اماه “! ثم طالب والده قائلاً:” لماذا لا نشترك بنادي البحر الرياضي”؟ فقالت الأم :” الأولى أن نسافر ونزور بلاد الله الواسعة “؟ وقالت جواهر:” أتمنى أن نسهر كل أسبوع في فندق من فنادق النجوم الخمسة، ونتعشى هناك ”
كان ناجي السبع يسمع هذه التظاهرة الأسرية وهو صامت. حاول أن يفهم رأي الآخرين. نظر إلى المرآة، فشاهد وجهه فقال:
” لقد كبرت يا ناجي! الأولاد معهم حق! صحيح! لماذا لا نستمتع بهذه الأموال قبل موتنا؟ إنهم لا يعلمون المعاناة التي عشناها في المعسكرات، والتي جعلت منا أناساً آخرين! أناساً مشوهين، مالياً واجتماعياً ونفسياً وصحياً، ومن جميع النواحي”! وبالفعل فلقد كان ناجي السبع كحتوتا، يصعب على( الجاحظ) تصور مدى بخله، في صرف القرش الذي يقبضه، ليدوِّنه في كتاب البخلاء! إنه أبخل من بخلاء الجاحظ! ولكنه بدأ يعيد النظر.
ذهب إلى البنك، وراجع أرصدته بالعملات الصعبة، وخاصة معبوده؛ الدولار، فكاد يحسد نفسه بذلك المجموع النقدي المتراكم. عدّ وحسب وجمع وطرح، فوجد أن لديه أكثر من عشرة ملايين دولار؛ نقداً! وأدرك أن العمر يمر بسرعة! وأنه في نهاية الخمسينات من العمر، فأعطى لجوهر وجواهر ضوءاً أخضر، لينفقا بعض النقود على حاجاتهما الترفيهية المعقولة، ثم قعد مع زوجته سلمى في جلسة مصارحة ومصالحة مع الذات، واتفق معها على فتح صفحة جديدة من الحياة الترفيهية التي تليق بعائلة مليونير، وأما هو فلقد ذهب، واشترك في نادي نفطستان الرياضي، ولبس مايوها، ووقف على رفاص بركة السباحة، وقفز، ثم أعاد القفز مرّةً، ومرتين وثلاثة، وكان مسروراً بتلك البركة التي تختلف كثيراً عن وادي العدس، في معسكر أنصار 13. الله يرحم أيام زمان، حيث كان يلتقي معنا نحن الأطفال، فنسبح في الوادي، الذي تجمعت مياهه من سيول الأمطار، لتصل إلى (وادي العدس) ذي الجور والمنخفضات، التي كانت تضيق في أماكن، وتتسع في أماكن أخرى، بمياهها الحمراء الممزوجة بالطين، لتشكل عدة برك، يسبح فيها أطفال المعسكر. ولكن برك الوادي الطينية، لم تكن تخلو من ألواح نباتات صبر شوكية، أو من أغصان أشجار مكسورة، أو زجاج مكسور، أو صخور ناتئة، أو عظام حيوانات ميتة، أو الأشواك أحيانا ! كان الوادي يجمع بطريقهِ كلَّ ما هبَّ ودبَّ من المخلفات والنفايات، ولم يستثنِ أحيانا جيفة حمار، أو ماعزاً ميتة، تفوح رائحتها النتنة، فتزفِّر جو الوادي، وهو يجرها معه، فتصل إلى الجُرف الواسع العميق، حيث نتبلعط نحن الأطفال في هذا المخلوط المائي العجيب، متجمِّعين متكاثرين مع الضفادع ! وكانت الضفادع تشاركنا في السباحة، وكثيراً ما كنا نشاهد الذكر يقف فوق الأنثى، يُسيل على بيضها الذي يخرج من مؤخرتها بالآلاف، خيطاً سائلاً شفافاً، بهدف تلقيح البيض، الذي يفقس داخل ماء الوادي، فتخرج منه حيوانات صغيرة سوداء، بحجم رأس قلم الرصاص، لها ذنَبٌ طويل ،كنا نسميها ” كرار”، تنتشر في الماء بعشرات الآلاف، تسبح معنا، فكلّنا؛ نحن والضفادع؛ “كرارٌ” نسبح في الماء! وكنتِ تسمعين يا عذبة صراخ الأطفال الضاحكين والباكين، والشاتمين والمشتومين، والمتشيطنين، والضاربين والمضروبين من جهة، والذي انزلق فالتَوَت رجله، فصاح بأصوات تخرج من قحف رأسه، باكياً متأوهاً؛ بينما مخاط أنفه ينساب على فمه، وتجدين من حوله يضحكون عليه، ويقلِّدون صراخه، شامتين فيه، وقاصدين إغاظته، هكذا بهدف القَردَنة! ومن جهة أخرى تسمعين أصوات الضفادع، التي يناجي الذكر منها أنثاه، وتتدلّع الأنثى بنقيقها المغناج على ذكرها قائلة: كراك، كراك، كراك، كراك! وكان ناجي أشطر السبَّاحين في وادي العدس. وكان بعض الأطفال يسبحون بلا ملابس، عراةً تماماً، لا يعرفون شيئاً اسمه “مايوه”، ولا يملكون حتى ملابس داخلية، تستر عوراتهم الصغيرة. وكان الصراخ والضحك، والمعارك الطفولية على أشدها! وأما الآن فالوضع قد تغير، والبركة الأولمبية ذات الماء الأزرق المُنَقّى في نادي نفطستان الرياضي، لا تقارن بوادي الكرار، ولا بوادي العدس!
قفز السبع في البركة الأولمبية الساحرة الجمال، بزرقتها وشفافية مائها، وشذى تعطير الجو المحيط بها. قفز بظهره، كنوع من الفلسفة السباحية، فانزلق على رفَّاص البركة، فوقع، فانكسرت فقرة من فقرات ظهره، فأصيب فوراً بالشلل! ولم تنفعه كل مستشفيات العالم، لإعادته يسير على قدميه، كما كان سابقاً، فأجلسوه على كرسي المعاقين، دون القدرة على إعادة ما كان. وبينما كان ساهماً مفكراً وهو يجلس على كرسيه الجديد، يتأمل نفسه على ذلك الوضع المحزن، اقتنع أن ليس له في الطيبات نصيب! وكما يقول المثل:”أجت الحزينة تفرح، ما لقيت لها مطرح، يا حسرة قلبي “! هكذا عاد ناجي “غير ناج” بل محمولاً على كرسي المعاقين، عاد إلى بلاد قريبة من فلسطين، لعلَّه يقف على الحدود، يشم رائحة الهواء المنعش القادم من هناك في ما تبقى له من العمر. وعندما زرته في بيته الجديد، تذكرنا أيام زمان، وتناقشنا في مستقبل الجيل القادم، فكان يؤيدني في زواج أولاده وبناته في فلسطين الثمانية وأربعين. فيعودون إلى وطنهم الأم .

*كاتب روائي فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق