قراءات ودراسات

التفكيك والاختلاف عند جاك دريدا

د زهير الخويلدي

يبدي جاك دريدا خطابا غير تقريري حول مسألة الحقيقة بحيث لم يتمكن من حسم أمره بخصوص وجودها وإمكانية معرفتها من طرف العقل البشري والانتفاع بها على الصعيد العملي والإطار الحياتي ولكنه يبحث عنها في اللغة والفن والرسم ويشير إلى أثرها ويغمره حدثها ويعترف بقيمتها وينادي عليها بالقدوم ويأمر بلزومها ويفرض على الاستراتيجية التقليب عنها على غير الدروب المتشعبة للميتافيزيقا.

كما يقف موقفا متوجسا من مصطلحات الحدث والواقعة والماهية ويتبنى وجهة نظر فلسفة الاختلاف في رفضها للتكرار بنفس الصيغة وعلى الوتيرة عينها للشيء ذاته ويكتفي بالمحاولات غير الدقيقة للاستعادة.

الحدث الحقيقي حسب دريدا لا يمكن توقع حدوثه ولا يجوز انتظار وقوعه في مكان محدد وزمان معلوم بل هو في طور التحديث المستمر والحدثان الصائر والتحيين المتزامن والقدوم بشكل مستمر دون اللحاق.

لا يمكن حسب دريدا احتساب الحدث ولا تنزيله ضمن مرجع ولا تثبيته ضمن مسطح ولا تعويضه بشيء آخر ولا إدراجه في ممكن ولا إحاطته بظروف أو شروط ولا يبلور أي إمكانية ولا يساهم في فتح أي أفق.

فهل التفكير في الحدث هو المستحيل الذي يجعل اللامعقول متحكما في المقول والموجه للأسلوب غير المعهود؟ وكيف يسمح التفكيك بالقضاء على تكرار الأحداث كما هي؟ وما المقصود بالاختلاف المؤجل؟

يظهر أن اسم التفكيك مركبا يخفي طابعا مفارقا ويضم في ذات الوقت الهدم والبناء أو التحطيم والتشييد ولكن الأمر هو أعمق من لك بكثير ويقتضي مغادرة تربة ميتافيزيقا الحضور والتكلم بلسان فكر الكينونة والتطرق إلى القطع مع العادي والحفر في المكتوب والتشريح والتفجير والتدمير والتوغل بين ثنايا النص.

التفكيك تأويل مختلف للكلام واختلاف حول تأويل الكلام وانقطاع عن القراءة المألوفة والكتابة الخطية واستخراج الأحكام المسبقة التي تكرر في التعبير نتيجة هيمنة القانون والسياسة والاقتصاد على التفكير.

لا يعتبر التفكيك نظرية فلسفية قائمة الذات ولا يمكن التعامل معه بوصف المذهب المعرفي الذي أدخل الفلسفة إلى زمن مابعد حديث وإنما هو ممارسة ذوقية تتحرك ضمن الدلالة والعلامة والرمز والحركة وأسلوب في القراءة والكتابة على غير الطريقة الكلاسيكية وإتباع سيناريوات جديدة في الإبداع والخلق.

لكن لماذا يترتب عن الذهاب بعيدا في التفكيك من الناحية الفلسفية الإقرار بمشروعية الاختلاف والفرق؟

يمكن القول بأن عبارة الاختلاف تلخص بصورة تقريبية فلسفة دريدا غير النسقية وتترجم فكره الثاقب وطريقته المتوهجة في النقد وتقليب النصوص بكل وجوهها ومداهمة الضمنيات وقول المسكوت عنه.

توجد علاقة قرابة بين الاختلاف والفرق تكشف عن الطريق الذي يمكن للفكر أن يسلكه من أجل توثيق الفوارق بين الدال والمدلول وبين الأسماء والأشياء وبين العلامات والرموز وبين ثبات النسق وتحول المرجع وبين المثقال الستاتيكي والقوة الديناميكية وبين وظيفة التسمية والإسناد وفعل التفريق والتضمين. إن الفرق هو الوسط بين الفوارق في الزمن والمكان وبين الكلام والكتابة وبين الفعالية والانفعال. هكذا يحيل الفرق على مسار التفريق بين طبقات الميراث وخارج منطق التكرار وبعيدا عن زمانية الحضور ويسمح للفكر من الإصغاء للفريد والمداهم والمتميز ووضع العقل على رقعة اللعب بالكلمات دون قواعد. فكيف ابتعد الفرق عن صورة الفكر التقليدية وشكل مفارقة المباينة الأصلية بين اللغة والفكر والكينونة؟

المراجع:

Derrida Jacques, de la grammatologie, éditions de minuit, 1967.

Derrida Jacques, Marges de la philosophie, éditions de minuit, 1972.

Derrida Jacques, la vérité en Peinture, éditions Flammarion, 1978.

Derrida Jacques, Tourner les mots, éditions Galilée, 1998.

Derrida Jacques, Papier machine, éditions Galilée, 2001.

كاتب فلسفي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق