الموقع

[ أسامة بن لادن والقاعدة، لعبة الغياب والحضور]

بقلم: سعيــد بوخليــط

إذا كان التعريف الكلاسيكي الذائع الصيت، للسياسة بأنها فنّ الممكن، فإن تأويل الفعل السياسي، أصبح أكثر حداثة من ذي قبل وهو يرفض يوما بعد يوم، التبرير العلي المباشر، ويصير أكثر جوابا يسلب ذاته باستمرار، تتداخل في صنعه روافد وسياقات قياسا إلى عالم بدا قرية صغيرة، مكشوفة عن آخرها، نتيجة ما ترتب على مسارات العولمة. تحقق، يحتم توفر خبرة سياسية في منتهى الذكاء، تكون واجهتها الأولى، تلك الديبلوماسية الحية والدينامية، التي تؤثث البلد بمختبرات للتفكير من أجل سنّ سياسات وطنية استباقية، تستند على مرجعية رؤيوية عميقة وتضع خططا مدروسة لأجيال وأجيال. مما يعني، القطع مع سياسة المتاحف والخطابات الجاهزة المقولبة، إلى أخرى تبتغي حسّا مبادرا، قادرا على الإلمام بالشعيرات الواهية التي أضحت توجه أقدار ومصائر الشعوب.

بناء عليه، تنبعث ثانية، أطروحة أسامة بن لادن والقاعدة. التنظيم الذي شهد تأويلات وتصنيفات مختلفة ومتباعدة، منذ أن برز الحديث عنه بقوة بعد أحداث 11 شتنبر 2001، لكن أغلبها تلتقي عند كونه تعبير من تعبيرات منظومة الليبيرالية المتوحشة وتجسيد إديولوجي عن انهيار  الفكر المتنور، وتراجع حركات التحرر العالمية، ذات المنحى الإنساني التي تنهل آفاقها من مجتمع اشتراكي ينعم بالمساواة والعدالة الاجتماعية. حلم،  شكل هاجسا فعليا في كل القارات، طيلة عقود مضت، ونجح بحق في خلق نماذج مجتمعية رائدة. غير أن التحالف الامبريالي العالمي، حارب بكل ما لديه، سعي المنظومة التقدمية، التي بقيت في مواجهتها لأمريكا وأذنابها، متشبثة بقيم مشروع مجتمعي متكامل، يحلل وفق أنساق علمية اختلالات المجتمعات الرأسمالية، ومن تم الانهيارات الحتمية.

لاشك، أن أهم السمات الفارقة، بين التيار التحرري وتنظيم بن لادن، يكمن في :

ـ القاعدة، لا تملك أي سند معرفي أو تاريخي، بل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خرجت من جبّة الأجهزة المخابراتية الأمريكية والأوروبية… .

ـ القاعدة، حركة لاهوتية عدمية، تفتقد لأي تصور مجتمعي تأسيسي واضح وترفض بفكرها الشمولي، القائم على مانوية جذرية : المؤمنون (الأخيار)، والكفار (الأشرار)، كل البناء الحضاري الذي راكمته الإنسانية، حيث بدونه، سيتحول العالم إلى قلاع للبرابرة.

ـ القاعدة، ليست حركة مناضلة، بالمفهوم الحقوقي للكلمة، بل مجرد موقف دموي، أرعن، يكره الحياة. بينما التنظيمات التحررية المقاومة، تصارع أساسا من أجل تعضيد شروط وأسباب الحياة  الجديرة بأهلها أي : العقل والحرية والجمال. لذلك فالأهداف الثورية، لم تمس تاريخيا بتاتا  اختيارات  أناس أبرياء بشكل عشوائي. وجوهر الصراع، لا يخرج عن فريقين اثنين : المستغلون والمستغلين.

ـ القاعدة، بقيت قفازا حريريا أمريكا أو عصا بلياردو، يدير بها البيت الأبيض والبنتاغون، موازين القوى على الساحة الدولية، وفق مصالح وأهداف محددة سلفا. لكن، مع سوء التقدير انقلب السحر على الساحر وتضخم التنظيم، فأضحى غولا يلتهم الأخضر واليابس، وأحيانا كثيرة وصفة مفتاح عمومي بالنسبة للرجعيات العربية الحليف الطبيعي لأمريكا، التي التقطت النتاج بدهاء ووجدت في القاعدة ضربة حظ من السماء. فالخبراء العارفون بأغوار التنظيم، يجمعون على أنه انتهى رسميا منذ الضربات الأولى الموجهة لأفغانستان، لذا ما تبقى في الغالب الأعم مجرد فكرة  أثيرية، تسبح في الهواء، بحيث يوظفها كل صاحب مزاج مالنخولي بطريقته الخاصة حتى يجد لما يقوم به تبريرا إلهيا.

ما يثير الغمز واللمز، أن بن لادن انبثق من رماده، فمباشرة بعد البشاعة التي اكتسحت بغير رحمة وداعة أركانه  بمراكش، ثم إفشال حادث إرهابي في ألمانيا، بعد يوم واحد. أعلن باراك أوباما خلال أولى ساعات صبيحة الاثنين 2ماي ، أن فرقة عسكرية خاصة، تمكنت من قتل زعيم القاعدة . بالتالي،  نجاحه فيما عجز عنه بوش، العدو الأول للملياردير السعودي. لكن، بعد حين سنكتشف المفارقة المهولة التي تضمنتها جل البيانات الصادرة عن العواصم الكبرى. من جهة، أخبرونا بأن الرجل الذي يقض مضجع الكل، وأراد تغيير الكون حسب مزاجه قد بُتر رأسه، لذلك صار بإمكان هذا الجميع أن يرتشف قهوة في أي مكان من العالم دون تحسس رقبته قبل ذلك. غير أن الشق الثاني من الإعلان وهو مربط الفرس وحد الحدود، فقد ضمّن الموت ولادات لانهائية، دون مراعاة للمكان والزمان والشخوص والأفعال، من خلال الدعوة إلى الاحتراس والفزع والتهيب، مادامت الموت ستحلق حرة طليقة  في أرجاء المعمور، وقميص بن لادن سيلاحق الناس مثل شبح أينما رحلوا وارتحلوا حتى آخر قطرة من دمهم. إنه لأمر جسيم ! ترى ما هي المكائد التي يتدبرها الساسة، بتحنيط الجثة وأسطرتها ؟ إنه الفنقس المبتلع الذي ينبجس أبد الآبدين. عمامة تنساب من بطن الحوت، كل آن، حسب الأهداف المرصودة. هي، إذن، لعبة السياسة القذرة، التي تسحق الجماجم بلا هوادة. لاشك، أن أوباما، بترميمه للعظام قد تدبر فكرة جهنمية، كي يرجح لصالحه منذ اللحظة انتخابات نوفمبر  2012، وقدم للشعب الأمريكي المعروف بسذاجته السياسة وجهله بما يقع خارج جغرافيته، هدية مسمومة وأحجية يتسلى بها، ربما تمحو عن نفسه غمّ مستنقعات أفغانستان والعراق، وقد التهمت أبناء الأمريكيين مجانا، تلبية لنزوات وجشع الشركات المتعددة الجنسيات.

حالة الطوارئ، التي بشّر بها زعماء الغرب، لحسابات سياسية، بعيدة جدا عن إدراكنا نحن المهمشين، ستلقي بالبشرية لا محالة وسط لجة من النار تأكل الجميع وتحجب الأنظار، عن الأسئلة المصيرية التي أصبحت ملحة أكثر من أي شيء آخر مثل البناء الديمقراطي في العالم العربي، وإعادة هيكلة المؤسسات والأجهزة الدولية كي يستجيب  للواقع الجديد، وضرورات التنمية الاقتصادية، ومستجدات المناخ والكوارت الطبيعية والجوع والأمية والأمراض والنفايات …، أوليات وأخرى ستقبر، لأن الحروب الهمجية للأزمان الغابرة، قد عادت، حيث الانتقام والانتقام المضاد، وفق جدول لا ينتهي.

إن الشارع العربي المستيقظ، الذي أخمد برومانسية ناضجة، عماء الإرهاب، وحول سعير الاستبداد، إلى بساط ربيعي ينقلنا بسلام نحو الحق والخير والفضيلة والتعايش الرحيم، ستعترضه بلا ريب فترات من التشويش السلبي، التي ستعاكس آفاق الانفتاح التي يقتضيها البناء والتأسيس، وستخطف ما تبقى من الأنظمة العربية المترهلة، زرع الروح في بن لادن، كي تفبرك أشرطة سينمائية، بإخراج سيء غالبا بهدف إضفاء الخلاص على ذاتها، وتتحصن بأطلال ما قبل البوعزيزي : أنا أو الإرهاب، ولكم أن تختاروا ؟ وستوصف، كل هبّة إلى الشارع، بأنها رغبة للانتقام من قبل مريدي وأتباع الشيخ، لذا وجب تطبيق القصاص عليهم، لأنهم خارجون عن القانون. أيضا، الاشتغال الإعلامي بهذه القضية لبضعة أسابيع على الأقل، سيجعل صدور الشباب العربي الثائر حاليا في ليبيا وسوريا واليمن، معروضة على طبق من ذهب، أمام سلاح المجرمين، الذين سيجدون الفرصة سانحة كي يقتلوا ما شاء لهم دون حسيب أو رقيب. هل، كان بوسعنا تصور سقوط بن علي ومبارك، دون تنبه إعلامي فاضح ؟ بالتأكيد، استعصى حينذاك المخرج، وإن اختمرت الشروط وتوفرت العناصر اللازمة، لأن الديكتاتوريات العربية جد دموية، ولا يردعها في كل الأحوال الا الصوت الخارجي. إذن، يجدر الانتباه أقصى ما يمكن  بهذا الخصوص، فأمريكا التي أخرجت صدام حسين من جوف حفرة في أعماق قرية تكريت، “عجزت” في الوقت ذاته عن التقاط القذافي من باب العزيزية، لأن شركاتها البترولية،  لا تريد عنه بكل وضوح بديلا كي يظل كلب حراستها على الثروة الثمينة…

مات أسامة بن لادن، عاش أسامة بن لادن؟ تلك قضية ملغية ، المهم أن يستمر عشاق الحرية في التوالد….

مراكش/ المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق